قناة الغد - ترمب يهاجم التقدميين: شيوعيون متطرفون ملحدون مثل السرطان قناة الغد - 6 شهداء في إطلاق نار وقصف إسرائيلي متواصل على قطاع غزة وكالة الأناضول - رودريغيز: ترامب تعهد بدعم جهود الإغاثة في فنزويلا إثر الزلزال إيلاف - أشياء لا تفعلها في الفنادق: خبير إتيكيت يحذر من هذه الأخطاء قناة الغد - سول: طائرات عسكرية روسية وصينية دخلت منطقة الدفاع الجوي لكوريا الجنوبي العربي الجديد - بولتون يواجه السجن بعد إقراره بالذنب في قضية الاحتفاظ بوثائق سرية قناة القاهرة الإخبارية - أكاديمية الأوسكار تفتح أبوابها لأسماء عربية من تخصصات سينمائية متنوعة| صباح جديد الكوير - مصر تتعادل مع ايران و تتأهل لدور الـ32 من كأس العالم بسيناريو في منتهى الثعبانية قناة التليفزيون العربي - التسلسل الزمني لكابوس "هرمز".. كيف تحول أهم مضيق في العالم إلى ساحة حرب أمريكية إيرانية؟ التلفزيون العربي - اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: هل يعزز السيادة أم يفاقم خلل التوازن؟
عامة

رسم النفل جنوبي حلب.. جرح مفتوح وقرية تنتظر أبناءها بعد 13 عاما من المجزرة

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 3 ساعات

لم تكن الساعات الأولى من صباح 21 حزيران 2013 يوماً عادياً في قرية رسم النفل بريف حلب الجنوبي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأيام دموية في تاريخ المنطقة، ففي ذلك الصباح، استيقظ الأهالي على أصوات الرصاص ...

لم تكن الساعات الأولى من صباح 21 حزيران 2013 يوماً عادياً في قرية رسم النفل بريف حلب الجنوبي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأيام دموية في تاريخ المنطقة، ففي ذلك الصباح، استيقظ الأهالي على أصوات الرصاص وصيحات المهاجمين، قبل أن تتحول القرية الهادئة إلى مسرح لعمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية طالت النساء والأطفال والشيوخ، في مجزرة ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة الأهالي حتى اليوم.

وبعد مرور 13 عاماً على تلك الجريمة، وأكثر من عام ونصف على سقوط النظام المخلوع، لا تزال رسم النفل تبدو كقرية خرجت للتو من الكارثة، بيوت مهدمة، خدمات شبه معدومة، وأزقة خالية من سكانها الذين ما يزال معظمهم يعيشون في مخيمات النزوح أو في مدن وبلدان أخرى، بينما لم يعد إلى القرية سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 5 بالمئة من عدد سكانها.

تقع رسم النفل ضمن القرى التابعة لمنطقة السفيرة جنوبي حلب، على مقربة من بلدة خناصر التي شكلت خلال سنوات الثورة السورية عقدة استراتيجية على الطريق الواصل بين حلب وحماة عبر طريق إثريا، وفي صيف عام 2013، كانت فصائل الجيش الحر قد سيطرت على القرية قبل نحو 15 يوماً فقط من وقوع المجزرة، بينما تمركزت مجموعات محدودة من المقاتلين في أطرافها والتلال المحيطة بها.

ومع نزوح قسم من السكان، بقي آخرون في منازلهم ظناً منهم أن القرية أصبحت بمنأى عن الخطر.

رئيس مجلس بلدية رسم النفل أحمد عساف قال لموقع تلفزيون سوريا إن الساعات التي سبقت المجزرة شهدت تحركات مريبة، حيث دخل عدد من الشبيحة من أبناء المنطقة على دراجات نارية بهدف استطلاع الوضع داخل القرية، وبعد تأكدهم من غياب وجود عسكري كثيف لفصائل المعارضة، عادوا لإرشاد رتل قوات النظام والميليشيات الموالية له نحو البلدة.

ويضيف عساف أن قوات النظام دخلت مع شروق الشمس من جهة خناصر، وبدأت بإطلاق النار عشوائياً على الأهالي، بعض النساء والأطفال وكبار السن فروا باتجاه التلال المجاورة، لكن مجموعات من الشبيحة لحقت بهم وأقنعتهم بالعودة بحجة أنهم لن يتعرضوا لأي أذى.

وفور عودتهم جرى فصل الرجال عن النساء والأطفال، لتبدأ عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية بوسائل متعددة، بعض الضحايا أُعدموا بالرصاص، وآخرون شنقوا بأسلاك الكهرباء أو حبال الغسيل، في حين جمعت عائلات كاملة داخل منازل قبل أن تقصف وتدفن تحت الأنقاض، ويؤكد عساف أن الكتابات والشعارات التي تركها المهاجمون على الجدران أظهرت الطابع الطائفي للجريمة، مشيراً إلى أن الضحايا شملوا طفلة حديثة الولادة وسيدة مسنة تجاوز عمرها التسعين عاماً وكانت عاجزة عن الحركة.

جثث في الآبار ومنازل فوق المقابرلم تتوقف الجريمة عند حدود القتل الجماعي، بل امتدت إلى محاولات إخفاء آثارها بطرق مروعة، فبحسب شهادات الأهالي، جرى جمع عشرات المدنيين في عدة مواقع داخل القرية، كان أكبرها منزل فرج الفواز الواقع عند المدخل الشرقي لرسم النفل، وهناك أُعدم نحو 56 شخصاً من النساء والأطفال والمدنيين داخل المنزل، قبل أن يتم تفجيره فوق جثثهم.

كما اقتيد عدد من رجال القرية إلى الآبار المنتشرة في المنطقة، وهي آبار سطحية يصل عمق بعضها إلى عشرين متراً، وتشير الدلائل، وفق عساف، إلى أن بعض الضحايا ألقوا أحياء داخل الآبار، إذ لم تظهر على عدد من الجثث التي أُخرجت لاحقاً أي آثار لإطلاق نار، بينما كانت أيديهم مكبلة وأكياس تغطي رؤوسهم، جثث متفحمة داخل منازل مدمرة، ومقبرة جماعية جنوبي القرية، إضافة إلى جثث متحللة داخل الآبار.

ويضيف أن الأهالي تمكنوا من التعرف إلى عدد كبير من الضحايا الذين أُخرجوا من الآبار، بينما تعذر التعرف لى جثث أخرى ألقيت في خنادق كانت تفصل بين مواقع النظام المخلوع والمعارضة، ولجأ السكان إلى جمع الملابس وبقايا المقتنيات الشخصية للأطفال والنساء أملاً في التعرف على أصحابها، أما المقبرة الجماعية التي حفرتها قوات النظام المخلوع بواسطة جرافة، فلم يتمكن الأهالي من استخراج معظم الجثث منها بسبب التشوه الكبير الذي أصابها بعد مرور أكثر من شهر ونصف على دفنها، ما أدى إلى ضياع هويات كثير من الضحايا.

وتعود هذه الذكريات المؤلمة إلى الواجهة مجدداً بعد العثور في نيسان الماضي على مقبرة جماعية في قرية مزرعة الراهب القريبة، تضم نحو 55 رفاتاً بينها نساء وأطفال، وهي الجريمة التي يؤكد عساف أنها ارتكبت في الليلة نفسها التي شهدت مجزرة رسم النفل، وعلى يد الرتل ذاته.

لا نعرف لماذا ذبحت عائلاتنابالنسبة لأهالي رسم النفل، لا تختصر المجزرة بالأرقام، بل بأسماء وأفراد وعائلات اختفت من الوجود خلال ساعات، خليل السلوم كان داخل القرية عندما بدأت المجزرة، تمكن من النجاة بعدما ابتعد نحو كيلومترين شرقاً واختبأ بعيداً عن مرأى المهاجمين، ويتذكر تلك الساعات قائلاً إنه شاهد الدخان يتصاعد من القرية، ولم يكن هناك أي إنسان يخرج منها، وخسر السلوم ستة من أفراد عائلته في ذلك اليوم، بينهم ابنه وزوجة ابنه وزوجته وشقيقه وزوجة شقيقه.

ويقول خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: " المحاسبة وتقديم الجناة إلى القضاء هو مطلبنا الأول، حتى اليوم لا نعرف لماذا ذبحت عائلاتنا بهذه الوحشية، ماذا فعل الأطفال والنساء والشيوخ ليستحقوا هذا المصير".

أما محمد الأحمد، فكان يبعد نحو ثلاث كيلومترات عن القرية حين بدأت أصوات الرصاص تتردد منذ السادسة صباحاً وحتى الحادية عشرة قبل الظهر، الأحمد فقد أكثر من تسعة أفراد من عائلته، بينهم والدته وشقيقه، بينما قُتلت عائلة ابن عمه بأكملها وعدد أفرادها سبعة أشخاص، ويقول لموقع تلفزيون سوريا، إن الأهالي عادوا إلى القرية بعد نحو 70 يوماً من المجزرة، ليبدأوا رحلة البحث عن أحبائهم، في أحد الآبار وجدوا 11 جثة، بينما عثر على عشرات الجثث الأخرى تحت أنقاض منزل فرج الفواز.

ومن بين أكثر العائلات تضرراً كانت عائلة فرج الفواز، التي فقدت ما يقارب 56 شخصاً من أبنائها وأقاربها، بينهم طفلة حديثة الولادة ونساء وأطفال وكبار في السن، بعدما أُعدموا ودفنت جثثهم تحت ركام منازلهم، ويؤكد عساف أن بعض العائلات أبيدت بالكامل، فيما فقدت عائلات أخرى أكثر من 70 بالمئة من أفرادها، الأمر الذي جعل المجزرة جرحاً مفتوحاً في ذاكرة القرية لا يزال ينزف حتى اليوم.

قبل المجزرة كان عدد سكان رسم النفل يقارب أربعة آلاف نسمة، وبعد 13 عاماً، يقدر عدد أبنائها اليوم بنحو 12 ألف شخص نتيجة النمو السكاني، وفق رئيس البلدية أحمد عساف، إلا أن معظمهم ما يزالون مشتتين خارج قريتهم، وبحسب رئيس البلدية، لم تعد إلى رسم النفل سوى نحو 70 عائلة فقط، وهو رقم لا يمثل أكثر من 5 بالمئة من مجموع أبناء القرية.

ويعيش أكثر من 400 عائلة من أبناء رسم النفل في مخيمات النزوح قرب إعزاز شمالي حلب، فيما تقيم نحو 400 عائلة أخرى في الأردن، إضافة إلى عشرات العائلات الموزعة بين الرقة ودرعا ومناطق مختلفة من ريف حلب ومنطقة السفيرة، ويقول محمد الأحمد إن والده فقط عاد إلى القرية بعد التحرير ويعمل في تربية الأغنام، بينما بقي هو وبقية أفراد عائلته في مخيمات الشمال السوري.

وتبدو أسباب العزوف عن العودة متعددة، فالقرية تعرضت لدمار واسع، ومنازلها الطينية تعرضت للنهب والتخريب خلال سنوات الثورة وتغير السيطرة على المنطقة خلال تلك الفترة، ويقول الأحمد إن قوات النظام المخلوع سرقت كل ما يمكن حمله من المنازل، من الأبواب والنوافذ وحتى ألواح الأسقف الخشبية، ما جعل كثيراً من البيوت غير صالحة للسكن.

أما الخدمات الأساسية فتكاد تكون معدومة، لا مياه منتظمة، ولا كهرباء، ولا طرق مؤهلة، ولا شبكات اتصالات فعالة.

وبجهود محلية محدودة تمكن الأهالي من إعادة افتتاح المسجد والمدرسة فقط، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة داخل القرية.

ورغم قسوة الظروف الخدمية، فإن كثيرين من أبناء رسم النفل يؤكدون أن المشكلة الأعمق ليست في البنية التحتية، بل في الذاكرة، فالصحفي معتز محمد يرى أن المجزرة ما تزال السبب الرئيسي وراء عزوف الأهالي عن العودة، إذ يعيش كثير منهم حتى اليوم حالة من الخوف والصدمة النفسية المرتبطة بما جرى في ذلك الصباح.

ويقول عساف إن أبناء القرية يشعرون وكأن المجزرة وقعت بالأمس، رغم مرور 13 عاماً عليها، فكل منزل تقريباً يحمل قصة فقدان، وكل عائلة لديها ضحية أو أكثر، ولا يرى الأهالي طريقاً حقيقياً لإغلاق هذه الصفحة سوى كشف مصير جميع الضحايا والمفقودين، وفتح تحقيقات جدية، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.

ففي اليوم ذاته الذي شهد مجزرة رسم النفل، ارتكبت قوات النظام والميليشيات الموالية له مجازر أخرى في أم عامود والمزرعة وجنيد وقرى مجاورة، ضمن حملة دموية واسعة طالت المنطقة بأكملها، واليوم، بينما تستعد فرق الهيئة الوطنية للمفقودين لمتابعة أعمال التوثيق واستخراج الرفات من المقابر الجماعية المكتشفة حديثاً، يترقب أهالي رسم النفل أن تقود هذه الخطوات إلى كشف الحقيقة التي انتظروها طويلاً.

مجزرة لا تنسى ومطلب لا يتغيروقال مدير منطقة السفيرة، بركات اليوسف، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن مجزرة رسم النفل ما تزال حاضرة بقوة في ذاكرة أبناء المنطقة رغم مرور 13 عاماً على وقوعها، نظراً لحجم الجرائم التي ارتكبت خلالها بحق المدنيين، والتي طالت النساء والأطفال والشيوخ دون تمييز.

وأوضح اليوسف أن أبناء رسم النفل والقرى المجاورة نظموا في ذكرى المجزرة وقفة تضامنية داخل البلدة، بمشاركة ذوي الضحايا وفعاليات محلية وشخصيات مجتمعية، بهدف تخليد ذكرى الضحايا والتأكيد على أن ما جرى لن ينسى بمرور الزمن، وأضاف أن المشاركين استذكروا قصص العائلات التي فقدت أبناءها وأقاربها في ذلك اليوم، واستعادوا تفاصيل واحدة من أكثر المجازر دموية التي شهدها ريف حلب الجنوبي خلال سنوات الثورة على يد النظام المخلوع.

وأشار إلى أن الوقفة حملت رسائل عدة، أبرزها المطالبة بكشف الحقيقة الكاملة حول المجزرة، وتوثيقها بشكل رسمي، وملاحقة جميع المتورطين فيها وتقديمهم إلى العدالة، مؤكداً أن إنصاف الضحايا ورد الاعتبار لعائلاتهم يمثلان مطلباً أساسياً لأهالي المنطقة الذين ما زالوا يعيشون آثار تلك الجريمة.

وبين اليوسف أن كثيراً من أبناء رسم النفل لا يزالون يشعرون بأن الجرح لم يلتئم بعد، في ظل استمرار معاناة عشرات العائلات التي فقدت عدداً كبيراً من أفرادها أو أُبيدت عائلات كاملة منها خلال المجزرة، وأضاف أن إحياء الذكرى سنوياً لا يقتصر على استذكار الضحايا فحسب، بل يهدف أيضاً إلى إبقاء القضية حية في الوعي العام ومنع طمسها أو نسيانها، خاصة أن كثيراً من الناجين ما زالوا ينتظرون تحقيق العدالة ومعرفة مصير بعض المفقودين المرتبطين بأحداث تلك الفترة.

وأكد اليوسف أن بناء الثقة لدى الأهالي وتشجيعهم على العودة إلى قريتهم يرتبط إلى حد كبير بتحقيق العدالة وكشف مصير الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق سكان رسم النفل، معتبراً أن العدالة ورد الحقوق يشكلان خطوة أساسية على طريق التعافي المجتمعي وطي واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ المنطقة.

بين قرية شبه خالية من سكانها، وآبار ما تزال شاهدة على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها ريف حلب الجنوبي، تبقى رسم النفل مثالاً على أن آثار المجازر لا تنتهي بانتهاء المعارك أو سقوط الأنظمة، فهناك جراح لا تندمل بسهولة، وقرى لا يكفي تحريرها كي تعود إليها الحياة، ما لم تكشف الحقيقة ويحاسب المسؤولون وتجد العائلات المكلومة شيئاً من العدالة التي انتظرتها لأكثر من عقد من الزمن.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك