واشنطن ـ «القدس العربي»: في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة وإيران تطبيق مذكرة تفاهم أولية تمهيداً لإنهاء الحرب، يتصاعد داخل واشنطن جدل سياسي وفكري واسع حول مستقبل الاتفاق، بين من يراه فرصة واقعية لوقف نزاع مكلف، ومن يحذّر من انهياره تحت ضغط الانقسام الحزبي ونفوذ ما يُعرف بـ«صقور الحرب» وشبكات المصالح المرتبطة بالصناعات العسكرية.
وتجمع مقالات تحليلية في العديد من المنصات الإعلامية الأمريكية على أن الاتفاق الحالي، رغم ما يحيط به من عيوب، يمثل الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الحرب، في ظل ميزان قوى غير حاسم وتكلفة بشرية واقتصادية متصاعدة.
اتفاق هش في بيئة إقليمية شديدة التعقيدوعلى سبيل المثال، تشير الكاتبة نانسي أوكايل في مقال منشور على منصة «كومن دريمز» إلى أن المرحلة التفاوضية الممتدة نحو 60 يوماً تمثل فترة حساسة قد تتعرّض خلالها التسوية لمحاولات تعطيل، سواء عبر عمليات عسكرية في الإقليم، أو عبر ضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة.
وتحذّر من أن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة، سواء من جانب إسرائيل ضد إيران أو في لبنان، قد يؤدي إلى إعادة إشعال المواجهة، خاصة في ظل هشاشة التفاهمات الحالية وصعوبة ضبط سلوك جميع الأطراف الإقليمية.
ورغم اعترافها بأن الولايات المتحدة لا تتحكم بشكل كامل في تحركات إسرائيل، تؤكد أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير يمكن أن تُستخدم لتقليل التصعيد، خصوصاً عبر المساعدات العسكرية والدعم السياسي.
وترى أوكايل أن جوهر الأزمة لا يرتبط بإدارة واحدة أو حزب سياسي بعينه، بل ببنية سياسية واقتصادية تسمح باستمرار «اقتصاد الحرب» الذي يحمي المستفيدين من النزاعات من أي محاسبة.
حرب بلا حسم وتحوّل في طبيعة الصراعمن جانبه، يقدّم الباحث ستيفن زونس في مقال نشره على موقع « The Progressive» قراءة مختلفة لمسار الحرب، مؤكداً أنها لم تحقق أهدافها المعلنة، بل كشفت حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة خصم يعتمد على أساليب حرب غير متماثلة.
ويشير إلى أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في البنية التحتية العسكرية والمدنية وسقوط عدد من القيادات، طورت قدرات ردع تعتمد على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، والتي تمكنت من إلحاق أضرار ملموسة بالقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ويعتبر زونس أن هذا التحوّل يعكس تغيراً عميقاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق العسكري والتكنولوجي كافياً لتحقيق نصر حاسم، في ظل انخفاض كلفة الهجمات وصعوبة منعها بشكل كامل.
وبحسب زونس، فإن مذكرة التفاهم الحالية تمنح إيران شروطاً تفاوضية أفضل نسبياً من اتفاق 2015 النووي «JCPOA»، الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى.
ويتضمّن الاتفاق الجديد ترتيبات لإدارة اليورانيوم المخصب داخل إيران، وتخفيفاً تدريجياً للعقوبات، إضافة إلى الإفراج عن أصول مالية مجمّدة، مع الإشارة إلى آلية محتملة لإعادة الإعمار بتمويل من دول خليجية، وليس من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
غير أن هذه البنود تحولت إلى محور جدل سياسي واسع داخل واشنطن، حيث يُقدَّم الاتفاق من قبل بعض المعارضين على أنه «تنازل» أو «استسلام»، رغم طبيعته غير الملزمة برلمانياً.
ويشير زونس إلى أن عدداً من القيادات الديمقراطية تبنّوا خطاباً متشدداً ضد الاتفاق، واعتبروه غير مقبول أو منحازاً لطهران، في حين يرى آخرون داخل الحزب نفسه أن رفض الاتفاق بدون بديل عملي قد يؤدي إلى استمرار الحرب أو انهيار التهدئة الهشة.
ويحذّر الكاتب من أن هذا الخطاب قد يعيد إنتاج أخطاء سابقة، حين جرى تقويض محاولات دبلوماسية مماثلة في مراحل سابقة، ما أسهم في تعقيد الملف النووي الإيراني بدل حلّه.
اقتصاد الحرب وشبكات النفوذتركز نانسي أوكايل على البعد البنيوي للأزمة، معتبرة أن أحد أبرز أسباب استمرار الحروب يتمثل في شبكة مصالح اقتصادية قوية تستفيد من استمرارها.
وتشمل هذه الشبكة شركات تصنيع السلاح، والمقاولين العسكريين، وقطاعات صناعية مرتبطة بالإنفاق الدفاعي، والتي تحقق أرباحاً ضخمة من النزاعات المسلحة.
وتدعو أوكايل إلى فتح تحقيقات برلمانية حول عقود التسليح والإنفاق العسكري، ومراجعة تضارب المصالح داخل قطاع الصناعات الدفاعية، معتبرة أن غياب الرقابة سمح بتحول الحرب إلى مصدر ربح مستمر.
كما تشير إلى ظهور أشكال جديدة من «اقتصاد الحرب» عبر أسواق التنبؤ بالمخاطر المالية المرتبطة بالأحداث العسكرية، ما يثير تساؤلات أخلاقية حول تداخل الربح المالي مع الصراع المسلح.
التضليل السياسي وصناعة الرأي العامينتقد زونس ما يصفه بحملات تضليل سياسي تستهدف الاتفاق، من خلال تقديمه بصورة مشوهة للرأي العام، بما في ذلك الادعاء بأنه سيكلف دافعي الضرائب الأمريكيين مئات المليارات من الدولارات.
ويؤكد أن هذه السرديات تهدف إلى تعبئة المعارضة الداخلية ضد أي تسوية، رغم أن الاتفاق يعتمد على تمويل خارجي لإعادة الإعمار وليس على أموال مباشرة من الخزانة الأمريكية.
ويحذّر الكاتبان من أن انهيار الاتفاق قد يؤدي إلى عودة الحرب المفتوحة، بما في ذلك تصعيد إقليمي واسع يمتد إلى عدة دول في الشرق الأوسط، إضافة إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار على مستوى العالم.
كما يشيران إلى أن استمرار الحرب بدون أفق سياسي واضح سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
دور الكونغرس ومستقبل التسوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك