تواجه أوكرانيا أزمة تجنيد متصاعدة مع تراجع المتطوعين وزيادة التعبئة الإلزامية، وسط اتّساع الجدل الأوروبي بشأن وجود مئات الآلاف من الرجال الأوكرانيين القادرين على الخدمة العسكرية داخل الاتحاد، واحتدام النقاش حول منطق الحماية الإنسانية وكلفة استمرار الدعم وتداعيات الحرب.
تتوسّع في أوكرانيا دائرة النقاش حول أزمة نقص الجنود في الجيش، في ظل تقارير متزايدة عن صعوبة تعبئة القوات وتراجع أعداد المتطوعين.
وبالتوازي يتصاعد الجدل داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات استقبال اللاجئين الأوكرانيين، خصوصاً الرجال في سن القتال، مع طرح مقترحات لتقييد الحماية المؤقتة التي حصلوا عليها منذ بداية الحرب، بما ينعكس على وجود مئات الآلاف منهم داخل الدول الأوروبية.
وبعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، فعّل الاتحاد الأوروبي آلية" الحماية المؤقتة" التي منحت الأوكرانيين حق الإقامة والعمل والحصول على الخدمات من دون المرور بإجراءات اللجوء التقليدية، ما أتاح استقرار أكثر من أربعة ملايين شخص، خصوصاً في ألمانيا وبولندا ودول أخرى، ضمن استجابة إنسانية سريعة لتخفيف الضغط عن دول الجوار الأوكراني.
ومع استمرار الحرب، تحوّل النقاش داخل أوروبا من استجابة طارئة إلى إدارة طويلة الأمد للوجود الأوكراني، مع تصاعد الجدل حول وضع الرجال في سن التجنيد، حيث برزت دعوات لتقييد أو تشديد منح الحماية لهم، استناداً إلى أن استمرار خروجهم يفاقم نقص الجنود في أوكرانيا ويزيد الضغط السياسي الداخلي في دول الاستقبال، مقابل تحذيرات من تحويل اللجوء إلى أداة ضغط عسكري تمسّ مبادئ الحماية الدولية.
في موازاة ذلك، تواجه أوكرانيا أزمة تجنيد متصاعدة مع تراجع المتطوّعين وزيادة الاعتماد على التعبئة الإلزامية، بما في ذلك استدعاءات في الشوارع ونقاط التفتيش، وسط تقديرات بخسائر بشرية كبيرة وفرار أو اختفاء أعداد من الخدمة.
وفي مدينة خاركيف تحديداً، تنفّذ وحدات التجنيد عمليات تفتيش يومية للرجال وتصدر أوامر فورية بالالتحاق أو الخضوع للفحص الطبي وارتداء الزيّ العسكري من دون العودة إلى المنزل، ما خلق حالة توتر بين مَن يعتبره واجباً وطنياً ومن يلجأ إلى الرشاوى أو الاختباء أو الفرار.
وأقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سابقاً بصعوبة الوضع البشري، لكنه رفض خفض سن التجنيد من دون ضمانات كافية، متسائلاً عن قدرة المجنّدين الجُدد على القتال في ظل نقص المعدات والتدريب.
ويتصاعد داخل النقاش الغربي بشأن أوكرانيا، في اتجاه يعتبر أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالسلاح فقط، بل بنقص الجنود.
بناءً على ذلك، دعا بعض المسؤولين إلى توسيع قاعدة التعبئة الأوكرانية لتشمل فئات عمرية أصغر، في ظل اعتماد التجنيد حالياً ابتداءً من 25 سنة، مع طرح أميركي سابق لتوسيعه إلى الفئة بين 18 و25 سنة، باعتبار أن نقص الأفراد بات التحدي الأكبر.
ويضع هذا الطرح كييف أمام معادلة حساسة بين الحفاظ على الدعم الغربي وتجنّب استنزاف جيل الشباب.
في موازاة ذلك، لا توجد بيانات رسمية دقيقة تُفصّل أعداد الأوكرانيين في سن التجنيد داخل الدول الأوروبية، إذ تُدرج الأرقام عادة ضمن إطار" الحماية المؤقتة" من دون تفصيل عمري وجندري.
غير أنّ تقديراتٍ مستندة إلى بيانات مكتب" يوروستات" للإحصاءات التابع للمفوضية الأوروبية، تشير إلى أن ألمانيا التي تستضيف نحو 1.
1 إلى 1.
3 مليون أوكراني، تضم ما بين 200 و300 ألف رجل في سن التجنيد.
وفي بولندا، حيث يقيم قرابة مليون أوكراني، يُقدَّر عددهم ضمن هذه الفئة بين 150 و250 ألفاً.
أمّا في الدول الاسكندنافية، فتبدو الأعداد أقل لكنها ذات دلالة سياسية، إذ تستضيف السويد نحو 50 إلى 60 ألف أوكراني، من بينهم ما بين 10 و15 ألف رجل في سن القتال، بينما تضم الدنمارك نحو 35 إلى 45 ألفاً، يُقدَّر منهم بين 7 و12 ألفاً في الفئة ذاتها.
تعكس هذه الأرقام، رغم طابعها التقريبي، اتّساع الجدل الأوروبي حول وجود مئات الآلاف من الرجال الأوكرانيين القادرين على الخدمة العسكرية داخل الاتحاد، في ظل تصاعد النقاش حول كلفة استمرار الدعم وتداعيات الحرب.
داخل أوكرانيا، يعكس الوضع الاجتماعي انقساماً متزايداً بين اعتبار الخدمة العسكرية واجباً وطنياً في مواجهة الغزو الروسي، وبين تزايد حالات الرفض والتهرّب بدافع الخوف أو الإرهاق أو فقدان الثقة بطول أمد الحرب.
كما تتزايد التقارير المحلية حول شبهات فساد ورشاوى مرتبطة بعمليات التجنيد أو الإعفاءات الطبية، ما يفاقم تآكل الثقة بين المجتمع والدولة.
وفي اعتراف بحجم الخسائر، أعلن الرئيس الأوكراني في فبراير الماضي أنّ نحو 55 ألف جندي أوكراني قُتلوا منذ اندلاع الحرب بين بلاده وروسيا في فبراير 2022.
وكشف زيلينسكي حينها عن وجود عدد آخر كبير في عداد المفقودين.
في حين تشير تقديرات غربية إلى أرقام أعلى تتراوح بين 60 ألفاً و100 ألف قتيل، ما يعكس حجم الاستنزاف البشري الذي يضغط على ملف التجنيد ويعمّق الجدل حول مستقبل الحرب.
وقد فتح وجود مئات الآلاف من الرجال الأوكرانيين في دول الاتحاد الأوروبي باب نقاشٍ جديد حول" مسؤولية الحرب"، وبينما يرى البعض أن هؤلاء يتمتعون بحماية قانونية وإنسانية لا يمكن المساس بها، يعتبر آخرون أن بقاءهم خارج البلاد يضعف الجهد العسكري الأوكراني.
وبين هذين الموقفين، تتردد الحكومات الأوروبية في اتّخاذ قرارات حاسمة، خشية تداعيات قانونية وإنسانية من جهة، وضغوط سياسية داخلية من جهة أخرى.
ومع دخول الحرب مرحلة طويلة الأمد، يبدو أن أوكرانيا تواجه تحدياً مزدوجاً؛ استنزاف عسكري مستمر من جهة، وتراجع في القدرة على تعويض الخسائر البشرية من جهة أخرى.
وفي الوقت نفسه، يتزايد الضغط الأوروبي لإيجاد توازن بين دعم كييف والحفاظ على استقرار المجتمعات المستقبِلة للاجئين.
ويعكس الجدل القائم حول تجنيد الأوكرانيين أزمة أعمق من مجرد سياسات لجوء أو احتياجات عسكرية، إذ يرى متابعون أنّه صراع بين منطقين متناقضين؛ منطق الحماية الإنسانية الذي تأسّس عليه مبدأ استقبال اللاجئين، ومنطق الحرب الذي يفرض حاجة مستمرة للجنود.
وأمس في 26 يونيو/حزيران، اقترحت المفوضية الأوروبية تشديد قواعد دخول الاتحاد الأوروبي بالنسبة للرجال الأوكرانيين الهاربين من الحرب الروسية الذين لا يحملون تصاريح مغادرة من السلطات الأوكرانية.
وقال مفوض شؤون الهجرة بالاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر للصحافيين إنّ" اقتراحنا ينصّ على أنّه لا يتعيّن منح الحماية المؤقتة للأشخاص الوافدين حديثاً، الذين لا يُسمح لهم بمغادرة أوكرانيا بسبب التزاماتهم العسكرية بموجب القانون الأوكراني".
وأضاف برونر، بحسب ما نشرته وكالة أسوشييتد برس: " هذا ما طلبته أوكرانيا منا"، مشيراً إلى أن الخطط" تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الدفاعية المتطوّرة من قبل أوكرانيا".
ووفقاً للمفوضية الأوروبية، يستضيف الاتحاد الأوروبي حالياً 4.
4 ملايين أوكراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك