(CNN) -- معظم العناكب التي تنسج الحرير، تبني شبكة وتنتظر حتى تقع فريستها فيها فتصطادها.
لكن نوعًا جديدًا اكتُشف في أستراليا يستخدم خيوطه الحريرية لصنع فخٍّ مخروطي الشكل يعمل مثل زنبرك، يقذف فريسته إلى الشبكة الرئيسية للعنكبوت.
وهكذا، عندما تعضّ نملة شجرية تبحث عن الغذاء قاعدة الفخ، تتفلّت الخيوط الحريرية التي تثبّته، ويندفع الهيكل إلى الأعلى قاذفًا النملة في الهواء.
يُعدّ هذا الإنجاز الهندسي المذهل في عالم العناكب سلوكًا لم يُرصد من قبل.
واكتشف العلماء حديثًا، أنّ هذا الفخ من صنع عنكبوت يعيش في الغابات المطيرة، شمال ولاية كوينزلاند الأسترالية، ويُلقّب بـ" عنكبوت المنجنيق" تيمنًا بالسلاح الذي استُخدم في اليونان القديمة.
ويتمتع هذا العنكبوت بأطراف طويلة برتقالية اللون وجسمًا أصفر مخضرًا، ويبلغ طوله نحو 5 مليمترات.
وينتمي إلى جنس بروبوستيرا (Propostira)، لكنه لم يحصل نوعه بعد على اسم علمي، وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة Current Biology، الإثنين.
قال أجاي ناريندرا، الباحث الرئيسي في الدراسة وأستاذ علم الأحياء الحسي بكلية العلوم الطبيعية في جامعة ماكويري بسيدني: " ربما تكمن فعالية هذا الفخ بأنه يطلق الطاقة بسرعة هائلة، ما يمكّنه، قياسًا إلى حجمه، من توليد قوة تفوق بآلاف المرات ما يمكن أن تنتجه العضلات".
وأضاف في حديثه إلى CNN: " مثل زنبرك مشدود، يُخزّن الطاقة ببطء ثم يطلقها بشكل شبه فوري".
ولا ينجذب إلى هذا الفخ ويشغّله بالتالي سوى نوع واحد من النمل: النمل الشجري الأخضر (Oecophylla smaragdina)، الذي يعيش على الأشجار ويتميّز بانتشاره الواسع وسلوكه العدواني.
ويهاجم منافسيه ومفترساته بالعضّ ورشّ حمض الفورميك، كما يمتلك وسائد لاصقة على أقدامه تساعده على حمل الأوزان الثقيلة فوق الأشجار.
وعنكبوت المنجنيق هو الوحيد المعروف الذي يصطاد نوعًا واحدًا فقط من الفرائس.
ويرجّح الباحثون أن استراتيجيته المتخصصة للغاية تطورت لاستغلال طبيعة هذا النوع العدوانية ثم التغلب على وسائل دفاعه.
فآلية القذف تُبعد النملة عن مسار البحث عن الغذاء، ما يُقلّل من خطر تعرّض العنكبوت لهجوم جماعي من بقية العاملات.
إلا أنّ سبب انجذاب النمل الشجري الأخضر وحده إلى الفخ ما برح مجهولًا.
وتطرح الدراسة احتمال أن تكون العناكب تضع فيرومونات على الفخ الحريري تستفز هذا النوع تحديدًا من النمل، فتدفعه إلى مهاجمة المخروط وتشغيل آلية إطلاقه.
ورأى ليوناردو ديلغادو-سانتا، أستاذ علم الأحياء في جامعة كوينديو، والباحث لدى مجموعة أبحاث إكديسيس، غير المشارك في الدراسة: " إنه اكتشاف استثنائي لأنه يجمع بين أمرين نادرًا ما يجتمعان: أداء ميكانيكي حيوي فائق التميّز ودرجة عالية من التخصّص البيئي".
وأضاف: " يعرف علماء الأحياء منذ فترة أن بعض العناكب تستخدم خيوطًا حريرية مشدودة لتعزيز القوة والإمساك بالفرائس بسرعة، لكن هذه الدراسة تصف نظامًا صُمم فيه الفخ خصيصًا لاستغلال السلوك الدفاعي لنوع محدد من النمل".
وتابع: " إن كون الفريسة بذاتها هي التي تُفعّل الآلية من خلال استجابتها العدوانية يجعل هذا النظام بالغ الأناقة من منظور تطوّري".
كان غريغوري أندرسون، المشارك في إعداد الدراسة والباحث الفخري لدى QIMR Berghofer Medical Research Institute في بريسبان، أول من رصد قدرة هذا العنكبوت على بناء الفخاخ.
وتواصل بعد ذلك مع ناريندرا ويوناس فولف، الباحث بالمعهد والمتحف الحيواني في جامعة غريفسوالد والمتخصص في حرير العناكب.
وقال ناريندرا: " رأينا، يوناس وأنا، أنّ الأمر غريب جدًا ويستحق الدراسة".
ولالتقاط أول صور لآلية هذا الفخ الفريدة، قطع العلماء آلاف الكيلومترات إلى الغابات المطيرة النائية في شبه جزيرة كيب يورك الأسترالية، ونظموا عمليات مراقبة ليلية للعناكب باستخدام كاميرات عدة وأضواء تعمل بالأشعة تحت الحمراء.
وعلى مدى ليالٍ عدة، راقبوا وصوّروا العناكب لنحو أربع ساعات فيما تبني أفخاخها المخروطية خيطًا تلو آخر.
يثبت العنكبوت بداية، نقطة ارتكاز على سطح يُرجّح أن يمرّ عليه النمل الشجري الأخضر أثناء بحثه عن الغذاء، ثم يربطها بخيط مشدود متصل بالشبكة الرئيسية.
ويكرر هذه العملية حتى يشيد هيكلًا يتألف من 15 إلى 60 خيطًا مشدودًا على شكل مخروط، قبل أن يغلفه بنوع أرق من الحرير.
ويبلغ طول المخروط المكتمل نحو 6 مليمترات، بينما يصل قطر قاعدته إلى نحو 2.
3 ملم.
وقال ناريندرا: " خلال ثوانٍ، ينجذب النمل إلى الفخ ويعضّ المخروط الحريري"، ما يؤدي إلى زعزعة استقرار المخروط، فينفصل عن أرض الغابة أو الورقة أو الغصن حيث كان مثبتًا عليه، في حين تنكمش الخيوط المشدودة بسرعة كبيرة.
وعندها تُسحب النملة، التي لا تزال ممسكة بالمخروط بفكيها، إلى الأعلى وتُقذف داخل شبكة العنكبوت.
في الليلة الأولى، عندما فعّلت إحدى النملات الفخ، حدث ذلك بسرعة كبيرة لدرجة أن الكاميرا عالية السرعة التي كان يستخدمها الباحثون، والقادرة على التقاط ما بين 5000 و7000 إطار في الثانية، لم تكن جاهزة وفاتتها اللقطة.
وقال ناريندرا: " انتهى الأمر في لمح البصر".
لحسن الحظ، التقطت كاميرا أخرى تعمل بسرعة أبطأ بكثير، تبلغ 25 إطارًا في الثانية، عددًا قليلًا من الصور.
وأضاف: " راجعنا اللقطات في الموقع، وعند هذا المعدل من التصوير كان الفخ ظاهرًا في إطار واحد ثم اختفى في الإطار التالي.
وكل ما رأيناه هو النملة الملتقطة متدلية داخل الشبكة الرئيسية.
عندها أدركنا أننا شهدنا شيئًا استثنائيًا".
وفي وقت لاحق، تمكن الباحثون من تصوير لحظة انطلاق الفخ بسرعة 5000 إطار في الثانية.
وقال ناريندرا إن تسارع الفخ بعد تفعيله بلغ أكثر من 4921 كيلومترًا في الثانية، أي ما يعادل نحو 100 ضعف تسارع سيارة سباق من فئة الفورمولا 1.
وأضاف أن الفخ لا يتميز بسرعته فحسب، بل يمتلك أيضًا قدرة هائلة على تخزين الطاقة وإطلاقها.
وقال: " بالنسبة إلى هذه الكتلة الضئيلة جدًا من الحرير، فإنه يختزن كمية استثنائية من الطاقة"، تفوق حتى تلك التي يمتلكها عنكبوت المقلاع الشهير، الذي ظل يُنظر إليه لفترة طويلة باعتباره أحد أقوى أنظمة القذف المعتمدة على الحرير في الطبيعة.
وبالنسبة إلى ديلغادو-سانتا، الذي يدرس بيئة العناكب وتكيفاتها السلوكية، مثل تأثير الضوء الاصطناعي على عادات الصيد لدى بعض الأنواع، فإن" هذه الدراسة تقدم مثالًا جديدًا على مدى الدقة التي يمكن أن تبلغها استراتيجيات البحث عن الغذاء لدى العناكب استجابةً لتحديات بيئية محددة".
وأضاف ناريندرا أن الباحثين متحمسون أيضًا للتعمق أكثر في شجرة نسب عنكبوت المنجنيق لمعرفة ما قد تخبئه الأنواع القريبة منه من مفاجآت أخرى.
وقال: " توجد أنواع أخرى من جنس بروبوستيرا في آسيا، ونحن حريصون على معرفة استراتيجيات الصيد التي تتّبعها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك