تكشف مباريات كأس العالم 2026 وجهاً اقتصادياً قاسياً على المشجعين لا يخفيه ضجيج المدرجات.
فالبطولة التي تُقدَّم بوصفها محركاً للسياحة والإنفاق، تضع المشجع العادي أمام فاتورة لا تبدأ بالتذكرة ولا تنتهي عند باب الملعب.
السفر والسكن والنقل والرسوم وارتفاع الأسعار في المدن المضيفة، كلها تحوّل الرحلة إلى قرار مالي ثقيل، لذلك بات مشجعون يتقاسمون الغرف والحافلات، ويحجزون قبل أشهر طويلة، ويبحثون عن بدائل للفنادق عبر الإيجارات القصيرة ومنصات مثل إير بي إن بي، بينما يتخلى آخرون عن الحضور من الأساس.
يقول البروفيسور روب ويلسون؛ وهو أحد أبرز الخبراء والمعلقين الموثوقين في المملكة المتحدة في مجال اقتصاد وتمويل الرياضة، في ردّه على أسئلة" العربي الجديد"، إن تنظيم السكن والنقل جماعياً يمنح المشجعين قدرة تفاوضية أفضل، إذ تستطيع المجموعات الحصول على خصومات وشروط أفضل مما يقدر عليه الأفراد.
غير أن هذه القدرة، بحسبه، تبقى محدودة في البطولات الكبرى، إذ تخلق الندرة في غرف الفنادق والرحلات الجوية ومقاعد القطارات أفضلية واضحة للمنصات وشركات الإقامة والتذاكر والنقل، التي تحتفظ بالنصيب الأكبر من القيمة.
ويضيف أن التسعير المتغير يجعل المشجعين يولدون الطلب، لكنهم نادراً ما يشاركون في المكاسب الناتجة عنه.
ويرى ويلسون أن هناك فجوة متزايدة بين الجهات التي تحصل على إيرادات البطولات الكبرى والجهات التي تشعر بالكلفة.
فالمنظمون يحتفظون بأكبر مصادر الإيرادات من حقوق البث والرعاية والضيافة والتذاكر، بينما يتحمل المشجعون ارتفاع تكاليف السفر والإقامة والترتيبات اللوجستية.
ويصف ما يحدث بأنه" نقل للمخاطر المالية"، مشيراً إلى أن بطولة أمم أوروبا 2024 حققت نحو 2.
4 مليار يورو من الإيرادات، في حين يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم أن تصل إيرادات كأس العالم 2026 إلى 13 مليار دولار، مدفوعة إلى حد كبير بحقوق الإعلام والرعاية.
ويرى ويلسون أن هذه المجموعات يمكن أن تتحول، إذا نُظمت بصورة أفضل، إلى كتلة شرائية قادرة على التفاوض مع الفنادق وشركات النقل والمدن المضيفة.
غير أن ذلك يحتاج، بحسبه، إلى مؤسسات تملك الحجم والخبرة والحوكمة اللازمة، بدلاً من الاكتفاء بالتنسيق غير الرسمي بين المشجعين.
يتابع أن النموذج الأكثر عدالة يجب أن يتعامل مع المشجعين بوصفهم أصحاب مصلحة أساسيين، لا زبائن محتجزين أمام خيارات محدودة.
وقد يشمل ذلك حصصاً محمية من التذاكر الميسورة، وصناديق لدعم سفر المشجعين، واتفاقات مع المدن المضيفة لإدارة أسعار الإقامة، وباقات نقل يتم التفاوض عليها مسبقاً.
ويقول إن تخصيص حصة صغيرة من إيرادات البث أو الرعاية لبرامج تساعد المشجعين على الحضور يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً.
وتظهر المفارقة بوضوح في تجربة مشجعي اسكتلندا، المعروفين شعبياً باسم" الجيش الترتاني"، وهم الذين يرافقون المنتخب في البطولات والسفر الخارجي، في إشارة إلى قماش الترتان المرتبط بالهوية الاسكتلندية.
حضر هؤلاء بكثافة إلى الولايات المتحدة بعد تأهل منتخبهم إلى أول كأس عالم منذ عام 1998.
ملأت الجماهير الاسكتلندية شوارع بوسطن وميامي بالقمصان الزرقاء وموسيقى القِرَب والأغاني الجماعية، وتركت أثراً لافتاً في الأعمال المحلية والحياة اليومية للمدن التي مرت بها.
وعاشت بوسطن حضوراً استثنائياً للجماهير الاسكتلندية، حتى إن بعض الحانات احتاجت إلى إمدادات إضافية من الجعة بعد فوز اسكتلندا على هايتي.
بيد أنّ الصورة الاحتفالية تخفي فاتورة باهظة.
يقول هاميش هازبند، ممثل رابطة نوادي الجيش الترتاني، في تعليق لـ" العربي الجديد"، إن تأهل اسكتلندا في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أول كأس عالم لها منذ عام 1998 أطلق حماسة كبيرة بين الجماهير، لكنه وضعها أيضاً أمام كلفة استثنائية للسفر إلى الولايات المتحدة.
ويستعيد هازبند مزحة أطلقها أحد المشجعين خارج الملعب الوطني عقب التأهل، حين قال إن السفر إلى الولايات المتحدة قد يضطره إلى" بيع أطفاله"، قبل أن يضيف ساخراً أنّه حتى ذلك لن يكفي ما لم تكن عائلته كبيرة.
تعكس هذه المزحة، بحسب سياق حديثه، حجم الصدمة التي شعر بها المشجعون أمام الفاتورة الكاملة للرحلة.
ويشير هازبند إلى أن المشجعين واجهوا أسعار تذاكر وصفها بالابتزازية، في ظل التسعير المتغير الذي يعتمده الاتحاد الدولي لكرة القدم، إلى جانب ارتفاع أسعار الإقامة أثناء فترة الحجز.
كما يلفت إلى أن كلفة القطار إلى مباريات بوسطن ارتفعت من 20 إلى 80 دولاراً، ما دفع جماهير اسكتلندا إلى استئجار حافلات مدرسية محلية لنقلها.
ويقول إن رحلة الجماهير جاءت" بكلفة استثنائية"، رغم أن أكثر من 60 ألف مشجع اسكتلندي وصلوا إلى الولايات المتحدة.
ويضيف أن" الجيش الترتاني" لم يترك أثراً في المدرجات فقط، بل في المجتمعات المحلية أيضاً، إذ تبرعت مجموعة بروفيدنس التابعة له بعشرة آلاف دولار لمستشفى محلي للأطفال، وبـ5500 دولار لفرقة محلية لعازفي مزمار القربة، فيما قدمت مبادرة" نداء شمس الجيش الترتاني" تبرعاً محلياً بقيمة سبعة آلاف دولار.
ويصف هازبند جماهير اسكتلندا بأنها" الجيش الأكثر وداً في العالم" ويضيف أن" الجيش الترتاني غزا الولايات المتحدة" رغم الكلفة المرتفعة للرحلة.
هذه الضغوط لا تنحصر بالجماهير الاسكتلندية.
فبحسب وكالة رويترز، لم تحقق الفنادق وشركات الطيران الأميركية في بداية البطولة الزخم الذي كانت تنتظره، بعدما دفعت أسعار التذاكر والسفر والإقامة بعض المشجعين الدوليين إلى إعادة حساباتهم.
واضطر بعض الفنادق إلى خفض أسعارها حين لم تصل الحجوزات إلى المستوى المتوقع.
تظهر هذه المفارقة في نيويورك ونيوجيرسي، حيث لم يكن الطلب الفندقي المبكر على ليلة النهائي بالحجم الذي راهن عليه بعض أصحاب الفنادق.
ولا يعني ذلك غياب الطلب، لكنه يوضح أن رفع الأسعار لا يضمن وحده عائداً أكبر، إذ قد يدفع الزوار إلى تقصير الإقامة، أو اختيار مدن أرخص، أو خفض إنفاقهم خارج الملاعب.
كلفة الوصول إلى الملاعب تضيف عبئاً آخر.
ففي نيوجيرسي، أثار السعر المقترح أولاً للقطار إلى الملعب، والبالغ 150 دولاراً ذهاباً وإياباً، انتقادات واسعة قبل خفضه إلى 98 دولاراً.
وبلغت المشكلة حد تدخل لاعبي المنتخب الألماني لتغطية انتقال 600 مشجع إلى إحدى المباريات، في إشارة إلى أن الطريق إلى الملعب لم يعد تفصيلاً لوجستياً، بل جزءاً من أزمة الحضور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك