كان خرق الولايات المتحدة لاتفاق وقف إطلاق النار مع إيران إشارة جديدة عن مستوى الثقة بين البلدين وهشاشة الوضع وأن الحرب لم تنته، ففي أي وقت يتهم فيه الرئيس دونالد ترامب إيران بأنها وراء ضرب ناقلة أو قارب في الخليج العربي، يتخذ الحادث مبررا لضربات جديدة ضد ما يقال إنها مراكز إنتاج الصواريخ والمسيرات، فمنظور الحرب يظل قائما.
ورغم الضغوط التي يتعرض لها ترامب داخل أمريكا من الصقور المؤيدين لوجهة نظر إسرائيل بمواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني وقاعدته الشعبية التي ترى إن الحرب على إيران ليست ضرورية وهي حرب اختيارية، كلفت أمريكا مليارات الدولارات وخسائر في الجنود وأثرت على موقع الولايات المتحدة كقوى عالمية، إلا أن ترامب يعمل بوتيرة خاصة به، فهو يتعامل مع الحروب وصفقات وقف إطلاق النار كما يتعامل مع صفقة خاسرة أو رابحة، أو كرجل أعمال.
وكما أشارت مجلة «ذي أتلانتك» (24/6/2026) فالسياسة الخارجية الأمريكية تدور حول رجل واحد، لا يعتقد أنه استسلم أمام إيران، فالاستسلام هو تخل عن مبادئ جوهرية، أما ترامب، فلا يملك أيا منها.
وبالنسبة له فإيران هي مجرد صفقة أخرى، ولكن بالنسبة للأمريكيين فإن القضية أخطر وأعمق.
فالحرب التي بدأها بوعود عالية من تغيير النظام الإيراني وتدمير ترسانته العسكرية، انتهت بإنكار ترامب دعوته لتغيير النظام، بل وهناك محاولة لإعادة تأهيل إيران كدولة «شريرة» دائما في الخطاب الأمريكي ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979 إلى دولة يحكمها رجال «أذكياء» و«عقلانيون»، كما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (24/6/2026)، حيث قالت إن وجهة نظر جديدة مختلفة بدأت تترسخ في أوساط اليمين الأمريكي: إيران دولة براغماتية تستطيع الولايات المتحدة، بل ويجب عليها، أن تتعايش معها.
وقاد ترامب هذا التحول الجذري، إذ وصف قادة إيران بأنهم «أقوياء وأذكياء»، لكن الأمر يتجاوزه بكثير.
فقد برز نائب الرئيس جيه دي فانس كأبرز مؤيديه، كما استعاد المحافظون، الذين طالما اتسموا بنزعة انعزالية، حماستهم.
حتى أن بعض الصقور المخضرمين غيروا لهجتهم.
وترى الصحيفة أن تغير المواقف نابع أيضا من تحولات جيلية داخل الحزب الجمهوري يبتعد عن الدعم المطلق لإسرائيل، عدو إيران اللدود، بل وحتى التعبير عن بعض الإعجاب المتردد بقدرة النظام الإيراني على الصمود لأسابيع من القصف العنيف.
ووصف أحد منظري وداعمي ترامب، ستيفن ك.
بانون، الذي عمل مديرا للإستراتيجيات في الولاية الأولى للرئيس، بأن ترامب يدرك «أنه لن يقام حفل استسلام على متن البارجة ميسوري في ميناء بندر عباس» الميناء الإيراني.
واستحضر بانون حروب بلاد فارس القديمة ضد اليونان وروما لتفسير سعي ترامب الحثيث لهزيمة إيران.
وتعلق الصحيفة أن هذا التحول في الخطاب قد يكون مدفوعا جزئيا بإدراك السياسيين المحافظين لتغير جيل الناخبين المحتملين في نظرتهم إلى مكانة أمريكا في العالم.
فقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» بالتعاون مع جامعة سيينا الشهر الماضي أن 53 في المئة من مؤيدي الحزب الجمهوري المحتملين ممن تقل أعمارهم عن 45 عاما يعارضون الحرب على إيران، مقارنة بـ 22 في المئة ممن تبلغ أعمارهم 45 عاما فأكثر.
وقالت نسبة 54 في المئة من الفئة العمرية الأصغر إن ترامب كان داعما لإسرائيل بشكل مفرط، مقارنة بـ 16 في المئة فقط من الفئة العمرية الأكبر.
وقد برزت التحولات الجيلية أكثر في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حيث شهد الأسبوع الماضي انتصارات كبيرة لجناح عمدة نيويورك زهران ممداني الذي دعم مرشحين استطاعوا الانتصار على نواب مخضرمين، وكانت إسرائيل واللوبي المؤيد لها، وخاصة لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية في قلب برامج المرشحين، وهو ما قاد المعلقين للقول إن التيار اليساري أو الاشتراكي يحدد الآن الأجندة الديمقراطية في نيويورك.
وهناك فرص من أن تتكرر التجارب في مناطق أخرى في أمريكا، ما أثار غضب ترامب نفسه والتيار المدافع عن إسرائيل، في وقت رد المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» (26/6/2026) فريد زكريا على التطورات في بريطانيا ونيويورك بالقول إن الليبرالية فقدت جوهرها الثوري ويمثلها الآن عدد من الفائزين في الانتخابات التمهيدية، وخليفة كير ستارمر المتوقع في لندن ومعظمهم ليبراليون.
وقال إن الهزائم المتكررة لليبرالية، جاءت بسبب تحولها لفكر المؤسسة المتجمد.
وبعيدا عن هذا التوصيف، فنجاح اليسار في نيويورك وخروج كير ستارمر الذي طهر حزبه من اليسار الداعم لرؤية الزعيم السابق جيرمي كوربن، كان مدفوعا في جانب منه بتلكؤ المؤسسة الديمقراطبية والعمالية في بريطانيا عن الأخذ على يد إسرائيل.
ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (24/6/2026) أن نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي يوم الثلاثاء قدمت دليلا جديدا عن التراجع لدعم إسرائيل.
ففي حفلين منفصلين للاحتفال بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في مدينة نيويورك ليلة الثلاثاء، ردد الحشد الهتاف نفسه: «فلسطين حرة! ».
وقالت إن النتائج في نيويورك هي أحدث دليل على تحول الرأي العام ضد إسرائيل، وهو تحول يقوض بسرعة أسس الدعم الأمريكي للدولة اليهودية.
كما وتبرز النتائج الانقسامات العميقة في الدعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وهو اتجاه له بالفعل تداعيات سياسية بالغة الأهمية على الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
وقالت ميشيل غولدبرغ في «نيويورك تايمز» (24/6/2026) إن النتائج هي دليل على تأثر الديمقراطيين بفظائع ولاية دونالد ترامب الرئاسية الثانية واستشاطوا غضبا من فشل قادتهم في احتواء نفوذه.
كما يعد ذلك مؤشرا على أن دعم إسرائيل، بعد وحشية الحرب على غزة، أصبح مرفوضا بشدة بين قطاعات واسعة من قاعدة الحزب.
فقد كانت واحدة من الفائزات وهي داريليزا أفيلا شوفالييه من منظمي اعتصامات الاحتجاج المناهضة لحرب الإبادة في غزة بجامعة كولومبيا، ولهذا ضخت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» أموالا طائلة في لجنة عمل سياسي تدعم أدريانو إسبايلات، الذي أطاحت به شوفاليه.
وقالت إن انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 قد تتحول إلى تجربة وطنية ضخمة تختبر نظرية النصر لدى اليسار الشعبوي.
وفي حالة كير ستارمر في بريطانيا، فغزة تعتبر عاملا مهما في سقوطه إلى جانب سياساته المترددة وعدم قدرته على اتخاذ القرارات الصائبة، بشكل سمحت لليمين المتطرف بالصعود على حساب حزب العمال وخسارته الضخمة في الإنتخابات المحلية الأخيرة.
وقال جوناثان كوك في موقع «ميدل إيست آي» (25/6/2026) إن ستارمر سقط لتواطئه مع الإبادة، فمنذ توليه زعامة الحزب عام 2020، عمل بجد على تطهير الحزب من جناحه اليساري بسبب انتقاداته لإسرائيل، متذرعا بمعالجة ما زعم أنه «أزمة معاداة السامية».
لذا، لم يكن مفاجئا أن تنفر قطاعات واسعة من الشعب البريطاني بأول اختبار له في السياسة الخارجية، في غزة.
وفي أواخر عام 2023 وبصفته زعيما للمعارضة، عندما أتيحت له الفرصة للنأي بنفسه عن تواطؤ حكومة المحافظين غير القانوني مع إسرائيل، صدم ستارمر حتى بعضا من جناح حزبه اليميني بتصريحه أن حرمان إسرائيل ملايين الفلسطينيين من الماء والغذاء والكهرباء هو عمل «دفاع عن النفس».
وكان ستارمر، المحامي السابق في مجال حقوق الإنسان، يبرر جريمة حرب لا جدال فيها.
ثم تراجع لاحقا، بشكل غير مقنع، عن تلك التصريحات.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية لاحقا مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، متهمة إياه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب الحصار المفروض على غزة والذي فرضه ستارمر.
وبعد توليه منصبه، لم يظهر ستارمر أي تحسن يذكر.
فقد أنكر أكثر من مرة أن الوضع في غزة يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، رغم أنه كان قد دافع بنفسه أمام محكمة العدل الدولية عام 2014 بأن الهجوم الصربي على مدينة فوكوفار الكرواتية قبل 23 عاما كان إبادة جماعية.
وكان ذلك الهجوم أقل تدميرا بكثير من الإبادة الإسرائيلية لغزة.
بل إن ستارمر رفض حتى الاعتراف بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في القطاع، لا سيما وأن ذلك كان سيُلزمه بالكف عن التواطؤ في تلك الفظائع.
واستمرت حكومته في بيع الأسلحة لإسرائيل، وسمحت لشركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية، مثل شركة «إلبيت سيستمز»، بتشغيل مصانع في المملكة المتحدة لتصنيع طائرات مسيرة قاتلة لاستخدامها في غزة.
ونقلت الطائرات البريطانية شحنات ضخمة من الأسلحة إلى إسرائيل، ما ساهم في تدمير القطاع، كما قامت برحلات استطلاعية مكثفة فوق غزة لتزويد إسرائيل بمعلومات استخباراتية استخدمت في إبادة القطاع.
في الوقت نفسه، وفرت بريطانيا غطاء دبلوماسيا لجرائم إسرائيلية، بما في ذلك في مجلس الأمن الدولي، ورحبت بجنرالات وسياسيين إسرائيليين مشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب.
وهذا السجل من المواقف، وخاصة من غزة لا تجعل ستارمر رجلا نبيلا ودموعه عند استقالته ليست إلا دموع التماسيح.
وقال أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (23/6/2026) إن سجل ستارمر، من غزة إلى فضيحة السفير السابق في واشنطن، بيتر ماندلسون وصديق المجرم المتحرش بالقاصرات، تعطي صورة أن فترة حكمه كانت كئيبة وأنه كان رجلا بلا مبادئ ومفلسا أخلاقيا.
وعليه يؤكد سقوطه وخيبة أمل الأمريكيين بنوابهم المنتخبين حقيقة مهمة، وهي أن دعم إسرائيل أصبح له ثمن، وأن على أي مسؤول أمريكي أو بريطاني التعامل مع هذا المتغير بصورة جدية، وهو واقع بدأ معلقون في إسرائيل يتناولوه ويعتقدون أن دعم الولايات المتحدة غير المشروط لإسرائيل ساعد على جرأتها في المغامرات العسكرية.
وكما قال يوناتان توفال، في صحيفة «نيويورك تايمز» (24/6/2026) فالهجوم الأمريكي- الإسرائيلي المشترك على إيران كان يهدف لبسط سيطرة إسرائيل على المنطقة، وبدلا من ذلك، بات هذا الهجوم يذكر لكشفه عن حدود قوتها.
فقد تعرضت إيران للضرب، لكنها لم تتغير.
وتضرر برنامجها النووي، لكنه لم يفكك.
ولا يزال نظامها قائما.
وقال إن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران تمت بدون مشاركة إسرائيلية، فبإمكانها مثلا خوض حرب إلى جانب الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع فرض نهايتها.
وقال إن قدرة إسرائيل على ضرب أعدائها والوصول إليهم ليس حلا، بل هو انحراف استراتيجي وتهميش دبلوماسي وزيادة الإعتماد على الولايات المتحدة، ما أدى لظهور حالة من التبعية، فقد تحاصر إسرائيل غزة وتتركها في فقر مدقع بدون أي أفق سياسي، لأنها تعرف أن واشنطن قد تساعد في تحمل التكاليف الدبلوماسية، حتى مع ارتفاع هذه التكاليف.
وقال إن اتهامات الإبادة الجماعية في غزة، أحدثت شرخا في السياسة الأمريكية، فعندما يشير نائب الرئيس الأمريكي إلى حسابات الدعم، مذكرا إسرائيل بمن يدفع جزءا كبيرا من تكاليف دفاعها ومحذرا إياها من عزل حليفها القوي الوحيد، فإنه لم يكن يفتعل شرخا، بل كان يعلن، على الأرجح، ما كانت واشنطن تحفيه طويلا في غرفها المغلقة.
ويعتقد توفال أن نهج الاعتماد على أمريكا أنتج دولة مسلحة تشن هجمات واسعة النطاق وتعتمد على حلفائها بشكل غير محدود، دولة مسلحة كقوة إقليمية، لكنها عاجزة بشكل متزايد عن تصور مستقبل سياسي يتجاوز القوة.
ومع أن إيران هي بمثابة تشريح لطبيعة العلاقة غير المتناسبة بين قوة عظمى وصغيرة طامحة إلا أنها كانت في اتجاه آخر، كشف لأوهام اليمين المتطرف والصقور في أمريكا عن حدود ما يمكن أن يذهب إليه الرئيس ترامب في حروبه.
وكما أشار روبرت مالي ووستيفن ورثيم، في صحيفة «نيويورك تايمز» (23/6/2026)، فهزيمة ترامب في إيران قد تكون هدية لأمريكا بشأن حدود ما يمكن أن تحققه التدخلات الخارجية.
فقد تحولت حربه ومنذ البداية إلى عبء سياسي ثقيل، إذ حظيت في البداية بدعم شعبي أقل من أي صراع كبير آخر في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
ومع ذلك، تبدو النتيجة، في خطوطها العريضة، مألوفة، وكما هو متوقع، شنت الولايات المتحدة حربا لتغيير النظام في الشرق الأوسط واستهدفت خصما لطالما اعتبره أعضاء الحزبين تهديدا وجوديا، وباءت الجهود بالفشل وسريعا.
وفي الوقت الذي قادت فيه الحرب غير الضرورية وغير المبررة وغير القانونية إلى اضطراب المنطقة وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي وإثارة غضب الشعب الأمريكي، إلا أنها، قد تقدم هذه الحرب هدية غير متوقعة له وهي النفور الدائم من التدخلات العسكرية وفرصة لاستبدال عقود من السياسات الفاشلة بدبلوماسية جادة.
وكشف الكاتبان عن أثر الحرب الأخيرة على النظام الإقليمي وكيف أن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية، وهي الركيزة الأولى له باتت تحت ضغط شديد، فما بدأ كأقوى وأكثر حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية تكاملا في التاريخ، انتهى بتوبيخ زعيم أمريكي علنا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بأقسى العبارات، منتقدا عدوانيته «الشريرة» في لبنان، ومتهما إياه بتعريض الاتفاق مع إيران للخطر.
ولم يحدث هذا من فراغ، فهناك تحول في الرأي العام الأمريكي.
ويعتقد كثيرون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خدع الرئيس ترامب ودفعه إلى الحرب بوعده بنصر سريع وسهل، ثم لجأ إلى تصعيدات متكررة لعرقلة أي مخرج.
وقد أطلق نتنياهو العنان لمحاولاته، ومن المرجح أن تواجه دعواته لاستئناف الأعمال العدائية مقاومة أكبر في أمريكا.
ومن هنا ستجد إسرائيل صعوبة في دفع رئيس آخر للقيام بحروبها، وخاصة بعد حرب غزة، وبعد إيران، وبعد أن تحول انتقاد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى قضية شعبية واسعة النطاق.
وفي هذا السياق يرى روبرت مالي في صحيفة «فايننشال تايمز» (25/6/2026) إن صفقة ترامب مع إيران هي أفضل من استمرار القتال.
وأضاف أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أصبحت أداة سياسية أمريكية تنتقد بشدة من قِبل جهات فاعلة من مختلف الأطياف الأيديولوجية.
وتستحق سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، والتي تعد فشلا ذريعا منذ ولايته الأولى وحتى الآن، انتقادات واسعة.
لكن الاتفاق المؤقت ليس الهدف الصحيح.
فالمشكلة ليست في الاتفاق نفسه، بل في الحرب المتهورة التي سبقته.
وتعد مذكرة التفاهم خطوة أولى وإن كانت مهتزة نحو معالجة عواقبه.
وقال إن المذكرة تتسم بعيوب كثيرة.
فهي غير دقيقة، وقد أثارت بالفعل خلافات.
كما أن الجدول الزمني للتوصل إلى اتفاق نهائي غير واقعي، وتسلسل بنوده غامض، وغير ذلك.
وفي هذه المرحلة، لا تحقق مذكرة التفاهم سوى بضعة أمور: إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز والسماح لإيران باستعادة بعض أصولها المجمدة وبيع نفطها مؤقتا ورسم ملامح المفاوضات المستقبلية.
وقد كان استياء الجمهوريين المتشددين متوقعا، فهم لا يزالون مقتنعين بأن انهيار النظام بات وشيكا بعد فرض عقوبة أو ضربة أخرى، ولا يستطيعون تقبل أن ترامب، حليفهم الجديد، قد يرضى بأقل من ذلك، وبالتالي يكشف زيف أحلامهم.
أما ردود فعل الديمقراطيين فهي أكثر إثارة للحيرة ويبدو أنهم يستندون إلى فرضية ضمنية: وهي وجود بديل أفضل.
وقد عقد كثيرون مقارنة غير موفقة مع الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما عام 2015، أو ما يعرف بالخطة الشاملة المشتركة للعمل، والذي انسحب منه ترامب من جانب واحد بعد ثلاث سنوات.
وقد كانت محاولات نائب الرئيس جيه دي فانس للتمييز بين الاتفاقين مثيرة للسخرية، ولم تسهم إلا في تقويض موقفه، لكن المقارنة نفسها مغلوطة.
فقد كان الاتفاق النووي الإيراني تفاهما دقيقا لكبح جماح البرنامج النووي الإيراني وإعادة صياغة هيكل العقوبات الأمريكية والدولية.
أما مذكرة التفاهم، فهي عبارة عن صفحة ونصف من المبادئ العامة المصممة لتوجيه المفاوضات حول هذه المواضيع.
ولن يحين وقت الموازنة بينهما إلا بعد التوصل إلى هذا الاتفاق الأوسع.
والسؤال الأهم هو كيف كان من الممكن تحقيق نتيجة أفضل؟ وقال مالي إن انتظار ترامب لانتزاع شروط أكثر ملاءمة كان سيتطلب منه الصمود لفترة أطول ومواصلة الضغط على إيران أو استئناف الضربات العسكرية.
لكن القيام بذلك كان سيزيد الضرر، ويرفع المخاطر الاقتصادية الأمريكية، ويضمن عواقب وخيمة في أماكن أخرى.
كما أنه من غير المرجح أن تتراجع إيران، مهما كانت المعاناة التي ستتكبدها.
ويرى أن شروط الاتفاق ليست استسلاما لطهران، بل استسلاما للواقع: نتيجة فشل استراتيجي جعل إيران أكثر قدرة على تحمل الحصار المستمر من قدرة الولايات المتحدة على تحمله.
فللحروب عواقب والحروب الخاسرة لها عواقب وخيمة.
نعم، تمثل مذكرة التفاهم تراجعا حادا عن تعهد ترامب المتغطرس باستسلام إيران غير المشروط، ومن المؤكد تقريبا أنها تمثل نتيجة أسوأ مما كان ممكنا تحقيقه قبل الحرب.
وقال إن معارضي الحرب الذين ينتقدون الاتفاق بشدة لما يزعم أنه يغدق على إيران من فوائد، يكشفون عن افتراض خاطئ ساد السياسة الأمريكية لعقود: وهو أن السبيل لمواجهة التحدي هو خنق الاقتصاد الإيراني، وإذا فشل ذلك، فخنقه أكثر.
هذه الإستراتيجة أفقرت الإيرانيين بدون أن تلحق ضررا حقيقيا بقيادة مستعدة لرؤيتهم يعانون.
ومن هنا فالشيء الذكي الوحيد الذي فعله ترامب منذ بدء هذه الحرب هو إنهاؤها ولا فائدة ترجى من التنديد بذلك، على حد قول مالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك