قبل عام ونصف، سقط نظام بشار الأسد، لكن أسئلة السوريين عن مصير آلاف المعتقلين والمخفيين قسرًا والمحاسبة والحقيقة لم تسقط معه، وبقيت إلى اليوم من دون أجوبة.
وفي الأسابيع الأخيرة بدأت المحاكمات، وتكثفت الاعتقالات، وشُكّلت هيئة العدالة الانتقالية بمرسوم رئاسي استنادًا إلى الإعلان الدستوري، كما فُتحت أبواب جديدة للمساءلة ما يطرح سؤالًا عما إذا بدأ تطبيق العدالة فعلًا في سوريا.
وبين ضحايا ينتظرون الحقيقة، ودولة تحاول بناء مؤسساتها، ومخاوف من الانتقام والانقسام، تبدو سوريا أمام أحد أصعب اختبارات ما بعد الصراع.
وفي هذا الإطار، يستذكر النائب العام في سوريا حسان التربة عشرات آلاف السوريين الذين قضوا أو تعرضوا لانتهاكات وتعذيب في عهد النظام السابق، مجددًا التزام الدولة السورية بمحاسبة كل من ارتكب هذه الانتهاكات.
ويرى في حديث إلى التلفزيون العربي من دمشق أن العدالة الانتقالية تمثل مسارًا وطنيًا مهمًا وإستراتيجيًا، مذكرًا بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بمرسوم في مايو/ أيار 2025، وهي مكلفة بمهام متعددة، من أبرزها محاكمة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق الشعب السوري.
مهام الهيئة الوطنية للعدالة الانتقاليةوبينما يلفت إلى أن المحاكمات ليست سوى جزء من هذا المسار، وليست كامل العدالة الانتقالية، يقول التربة إن مهام الهيئة تشمل أيضًا كشف الحقيقة، ومحاسبة المرتكبين، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، وجبر الضرر المادي والمعنوي، إضافة إلى المساهمة في نقل البلاد من حالة الصراع وعدم الاستقرار إلى حالة الاستقرار وإعادة البناء.
وبالتالي، يعتبر التربة أن العدالة الانتقالية ليست مجرد مشروع وطني، بل خيار إستراتيجي للدولة السورية.
النائب العام السوري يشدد في حديثه على أن الأمور بحاجة إلى وقت، ويقول: " فلنكن واقعيين: سوريا خرجت من 14 عامًا من الحرب، وبعد عقود طويلة من الاستبداد.
وسنة ونصف فترة قصيرة جدًا مقارنة بحجم التحديات".
أهمية إشراك الضحايا وذويهم في مسار العدالةمن جهتها، تقول المحامية لمى الجمل إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لا تعمل حتى الآن ضمن قانون واضح للعدالة الانتقالية.
فرغم وجود مرسوم لتشكيلها، لا يوجد إطار قانوني تفصيلي ينظم عملها.
وترى في حديث إلى التلفزيون العربي من العاصمة السورية أن" ما يحدث حاليًا هو مسارات متفرقة؛ فالمحاكمات تجري وفق قانون العقوبات والقضاء العادي، وليس ضمن منظومة عدالة انتقالية متكاملة، بينما العدالة الانتقالية تشمل: المساءلة، والمحاسبة، وجبر الضرر، والتعويض، والإصلاح المؤسسي، والأهم ضمان عدم تكرار الانتهاكات".
وتشدد الجمل على أنه لا يمكن لمشروع بهذا الحجم أن ينجح دون إطار قانوني واضح وشفاف.
وتدعو إلى ضرورة إشراك الضحايا وذويهم في مسار العدالة، وتوضيح كل التفاصيل المتعلقة بمسار العمل والآليات المعتمدة، والجدول الزمني، إضافة إلى النتائج على الأرض.
مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير مازن درويش يرى بدوره أنه لا توجد إستراتيجية وطنية واضحة حتى الآن للعدالة الانتقالية بل إجراءات متفرقة تقوم بها مؤسسات مختلفة، وليس مشروعًا موحدًا بعد.
ويلفت للتلفزيون العربي من دمشق إلى أن وزارة الداخلية تقوم ببعض الاعتقالات، ووزارة العدل تتولى التحقيق، بينما دور هيئة العدالة الانتقالية ما يزال محدودًا نسبيًا.
العدالة الانتقالية ومشاركة المجتمعدرويش يعتبر أن لا مبرر لبقاء مسودة قانون العدالة الانتقالية قيد الإعداد في الغرف المغلقة، داعيًا إلى عرضها على الرأي العام، " لأن العدالة الانتقالية ليست شأنًا تقنيًا فقط، بل قضية مجتمعية عامة".
ويقول: " يجب أن يعرف السوريون ما الجرائم التي ستُحاسب، وكيف سيتم التعويض، وهل سيكون عبر القضاء الجنائي أو المدني، أم عبر صندوق خاص لجبر الضرر".
ويرى أن" هناك قضايا حساسة على الأرض، مثل بعض التسويات أو إعادة دمج أشخاص مشتبه بارتكابهم انتهاكات، وهي مسائل تحتاج إلى شفافية كاملة".
ويشدد درويش على أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح دون مشاركة المجتمع، وخصوصًا الضحايا، في صياغة هذا المسار ومراقبته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك