عمان – يسدل المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الستار على مشاركته التاريخية الأولى في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما سجل حضورا مشرفا في أكبر محفل كروي عالمي، ليكتب صفحة جديدة في تاريخ الرياضة الأردنية، غير أن قيمة هذا الإنجاز لا تكمن في التأهل للمونديال وحده، وإنما في كيفية استثماره والبناء عليه، وهو ما يفرض وقفة مسؤولة من اتحاد كرة القدم لتقييم حقيقي للمشاركة من مختلف الجوانب الفنية والإدارية والبدنية، بهدف تحويل هذا الإنجاز إلى نقطة انطلاق نحو أهداف أكبر.
اضافة اعلانولا ينبغي أن يقتصر النظر إلى المشاركة التاريخية في كأس العالم على أنها نهاية رحلة ناجحة، بل يجب التعامل معها باعتبارها بداية لمرحلة أكثر صعوبة، فالوصول إلى المونديال يعد إنجازا تاريخيا، لكن العودة مجددا إلى النهائيات العالمية تمثل الإنجاز الأكبر، لأنها تحتاج إلى تخطيط بعيد المدى، وعمل متواصل، واستقرار فني وإداري، وتطوير مستمر.
وتؤكد تجارب المنتخبات الآسيوية المتميزة التي أصبحت ضيفة دائمة على كأس العالم، أن التأهل للمرة الأولى كان بداية الطريق فقط، بينما كان الحفاظ على الحضور المتواصل هو التحدي الحقيقي واليوم، أصبحت الكرة الأردنية مطالبة باستثمار الزخم الذي صنعه النشامى، وعدم السماح لهذا الإنجاز بأن يبقى مجرد محطة تاريخية، وإنما إنجاز مستدام.
وتستوجب المرحلة المقبلة، وضع مشروع وطني متكامل يمتد حتى مونديال 2030، هدفه تثبيت مكانة النشامى بين كبار القارة، والعمل بالتوازي على المنافسة بكل قوة على لقب كأس آسيا 2027، فالمنتخب الذي بلغ نهائي النسخة الماضية أثبت أنه يمتلك المقومات اللازمة لاعتلاء منصة التتويج، لكنه يحتاج إلى مزيد من العمل، وتوسيع قاعدة اللاعبين، ورفع مستوى الجاهزية الفنية والبدنية.
ويفرض هذا الواقع إجراء مراجعة شاملة للمشاركة في مونديال 2026، تبدأ بتحليل الأداء الفني في المباريات أمام النمسا والجزائر والأرجنتين، والوقوف على أسباب تفاوت الأداء، ومدى نجاح الخطط الفنية، وكيفية التعامل مع مجريات المباريات، إضافة إلى دراسة الأخطاء الدفاعية، والفاعلية الهجومية، والجاهزية البدنية والذهنية أمام منتخبات تمتلك خبرات عالمية.
كما يتطلب الأمر مراجعة دقيقة لمرحلة الإعداد التي سبقت البطولة، من حيث نوعية المباريات الودية، وفترات التجمع، وآليات الإعداد البدني، ومدى كفاية البرنامج الفني لتجهيز اللاعبين لخوض بطولة تختلف تماما عن أي منافسة أخرى، ودراسة التحديات التي واجهت المنتخب طوال مشواره، سواء ما يتعلق بالإصابات، وضغط المباريات، أو محدودية الخيارات في بعض المراكز، والحاجة إلى وجود بدلاء قادرين على تقديم المستوى ذاته، بما يضمن استمرار المنافسة حتى في أصعب الظروف.
ومن الملفات التي تستحق اهتماما كبيرا، استمرار المدير الفني جمال السلامي في التواجد داخل الأردن خلال الموسم الكروي، وعدم الاكتفاء بالحضور في فترات التوقف الدولي، فمتابعته اليومية لانطلاق الموسم الجديد في شهر آب (أغسطس) المقبل، ستمنحه فرصة مراقبة جميع اللاعبين عن قرب، ورصد مستوياتهم بصورة مستمرة، وتقليل فترات السفر الطويلة، بما ينعكس إيجابا على العمل الفني.
ولا بد من منح منتخبات «الأولمبي»، و»الشباب»، و»الناشئين» أولوية قصوى، باعتبارها الرافد الحقيقي للمنتخب الأول.
فالنجاحات لا تتحقق بالاعتماد على جيل واحد، وإنما بصناعة أجيال متعاقبة تسير وفق فلسفة فنية واحدة، وتكون جاهزة لتعويض أي غياب والمحافظة على استمرارية الإنجازات.
ويرى المدرب الوطني عصام محمود، أن المرحلة المقبلة يجب أن تبدأ بتقييم علمي شامل لكل تفاصيل المشاركة، وأن المنتخبات الكبيرة تتطور من خلال مراجعة أخطائها والاستفادة من تجاربها، لا بالاكتفاء بالاحتفال بالإنجازات، والعمل الجاد على تقديم منظومة رياضية أردنية تقوم على التشاركية بين الجميع، وخصوصا اتحاد الكرة والأندية.
وأضاف في حديثه لـ»الغد»: «المنتخب أثبت أنه قادر على الوصول إلى المحافل الكبرى.
أما التحدي الحقيقي، فيبدأ الآن بالحفاظ على هذا المكتسب، وتحويله إلى مشروع مستدام يقود النشامى إلى لقب كأس آسيا، ويجعل وجود الأردن في كأس العالم إنجازا متكررا، لا حدثا استثنائيا في التاريخ».
وأكد الخبير الإداري ماهر طعمة، أن المرحلة المقبلة لا تقل أهمية عن مرحلة التأهل إلى كأس العالم، مشددا على أن النجاح الحقيقي يكمن في حسن إدارة المرحلة المقبلة، من خلال وضع خطة استراتيجية واضحة، تتضمن أهدافا محددة، وبرنامجا زمنيا، وآليات متابعة وتقييم مستمرة، بما يضمن استدامة الإنجاز وعدم الاكتفاء بما تحقق.
وزاد في حديثه لـ»الغد»: أن المشاركة في المونديال كشفت أهمية تطوير العمل الإداري داخل المنظومة الكروية، وتعزيز التنسيق بين اتحاد الكرة والأندية، ورفع كفاءة برامج إعداد المنتخبات الوطنية، إضافة إلى أن الاستثمار في الفئات العمرية، وتأهيل الكوادر الفنية والإدارية، وتوفير بيئة احترافية للاعبين، عوامل أساسية لبناء منتخب قادر على المنافسة القارية والعالمية بصورة دائمة، وتحويل الإنجاز التاريخي إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من النجاحات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك