منذ أعلنت الحركة الصهيونية في عام 1948 تأسيس دولة إسرائيل، وهي لا تعيش بدون حرب.
كيان لا يعيش، بدون قتل، بدون دماء، بدون تدمير.
تركت العصابات اليهودية الإرهابية بصمات دموية لا ينساها الشعب العربي في فلسطين وغيرها من بلاد الوطن العربي.
لا يمر وقت طويل حتى ترتكب إسرائيل المذابح حتى امتلأت صفحات التاريخ بدموياتها ومذابحها بينما العالم لا يتحرك والعرب غير قادرين على وقف قوتها الغاشمة وتعطشها للدماء.
رغم كل هذه الحروب والمذابح لم تنجح إسرائيل في قهر الجغرافيا.
يعيش الصهيونيون في مساحة من أرض فلسطين لكنهم يحلمون ويطمعون في إمبراطورية كبيرة تحقق ما جاء – حسب تزويرهم – في التلمود وترد لهم ما بين النيل والفرات.
لم تستطع إسرائيل التوسع في الأراضي العربية كثيرًا رغم ما تخوضه من حروب ضد سوريا ولبنان ومن قبل مصر والأردن، بل تقوم بغارات جوية ضد العراق وتضرب مفاعله النووي.
بعد ما يقرب من 80 عامًا على إعلان تأسيس إسرائيل، ما زال سكانها داخل مساحة الأرض التي اغتصبوها وقت النكبة من فلسطين وإن زادت قليلًا بعد نكسة يونيو 1967.
لذلك غيرت أمريكا وإسرائيل استراتيجيتهما للتعامل مع الدول العربية، في خريف عام 2020، شهد البيت الأبيض توقيع اتفاقيات غيرت مسار العلاقات العربية - الإسرائيلية وهي التي عرفت باسم الاتفاقيات الإبراهيمية، نسبة إلى النبي إبراهيم الذي تنتسب إليه الديانات السماوية الثلاث، وهي تسمية حملت في طياتها رسالة دينية أرادت أن تضفي شرعية روحية على ما هو في جوهره مشروع سياسي استراتيجي.
بين الإمارات والبحرين أولًا، ثم المغرب والسودان لاحقًا، فتح باب التطبيع الذي ظل لعقود مرهونًا بحل القضية الفلسطينية، وبدأت مرحلة جديدة من التحالفات في الشرق الأوسط.
جاءت الاتفاقيات نتيجة تقاطع مصالح معقد بين أطراف عديدة، من جهة كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الأولى - تبحث عن إنجاز دبلوماسي يزهو به في حملته الانتخابية، كانت أمريكا مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة مقابل توقيع الاتفاقيات، فقامت بالاعتراف بمغربية الصحراء الغربية كجزء من صفقة التطبيع مع المغرب، ووعدت بتزويد الإمارات بطائرات F-35 الشبحية التي كانت بعيدة عن متناولها سابقًا.
من جهة أخرى كانت الدول العربية الموقعة تسعى إلى تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية وتأمين مصالحها الاقتصادية والعسكرية في منطقة تشهد تحولات كبرى، مع إدراكها المتنامي بأن السعودية بدأت تستعد لتغيير تموضعاتها وتحالفاتها.
الهدف الأكبر لهذه الاتفاقيات يتجاوز مجرد صفقات ثنائية، حيث يعكس تحولًا أعمق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ففي استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، بدا واضحًا أن أيام هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية قد ولت، وأن واشنطن تتجه نحو تقليص انخراطها العسكري في المنطقة وتجنب ما وصفته بـالحروب الأبدية، مع تركيز أكبر على المنافسة مع الصين والتهديدات في المحيطين الأطلنطي والهادئ.
وهذا التقليص في الأولوية الأمريكية يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل التوازن الإقليمي، وحول ما إذا كانت إسرائيل ستسعى لملء الفراغ الاستراتيجي الذي قد تتركه واشنطن، خاصة في مواجهة إيران التي تعتبرها الخطر الأكبر على أمنها، وفي ظل تراجع النفوذ الروسي والصيني المتنامي في المنطقة.
صار السؤال الأساسي، هل تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية البوابة التي تمكن إسرائيل من بناء الإمبراطورية التي تحلم بها؟ التحليل الموضوعي يشير إلى أن هذه الاتفاقيات حققت لإسرائيل مكاسب استراتيجية كبيرة، وسعت حضورها الدبلوماسي في قلب العالم العربي، فتحت لها أسواقًا جديدة، عززت تحالفاتها الأمنية والعسكرية في الخليج، ومكنتها من فرض خطابها السياسي بشكل غير مسبوق.
الأكثر دلالة أن الخطاب الإعلامي والسياسي للدول الموقعة خلال الصدامات المسلحة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية اتسم بالحيادية في أفضل الأحوال، وهو ما حد من المواقف الشعبية المعتادة في مثل هذه الظروف.
يرى البعض أن وصف هذه المكاسب بأنها تمهد لـإمبراطورية إسرائيلية يبالغ في تقدير ما يمكن أن تحققه الاتفاقيات وحدها، فإسرائيل تظل دولة تبحث عن أمنها واستقرارها في منطقة مضطربة، حلفاؤها العرب الجدد هم دول ذات سيادة ومصالح مستقلة، ولن تتنازل عن قرارها السيادي لمجرد علاقات تطبيع، كما أن التحولات الداخلية في إسرائيل نفسها، مع صعود تيارات دينية متطرفة تعلن معاداتها للعرب وتتنكر لحقوق الفلسطينيين، قد تشكل عقبة أمام توسيع دائرة التطبيع، خاصة مع دول مثل السعودية التي تربط أي تقدم في هذا المسار بتقدم ملموس في حل القضية الفلسطينية.
السعودية، رغم دعمها السياسي والإعلامي للاتفاقيات، اختارت موقعًا في مساحة رمادية، لم تنضم إليها واكتفت بفتح أجوائها أمام الطيران الإسرائيلي كإشارة إيجابية، لكنها تظل حذرة من التطبيع الكامل دون مقابل سياسي للفلسطينيين.
هل تؤدي الاتفاقيات إلى اندثار العرب؟ هذا سؤال وجودي يرى البعض أنه قد يكون مبالغًا فيه، الأمة العربية كيان تاريخي وثقافي وحضاري يتجاوز بكثير اتفاقيات التطبيع، رغم أن هذه الاتفاقيات تمثل اختراقًا كبيرًا للموقف العربي الموحد تجاه إسرائيل، وقد تزيد من تهميش القضية الفلسطينية في الأجندة العربية الرسمية، لكنها يصعب أن تفضي إلى اندثار العرب كأمة، ربما تؤدي إلى تحول في أدوارهم ومواقعهم في النظام الإقليمي الجديد.
طبقت أمريكا وإسرائيل خططًا تستخدم القوة الناعمة، فالاتفاقيات ستعمل على تغيير المناهج التعليمية في المدارس العربية وحذف كل ما يمس اليهود وإسرائيل باعتبار أن الجميع الآن يدين بالديانة الإبراهيمية أو يتبع ما خلفه إبراهيم ونسله من الأنبياء.
وتعد المناهج التعليمية من أهم عناصر القوى الناعمة، فهي لا تترك بصمة عابرة يمكن أن تمحى بسهولة، إنما هي تنقش في عقول الصغار ما لا يمحوه الزمن، وبهذا تضمن إسرائيل أن تتخرج أجيال عربية شابة لا تكرهها ولا تكره وجودها، بل سيكون بين أبناء العرب وأبناء اليهود تعاون بناء على ما درسوه وما حفظوه في المدارس.
هنا يبرز تناقض عميق بين ما تعلنه الاتفاقيات من قيم التسامح والتعايش والحوار بين الأديان، وما يعيشه الفلسطينيون من احتلال وتهجير وانتهاك للحقوق، الاتفاقيات تقدم نفسها كجسر للسلام والتعاون، لكنها في الواقع تتعايش مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس.
الحكومة الإسرائيلية التي وقعت هذه الاتفاقيات هي نفسها التي تتشكل من أحزاب تيار الصهيونية الدينية التي تعلن حق الشعب اليهودي الحصري في كل أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات، وتعمل على تعزيز مكانة القدس وتعميق الاستيطان، وهو ما يتناقض تمامًا مع أي أفق لحل عادل للقضية الفلسطينية.
هذه المفارقة ستشكل وعي الأجيال العربية الجديدة، جيل ينظر إلى تيارات اليمين الديني المتطرف في إسرائيل، وإلى استمرار تهويد القدس وتوسيع الاستيطان، بينما ترى حكومات عربية توقع اتفاقيات تطبيع، لا يمكن لهذا الجيل إلا أن يشعر بالظلم والخذلان، وقد يؤدي هذا الشعور إلى رفض أوسع للتطبيع، أو إلى انسحاب من الاهتمام بالقضية الفلسطينية نفسها، أي أن الاتفاقيات قد تنجح في المدى القصير في تحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية للدول الموقعة، لكنها تخلق في المدى البعيد فجوة عميقة بين الشعوب العربية وحكوماتها، وبين القيم المعلنة والواقع المعاش في فلسطين.
تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، فهي ليست مجرد اتفاقيات تطبيع، بل إعلان عن تحول جيوسياسي عميق، تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والإسرائيلية والعربية في إطار استراتيجي جديد، تتراجع فيه الأولوية الفلسطينية لصالح تحالفات تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، هذا التحول يحمل في طياته مكاسب لإسرائيل ويغير قواعد اللعبة في المنطقة، ويفتح الباب لأسئلة كبيرة حول مستقبل القضية الفلسطينية، ومكانة العرب في نظام إقليمي جديد، ووعي الأجيال العربية القادمة التي سترث هذا المشهد المعقد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك