الجزيرة نت - ليلة الأرقام القياسية للأسود الثلاثة.. كين يتجاوز لينيكر وإنجلترا تعادل حصيلتها التاريخية (فيديو) قناة التليفزيون العربي - تحذير وتهديد.. إيران توجه رسالة عاجلة إلى السفن في مضيق هرمز قناة الجزيرة مباشر - الجزائر ضد النمسا رويترز العربية - الحرس الثوري يشن هجمات على مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين قناه الحدث - الكويت.. اعتراض مسيرات وصواريخ معادية قناه الحدث - "اعتداءات إيران" تعود إلى الواجهة .. الكويت والبحرين: دفاعاتنا تصدت لهجمات صاروخية سكاي نيوز عربية - أوروبا تحت وطأة الحر.. أرقام قياسية ووفيات واضطرابات سكاي نيوز عربية - الولايات المتحدة تشنّ ضربات جديدة على إيران وكالة سبوتنيك - الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا 8 مواقع للجيش الأمريكي في الكويت والبحرين - عاجل العربية نت - "اعتداءات إيران" تعود إلى الواجهة .. الكويت والبحرين: دفاعاتنا تصدت لهجمات صاروخية
عامة

جلولاء العراقية… مدينةٌ على مفترق طرق التاريخ

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين

ليست جلولاء من المدن التي تفرض حضورها بارتفاع مبانيها أو بكثافة عمرانها، بل بتلك القدرة النادرة على الجمع بين طبقات متباعدة من الزمن. فمن ينظر إليها اليوم يرى مدينة هادئة في شمال شرقي ديالى، لكن الاقت...

ليست جلولاء من المدن التي تفرض حضورها بارتفاع مبانيها أو بكثافة عمرانها، بل بتلك القدرة النادرة على الجمع بين طبقات متباعدة من الزمن.

فمن ينظر إليها اليوم يرى مدينة هادئة في شمال شرقي ديالى، لكن الاقتراب منها يكشف أنها تقف عند مفترق طويل من الجغرافيا والتاريخ؛ حيث التقت الطرق التجارية بالجيوش، وتعاقبت الإمبراطوريات، وتشابكت الهجرات، وتجاورت الهويات، حتى غدت المدينة أشبه بسجل مفتوح لتقلبات العراق نفسه.

وقد أسهم موقعها عند تخوم السهل الرسوبي ومداخل المرتفعات الشرقية، وعلى مقربة من نهر ديالى، في منحها وظيفة تتجاوز حدودها المحلية لتصبح نقطة وصل بين بغداد وخانقين وكركوك وما وراءها.

تبلغ مساحة المدينة 467 كيلومترا مربعا، وتقع على الجانب الجنوبي الغربي من قضاء خانقين وعلى مبعدة 32 كم من مركز هذا القضاء، يحاذيها شرقا نهر ديالى، وتبعد عن العاصمة بغداد مسافة 160 كم، ومعظم سكانها مسلمين وفيها تنوع قومي يضم القومية الكردية والعربية بشكل أساس، وأيضا أقلية من التركمان.

وعانت المدينة وما زالت تعاني إداريا نتيجة الخلافات السياسية والصراعات الحزبية، إذ قررت حكومة بغداد ترقيتها من مركز ناحية إلى مركز قضاء، في شباط/فبراير 2026، لكن حكومة كردستان رفضت تطبيق القرار، واستأنفت القرار في المحكمة الدستورية العليا لأن المدينة تقع ضمن ما يعرف بالأراضي المتنازع عليها، وبالتالي ليس من حق الحكومة المركزية تغيير وضعها الإداري.

في العراق، كثيراً ما تصنع الأنهار بدايات نشوء المدن، غير أن الطرق تصنع مصائرها.

وجلولاء مثال واضح على هذا التداخل؛ فالماء منحها أسباب الاستقرار الزراعي، بينما موضعها على عقدة طرق الحركة القديمة والحديثة جعلها محطة للقوافل والمسافرين والعسكر والتجار.

لذلك لم تنشأ بوصفها مدينة منغلقة على محيطها، بل كفضاء مفتوح يستقبل الوافدين ويعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة تاريخية جديدة.

هذا الموقع الوسيط بين أقاليم العراق المختلفة منح جلولاء شخصية مركبة.

فهي ليست مدينة جبلية خالصة، ولا تنتمي بالكامل إلى السهل الفيضي، وإنما تقف عند تخوم الانتقال بين البيئتين، الأمر الذي انعكس على اقتصادها وأنماط عمرانها وتكوينها الاجتماعي.

وقد لاحظ الباحث محسن ابراهيم التميمي، في رسالته الأكاديمية الموسومة «مدينة جلولاء… دراسة في جغرافية المدن» أن هذه الخصوصية المكانية كانت من أبرز العوامل التي أسهمت في تطور المدينة الحضري خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد تحولها إلى مركز إداري مهم واستفادتها من شبكة النقل الحديثة.

وإذا كان الموقع قد منح جلولاء أهميتها، فإن التاريخ هو الذي صاغ شخصيتها.

فقلما نجد مدينة عراقية صغيرة ارتبط اسمها بواقعة عسكرية تركت أثراً واسعاً في كتب المؤرخين مثلما ارتبط اسم جلولاء بالمعركة التي جرت في العقد الثالث من القرن السابع الميلادي، بعد فتح المدائن، حين التقت الجيوش الإسلامية بالقوات الساسانية المنسحبة في مواجهة حاسمة انتهت بانكسار النفوذ الفارسي في تلك المنطقة وفتحت الطريق نحو عمق الهضبة الإيرانية.

ومنذ ذلك الوقت لم يعد اسم جلولاء مجرد موضع جغرافي، بل غدا علامة تاريخية تستحضرها المدونات كلما ذُكرت الفتوح الأولى أو تمهيد طريق خراسان للتوسع الاسلامي.

ويشير الآثاريان العراقيان فؤاد سفر وطه باقر في كتابهما «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة) إلى أن الموضع احتفظ بهذه الأهمية قروناً طويلة، وظل مرتبطاً بالعبور والحركة العسكرية والتجارية.

غير أن المدينة لم تعش على أمجاد الماضي وحدها.

ففي العصور الإسلامية اللاحقة استمرت تؤدي دورها بوصفها محطة على الطريق الشرقي، واستفادت من موقعها بين بغداد والمناطق الواقعة إلى الشمال الشرقي.

وتذكر بعض المصادر أن المنطقة عُرفت أيضاً بوجود رباط أقامه السلاجقة، الأمر الذي يعكس استمرار قيمتها الاستراتيجية في حماية الطرق وتنظيم الحركة عبرها.

وهذا الامتداد الزمني يمنح جلولاء خصوصية نادرة؛ إذ إن أهميتها لم تكن مرتبطة بدولة واحدة، بل تجددت مع تعاقب القوى التي حكمت العراق.

ومثل كثير من المدن العراقية، تبدو جلولاء للوهلة الأولى حديثة النشأة، لكن الأرض التي تقوم عليها أقدم من عمرانها بكثير.

فالمنطقة ارتبطت منذ قرون بالطريق التاريخي الواصل بين بغداد وخراسان، وهو أحد أهم المسالك التي عبرتها التجارة والجيوش والحجاج، الأمر الذي منحها حضوراً في كتب التاريخ والجغرافيا يفوق حجمها العمراني.

وتشير مصادر متعددة إلى وجود قنطرة ساسانية قديمة في الموقع، وإلى أن المنطقة كانت محطة معروفة على الطريق الشرقي قبل ظهور البلدة الحديثة بصورتها الحالية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في جلولاء هو أن اسمها نفسه يحمل ظلالاً من الجدل التاريخي.

فثمة من يربطه بالواقعة الشهيرة التي دارت سنة 16 للهجرة بين المسلمين والساسانيين، حتى قيل إن الأرض «تجللت» بدماء القتلى من الفرس، وذكر الطبري في «تاريخ الأمم والملوك»، وابن الأثير في «الكامل»، أن قتلى الفرس في جلولاء بلغ عددهم مئة ألف، وأن الغنائم التي أحرزها المسلمون كانت أضعاف ما غنموه في المدائن، وأن كسرى يزدجرد لما هربَ من المدائن نزل حلوان، فلما غلب المسلمون على جلولاء فرَّ منها لائذاً بالجبال.

وأن القعقاع بن عمرو طارد فلول الفرس المنهزمين فأدرك مهران الرازي قائد الجيش الفارسي فقتله، وعطف على حلوان فدخلها وأقام بها.

بينما يشير جمال بابان في كتابه «أسماء المدن والمواقع العراقية» إلى روايات أخرى تقدم قصصاً أقدم للتسمية وإلى ارتباطها بألفاظ محلية أو فارسية أو كردية سبقت الفتح الإسلامي.

كما يورد بعض الكتاب أن الموضع كان يعرف أيضاً باسم «قرغان» أو «فرغان» في مراحل تاريخية مختلفة، ما يعكس تعدد الطبقات اللغوية والتاريخية التي مر بها المكان.

وحفظت المدونات الجغرافية القديمة صورة لجلولاء باعتبارها محطة استراتيجية أكثر منها مدينة كبيرة.

فهي تقع بعد شهربان على طريق خراسان، وبالقرب منها قامت القنطرة التي ارتبطت بمعركة جلولاء، ثم شُيِّد فيها رباط في العصر السلجوقي حتى عُرف الموضع باسم رباط جلولاء.

وتكشف هذه الإشارات أن أهميتها لم تكن نابعة من كثافتها السكانية، بل من قدرتها على التحكم بحركة العبور بين أقاليم العراق من جهة والأقاليم الشرقية من جهة أخرى.

لكن المدينة التي يعرفها العراقيون اليوم هي ثمرة تحولات أحدث عهداً.

فمع نهاية العهد العثماني وبداية الإدارة البريطانية بدأت تتشكل ملامحها الحديثة، خصوصاً بعد مد خط السكك الحديدية الذي ربط بغداد بكركوك، وإنشاء محطة للقطارات عند هذا الموقع، ثم إنشاء خط فرعي باتجاه خانقين.

وقد أدى ذلك إلى انتقال المكان من نقطة عبور محدودة إلى مركز يستقطب العمال والتجار والسكان، فبدأ العمران ينمو حول المحطة وتتوسع الوظائف الاقتصادية والإدارية المرتبطة بها.

ويشير محسن ابراهيم التميمي في دراسته المشار لها سابقاً إلى أن هذه المرحلة مثلت نقطة الانطلاق الحقيقية لنشأة المدينة الحديثة وتوسعها الحضري.

ومع ازدياد أهمية السكك الحديدية، جذبت جلولاء سكاناً من بيئات متعددة، فلم تعد مجرد تجمع محلي صغير، بل تحولت إلى مدينة استقبلت العرب والكرد والتركمان، فضلاً عن جماعات أخرى جاءت بحثاً عن العمل والاستقرار.

وأسهم هذا التنوع في تكوين مجتمع متعدد المشارب، حافظ رغم اختلاف مكوناته على صلاته الوثيقة بالمجال الزراعي المحيط وبالحركة التجارية التي وفرها موقع المدينة.

وفي هذا كله تبدو جلولاء أقرب إلى المدن التي صنعتها الحركة لا العزلة.

فهي لم تكن عاصمة سياسية، ولم تتصدر خرائط النفوذ الكبرى، لكنها ظلت على الدوام محطة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

فمن يمر عبرها يكتشف أن المدينة لا تختزن تاريخها في الآثار الضخمة وحدها، بل في قدرتها المستمرة على التكيف مع تبدل الأزمنة، وفي احتفاظها بموقع جعلها على الدوام نقطة التقاء بين الجهات المختلفة، وكأن الجغرافيا كتبت لها أن تكون مدينة عبور، لكنها في الوقت نفسه مدينة استقرار وذاكرة.

لم يكن للنقل وحده الأثر في نشأة جلولاء؛ إذ يشير خضير عباس العزاوي في كتابه «هذا هو لواء ديالى» إلى إن الأراضي الزراعية الخصبة المحيطة بنهر ديالى، إلى جانب وفرة الموارد المائية، منحت المدينة قاعدة اقتصادية مستقرة، بحيث تداخل النشاط الزراعي مع الوظائف التجارية والخدمية الناشئة.

وهكذا نشأت المدينة على توازن دقيق بين الحقل والسوق، وبين البستان ومحطة القطار، وبين الريف والإدارة الحديثة، وهو توازن ظل يميز شخصيتها لعقود طويلة.

ومع الانتقال إلى العصر الحديث، دخلت المدينة مرحلة مختلفة تماماً.

فقد أدى مد خط السكك الحديدية في العقود الأولى من القرن العشرين إلى تغيير بنيتها الاقتصادية والعمرانية بصورة جذرية.

لم تعد جلولاء مجرد نقطة على الطريق، بل أصبحت عقدة مواصلات تربط بغداد بكركوك وخانقين، وبدأت تتشكل حول المحطة أسواق ومساكن وخدمات جذبت مزيداً من السكان.

وتوضح الدراسة الجغرافية الخاصة بالمدينة أن هذا التطور كان نقطة التحول الأساسية التي أطلقت النمو الحضري الحديث، وأن معظم التوسع اللاحق ارتبط بصورة مباشرة بوظيفة النقل وما نتج عنها من نشاط تجاري وإداري.

ولأن النقل يستدعي الخدمات، فقد أخذت جلولاء تتوسع تدريجياً خارج نواتها الأولى.

فظهرت الأحياء الجديدة، واتسعت الأسواق، وتزايدت المؤسسات الحكومية والتعليمية والصحية، حتى تحولت في عام 1958 إلى مركز ناحية مستقل يضم عدداً كبيراً من القرى والأرياف المحيطة به.

وكان لهذا القرار الإداري الأثر البالغ في تعزيز مكانتها الإقليمية، إذ أصبحت مقصداً للمراجعين والطلاب والتجار، ولم تعد تعتمد على الزراعة وحدها في تشكيل اقتصادها المحلي.

ومن المثير أن التحولات العمرانية لم تُلغِ الصلة العميقة بين المدينة وبيئتها الزراعية.

فالحقول والبساتين بقيت تحيط بالمجال الحضري، واستمر نهر ديالى في أداء دوره بوصفه شرياناً للحياة والإنتاج.

ولذلك ظل كثير من سكان جلولاء يجمعون بين النشاط الزراعي والعمل في التجارة أو الوظائف الحكومية، وهو ما منح المدينة طابعاً انتقالياً بين الريف والمدينة، وجعلها أكثر مرونة في مواجهة التحولات الاقتصادية التي شهدها العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

أما المجتمع المحلي، فقد تشكل من فسيفساء بشرية متنوعة.

فالمدينة استقبلت موجات مختلفة من العرب والكرد والتركمان، كما عرفت وجود جماعات أخرى من المسيحيين والأرمن واليهود في مراحل سابقة، وهو ما أضفى على أسواقها وحياتها اليومية طابعاً تعددياً.

ولم يكن هذا التنوع مجرد سمة ديموغرافية، بل أسهم في إثراء النشاط التجاري والحرفي والثقافي، وفي جعلها نقطة التقاء بين ثقافات محلية متعددة تتشارك المكان نفسه من دون أن تفقد خصوصياتها.

وانعكس هذا التعدد أيضاً على الحياة الاقتصادية.

فالمدينة لم تعتمد على محصول واحد أو وظيفة واحدة، بل نشأت فيها شبكة من الأسواق الصغيرة والمهن المرتبطة بالزراعة والنقل والخدمات، بينما أسهم موقعها على الطرق الرئيسية في ازدهار حركة التبادل مع المدن المجاورة.

وتشير الكتابات المحلية إلى أن قربها من خانقين وكفري والسعدية وبعقوبة جعلها حلقة وصل بين مناطق مختلفة من محافظة ديالى وما جاورها، وهو ما منحها دوراً إقليمياً أكبر من حجمها السكاني.

لكن تاريخ جلولاء، شأنها شأن مدن عراقية كثيرة، لم يكن خطاً صاعداً بلا انقطاع.

فقد واجهت المدينة خلال العقود الأخيرة تحديات أمنية وسياسية عميقة تركت آثاراً مباشرة في عمرانها وسكانها، ولا سيما بعد أحداث عام 2014 وهجمات تنظيم الدولة «داعش» الإرهابي وما رافقها من نزوح واسع وتراجع في النشاط الاقتصادي.

ومع ذلك، تكشف الشهادات المحلية عن قدرة ملحوظة على التعافي وإعادة بناء الحياة اليومية، وعن تمسك سكانها بمدينتهم رغم ما أصابها من خسائر، حتى أصبحت قصة العودة إليها جزءاً من هويتها المعاصرة بقدر ما كانت قصة النشأة جزءاً من تاريخها القديم.

ألق الماضي وتحدي المستقبل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك