أعاد إعلان هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي حزمة جديدة من التخفيضات، الجدل القديم بشأن مستقبل المؤسسة، ودورها كخدمة عامة ممولة عبر رسوم الترخيص، في وقت يرى فيه منتقدون أن الهيئة تقلص برامج تمثل جوهر رسالتها الصحفية، بينما تبقي على محتوى ترفيهي يمكن أن يقدمه القطاع الخاص.
وفي مقال رأي في صحيفة تلغراف (The Telegraph) هاجم الكاتب والمؤرخ البريطاني سيمون هيفر توجهات الإدارة الجديدة لبي بي سي، معتبراً أن المؤسسة تفرط في أفضل ما تملكه من صحافة وبرامج جادة، وأن استمرارها بهذا الشكل يطرح سؤالاً قاسياً: ما جدوى بقائها؟وجاء مقال هيفر عقب إعلان المدير العام الجديد لبي بي سي، مات بريتن، عن تقليصات تشمل الأخبار وبرامج الشؤون الجارية، إلى جانب إلغاء 550 وظيفة، بهدف توفير 160 مليون جنيه إسترليني (نحو 203 ملايين دولار) هذا العام.
ووفق المقال، تأتي هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع قد يصل إلى فقدان نحو 2000 وظيفة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ولا يعترض هيفر، من حيث المبدأ، على خفض النفقات إذا كانت المؤسسة تعاني من الترهل أو عدم الكفاءة.
فهو يرى أن دافعي رسوم الترخيص من البريطانيين لا يمكنهم رفض الترشيد إذا كان ضرورياً.
لكن اعتراضه الأساسي يتعلق بنوعية البرامج المستهدفة، إذ يقول إن التخفيضات لا تطال ما يصفه بالمحتوى الضعيف أو الترفيهي المكرر، بل تطال برامج تعكس تقاليد بي بي سي الصحفية وقيمها العامة.
ومن بين البرامج المهددة أو المقرر إلغاؤها، يشير الكاتب إلى" ذا وورلد تونايت" (The World Tonight)، و" كروسينغ كونتيننتس" (Crossing Continents)، ونشرة" ميدنايت نيوز" (Midnight News)، وهي برامج يرى أنها تنتمي إلى أفضل ما قدمته المؤسسة في مجال الصحافة والتحليل والشؤون الدولية.
كما ينتقد هيفر ما يعتبره تراجعاً في معايير الإنتاج المهني، بعد تداول توجهات تطلب من المراسلين تصوير موادهم عبر الهواتف المحمولة بدلاً من العمل مع طواقم تصوير محترفة.
ويرى أن هذا المسار يعكس نزعة نحو الهواية، لا توجهاً لتعزيز الخدمة العامة.
وتتسع انتقادات هيفر لتشمل بنية بي بي سي نفسها.
فهو يرى أن بعض شبكاتها، مثل راديو 1 (Radio 1) وراديو 2 (Radio 2)، تقدم محتوى توجد منه نسخ تجارية كثيرة، ولا يمثل ضرورة لخدمة عامة ممولة من الجمهور.
وفي المقابل، يخشى أن تتعرض المنصات الأكثر جدية، مثل بي بي سي 4 (BBC 4)، للتهميش أو الدمج بطريقة تضعف حضور المحتوى الثقافي والفكري.
ويستحضر الكاتب إرث اللورد جون ريث، أول مدير عام للهيئة، الذي ارتبط اسمه بفكرة البث العام بوصفه وسيلة للتثقيف والإعلام والارتقاء بالذائقة العامة.
وبالنسبة إلى هيفر، فإن التخفيضات الحالية لا تمثل مجرد قرار مالي، بل ابتعاداً عن هذا التصور التاريخي، وتحولاً نحو سباق إلى القاع في نوعية المحتوى.
ويشير المقال إلى أن بي بي سي كانت، في عقود سابقة، إحدى أدوات القوة الناعمة البريطانية، عبر أعمال درامية ووثائقية رفيعة المستوى بيعت وعرضت حول العالم، مثل" ذا فورسايت ساغا" (The Forsyte Saga)، و" سيفيلايزيشن" (Civilisation)، وبرامج الطبيعة التي قدمها ديفيد أتينبورو.
لكن الكاتب يرى أن المؤسسة لم تعد قادرة، أو راغبة، في إنتاج مشاريع طموحة بالوزن الثقافي نفسه.
وفي خلفية هذا النقد، يطرح هيفر سؤال التمويل والشرعية: كيف يمكن تبرير رسوم الترخيص في عصر التلفزيون الرقمي، والراديو عبر الإنترنت، والمنصات المفتوحة، إذا كانت بي بي سي تقلص الأخبار الجادة والفنون والرياضة الكبرى، وتبقي على محتوى يمكن أن يجده الجمهور في أماكن أخرى؟وينتهي المقال إلى موقف حاد، إذ يرى الكاتب أن الحكومة البريطانية، إذا تعاملت بصرامة مع المسألة، قد تستنتج أن لا مبرر كبيراً لاستمرار بي بي سي بصيغتها الحالية، باستثناء قناة حكومية للإذاعة والتلفزيون تستخدم في حالات الطوارئ الوطنية وتمول من الضرائب.
وبذلك لا يرى هيفر في تجديد ميثاق المؤسسة أمراً بديهياً، بل يلمح إلى أن الوقت ربما حان لترتيب جنازة الهيئة التي كانت يوماً رمزاً للبث العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك