منذ عشر سنوات، فاز الكاتب السوري مفيد نجم بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عن يومياته في سجن تدمر السوري سيئ الصيت والسمعة.
وقد وُسِم الكتاب بعنوان لافت: " أجنحة في زنزانة 1982-1995".
تلك اليوميات التي أعود إليها اليوم في هذا المقام، بعد قراءات عدة مرّت خلال السنوات الماضية، لا تبدأ من باب الفرع الأمني، ولا من غرفة التحقيق، ولا من الصرخة الأولى التي يطلقها المعتقل تحت التعذيب.
يختار مفيد نجم طريقاً آخر أكثر وعورة وعمقاً، إذ يفتتح نصه بحوار طويل مع ذاته القديمة، مع ذلك الرجل الذي بقي معلقاً في مكان ما من الزمن، ينتظر أن تمتد إليه يد الذاكرة.
ومنذ هذه الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه أمام نص لا يريد أن يحكي قصة اعتقال بقدر ما يريد أن يستعيد إنساناً ضاع أو تاه داخل تجربة الاعتقال.
تكشف هذه البداية، منذ اللحظة الأولى، أن الكاتب لا يتعامل مع الماضي بوصفه زمناً منتهياً يمكن استدعاؤه بسهولة، فالماضي هنا ما يزال حياً، وما تزال آثاره تعمل داخل النفس والذاكرة والجسد.
الشخصية التي يخاطبها الكاتب ليست شخصية روائية، وليست راوياً موازياً، وليست قناعاً فنياً لجأ إليه من أجل تنويع السرد.
إنها صورته القديمة، ذلك السجين الذي دخل المعتقل قبل عقود، وبقي هناك بطريقة ما، بينما خرج الجسد إلى العالم.
ولهذا يبدو الحوار الافتتاحي أقرب إلى لقاء متأخر بين شخصين عاشا داخل الجسد نفسه؛ أحدهما بقي في الزنزانة، والآخر تابع حياته محاولاً أن يتكيف مع العالم.
ومن هنا تبرز واحدة من أهم القضايا النقدية التي يتمثلها الكتاب منذ بداياته، وهي سؤال النوع الأدبي.
فما الذي كتبه مفيد نجم فعلاً؟ هل نحن أمام سيرة ذاتية؟ هل نحن أمام أدب سجون؟ هل هي شهادة سياسية على مرحلة تاريخية؟ هل هي سيرة جيل كامل من السوريين؟ هل هي رواية ذاتية تستعير تقنيات الأدب؟ أم أنها كتابة صدمة تحاول فهم ما فعله العنف بالنفس الإنسانية؟هذه الأسئلة لا تبدو ترفاً نقدياً في ظل الواقع الثقافي في المشهد السوري الذي نعيشه.
فالنص نفسه يرفض الاستقرار داخل جنس أدبي واحد.
الكاتب يروي حياته، ويقدم شهادة على مرحلة سياسية، ويصف السجن وآلياته، ويتأمل آثار التجربة في الوعي، ويعيد مساءلة معنى الألم والكرامة والذاكرة والزمن.
ولهذا تقع يوميات" أجنحة في زنزانة" عند تقاطع أربعة حقول كبرى: السيرة الذاتية، وأدب السجون، وكتابة الصدمة النفسية، والتأمل الوجودي.
لا ينشغل مفيد نجم بتوثيق الوقائع وحدها، ولا يكتفي بإعادة سرد ما جرى داخل الزنازين، لأن التجربة عنده لا تنتهي بخروج المعتقل من السجن.
السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ماذا بقي من الإنسان؟ ماذا فعل التعذيب بالروح؟ كيف يتصالح المرء مع ذاكرته؟ وكيف يمكن للناجي أن يكتب الشخص الذي كانه يوماً؟ وهذا ما علينا أن نفعله اليوم كسوريين ناجين من المقتلة.
في هذا الإطار، نستطيع أن نستدعي مفهوم الهوية السردية، الذي يؤسس لفكرة أن الإنسان لا يعرف نفسه بصورة مباشرة، وإنما يتعرف إليها عبر الحكاية التي يرويها عن حياته.
فالذات لا تُدرك في المرآة، وإنما تُبنى داخل السرد.
وهذا ما يفعله مفيد نجم منذ الصفحات الأولى.
إنه يحاول أن يعيد تركيب ذاته الممزقة، وذاتنا السورية، بواسطة الحكاية.
لهذا السبب تحديداً، يكتسب الحوار بين الأنا والذات القديمة أهمية مركزية في الكتاب.
فالسجين الذي عاش التجربة يمتلك الحقيقة الجسدية للألم، بينما الرجل الذي يكتب بعد ثلاثة عشر عاماً من خروجه إلى الحياة، لا إلى الحرية، يمتلك القدرة على الفهم والتأمل وإعادة القراءة.
وبين الشخصيتين مسافة زمنية ونفسية هائلة.
الأولى عاشت الرعب، والثانية تحمل ذاكرته.
الأولى كانت داخل الجحيم، والثانية تنظر إليه من الخارج.
تمنح هذه المسافة النص ثقله الإنساني الكبير.
فالقارئ لا يستمع إلى صوت واحد، وإنما إلى صوتين يتداخلان باستمرار: صوت الإنسان الذي كان يواجه الجلاد، وصوت الإنسان الذي يحاول أن يفهم ما جرى له بعد سنوات طويلة.
ولذلك لا تتحول الكتابة إلى مجرد شهادة، ولا إلى تقرير عن التعذيب، ولا إلى سرد زمني للأحداث؛ إنها تصبح رحلة طويلة لاستعادة الذات الضائعة.
لا يعود مفيد نجم إلى الماضي لكي يتذكر فقط، وإنما يعود إليه لكي يسأل: من هو ذلك الرجل الذي بقي هناك؟ وهل يمكن للإنسان أن ينجو كاملاً من السجن؟ أم أن جزءاً منه يبقى دائماً في تلك الزنزانة، ينتظر من يكتب حكايته؟ تبدو الكتابة هنا أقرب إلى جلسة اعتراف متأخرة.
فالكاتب يعرف أن العودة إلى التجربة تعني إعادة الألم، ولهذا يظهر التردد والاعتراض والخوف من استعادة الماضي.
وفي الوقت نفسه، يشعر أن الصمت قد يتحول إلى موت آخر، وأن النسيان قد يكون انتصاراً للجلاد.
هذا التوتر بين الرغبة في الكلام والخوف منه يمثل أحد أجمل مستويات النص.
فالكاتب لا يقدم نفسه شاهداً جاهزاً يمتلك الحقيقة، بل نراه إنساناً يتردد قبل أن يفتح الباب المغلق.
لذلك يكتسب السرد صدقه الكبير، لأن الحكاية لا تخرج بسهولة، بل تخرج بعد مقاومة طويلة.
ومن هنا تنبع قيمتها الأدبية.
فالكتابة عند مفيد نجم ليست تسجيل وقائع، وإنما محاولة لترميم الذات التي تحطمت.
لهذا يصبح الكتاب كله رحلة نحو استعادة الاسم، واستعادة الذاكرة، واستعادة الإنسان الذي بقي محبوساً في مكان ما من الزمن.
تحطيم الهوية وإعادة التشكيلمن أكثر القضايا حضوراً وعمقاً في كتاب" أجنحة في زنزانة" تلك الفكرة المتعلقة بتحطيم الهوية الإنسانية، وهي الفكرة التي لا يطرحها مفيد نجم باعتبارها تأملاً نظرياً أو استنتاجاً سياسياً لاحقاً، بل يتركها تتكشف تدريجياً من داخل التجربة نفسها.
فالسجن، كما يظهر في الكتاب، لا يبدأ بالتعذيب، ولا يبدأ بالتحقيق، ولا يبدأ حتى بإغلاق باب الزنزانة.
البداية الحقيقية تكمن في تلك اللحظة التي يُنتزع فيها اسم الإنسان منه، ويُطلب إليه أن ينسى نفسه.
حين يتحول المعتقل إلى الرقم 13، لا يعود الأمر مرتبطاً بتنظيم إداري داخل السجن أو بطريقة لتسجيل أسماء الموقوفين.
إننا نكون أمام اللحظة الأولى في مشروع طويل يهدف إلى إلغاء الفرد، ومحو خصوصيته، وتجريده من كل ما يمنحه معنى وجوده وإنسانيته.
في تدمر، الذي تمر ذكرى المجزرة فيه بعامها السادس والأربعين هذه الأيام، لا يُعدّ اسم المعتقل مجرد اسم يُكتَب على بطاقة الهوية، وإنما هو تاريخ كامل.
الاسم يحمل الأسرة والمدينة والطفولة والأصدقاء والذكريات والعلاقات والمكان الأول الذي رأى فيه الإنسان النور.
إنه الرابط الذي يشد الإنسان إلى العالم.
وعندما يُنتزع ذلك الاسم، يفقد المعتقل إحدى أهم أدوات تعريفه لنفسه.
الرقم لا يمتلك أباً أو أماً، ولا يحمل رائحة بيت قديم، ولا يستعيد صورة شارع أو وجه صديق.
الرقم لا يتذكر شيئاً، ولا يروي شيئاً، ولا ينتظر شيئاً.
ولهذا تبدو لحظة التحول إلى رقم من أكثر اللحظات قسوة في الكتاب، لأنها لا تستهدف الجسد، وإنما تستهدف الوجود نفسه، كما كنا جميعاً أرقاماً في سلطة الأسد، الأب والابن.
هنا يقترب نص مفيد نجم من أسئلة فلسفية كبرى تناولتها أعمال كثيرة في الفكر الحديث، تحدثت عن المؤسسات التي تعيد تشكيل الأفراد من خلال الرقابة والانضباط، وعن الأنظمة التي تحطم فرادة الإنسان وتحوله إلى كائن معزول، وعن فكرة الإنسان الذي يُجرَّد من صفته السياسية والأخلاقية ويصبح مجرد جسد خاضع للسلطة.
وما يثير الانتباه أن مفيد نجم يصل إلى هذه الأسئلة من داخل الزنزانة، ومن خلال التجربة المباشرة، لا عبر الاستعانة بالمفاهيم الفلسفية.
فيدرك السجين أن السلطة داخل جدران المعتقل لا تكتفي بإغلاق الأبواب أو تقييد الأيدي، بل تسعى إلى إنتاج إنسان جديد، إنسان منزوع الاسم والذاكرة والإرادة.
يتعلم المعتقل كيف يجيب برقمه، وكيف ينسى صوته القديم، وكيف يتعامل مع نفسه بوصفه جزءاً من آلة كبيرة لا تعترف بالفرد ولا ترى فيه سوى ملف أمني.
ومن هنا تكتسب عملية استعادة الاسم معناها العميق.
فالكتابة نفسها في" أجنحة في زنزانة" تصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
حين يكتب مفيد نجم اسمه، ويعيد سرد حياته، ويسترجع وجوه أهله وأصدقائه، فإنه يمارس فعلاً مضاداً لكل ما أرادته المؤسسة الأمنية.
لقد حاول السجن أن يحوله إلى رقم، بينما تأتي الكتابة لتعيد إليه اسمه وتاريخه وصوته.
ومن النقاط الأخرى التي ينجزها الكتاب أنه لا يتعامل مع السجن بوصفه مكاناً معزولاً عن المجتمع.
فالزنزانة ليست جزيرة منفصلة، والفرع الأمني ليس عالماً قائماً بذاته.
ثمة إحساس دائم بأن ما يحدث في الداخل ليس سوى صورة مكثفة لما يحدث خارج الجدران.
ولهذا يتحول السجن عند مفيد نجم إلى نموذج مصغر للدولة، وتصبح الزنزانة استعارة كبرى للوطن.
فالكاتب لا يتحدث عن المعتقلين وحدهم، وإنما يلمح باستمرار إلى مجتمع كامل تعرض لعمليات مشابهة من الإلغاء والإخضاع.
المواطن في الخارج يحمل اسماً، لكنه يعيش تحت الخوف.
الموظف والطالب والعامل والفلاح يعيشون داخل نظام يراقبهم ويحدد حدود حركتهم وكلامهم.
ومن هنا تأتي عبارته التي تشير إلى أن السوريين تحولوا جميعاً إلى أرقام.
هذه الفكرة تمنح الكتاب بعده السياسي والفلسفي الأوسع.
فالسجن لا يصبح مجرد حادثة شخصية عاشها الكاتب، بل يتحول إلى مفتاح لفهم العلاقة والنظرة بين السلطة والمجتمع.
الجدران التي تحيط بالمعتقل تبدو امتداداً للجدران التي تحاصر الحياة العامة.
الصمت داخل الزنزانة يشبه الصمت في الشارع.
الخوف الذي يسكن المعتقل يتردد صداه في البيوت والشوارع والمدارس والدوائر الحكومية.
لهذا يصبح القبو الذي ينزل إليه السجين عالماً سفلياً يمثل الوجه الخفي للدولة.
إنه المكان الذي تظهر فيه السلطة عارية من كل أقنعتها.
لا قوانين، ولا مؤسسات، ولا قضاء، ولا حقوق.
هناك فقط الجسد والسلطة، والإنسان وآلة القمع.
ومن الجوانب اللافتة التي يقدمها مفيد نجم في كتابه موقفه من فكرة البطولة.
فالكثير من أدب السجون العربي وقع في فخ البطولة المطلقة، حيث يتحول المعتقل إلى شخصية خارقة تتحدى الألم من دون تردد أو ضعف.
أما مفيد نجم فيسير في اتجاه مختلف تماماً.
إنه يعترف بضعف الإنسان، ويعترف بخوفه، ويعترف بالصراع الداخلي الذي يعيشه السجين في أثناء التعذيب.
يميز بين أصحاب القدرة الكبيرة على الاحتمال، وبين أولئك الذين ينهارون تحت الضغط، لكنه يرفض بصورة واضحة تحويل هذه المسألة إلى حكم أخلاقي.
فالإنسان الذي ينهار تحت التعذيب ليس خائناً بالضرورة، وليس ضعيف الإرادة بالمعنى الأخلاقي.
هناك أجساد تملك قدرة أكبر على الاحتمال، وهناك أجساد تتعب بسرعة، وهناك ظروف مختلفة وتجارب مختلفة.
ولهذا يرفض الكاتب إدانة الضحايا، ويضع المسؤولية الكاملة على آلة التعذيب نفسها.
هذه النظرة تكشف نضجاً أخلاقياً وفكرياً نادراً.
فالتعذيب عنده هو المتهم الحقيقي، والجلاد هو المسؤول، والنظام الذي ينتج العنف هو موضع الإدانة.
أما الضحايا فلا يحق لأحد أن يحاكمهم من الخارج.
في رحلتي مع" أجنحة في زنزانة"، وجدت أن الكتاب، في لغته، ينهض على ثلاث طبقات متداخلة.
هناك اللغة السردية التي تنقل تفاصيل الاعتقال والتحقيق والزنازين والسجانين والحياة اليومية داخل المعتقل.
وهناك اللغة التأملية التي يناقش فيها الكاتب الذاكرة والكتابة والخيانة والهوية والزمن.
وهناك اللغة الشعرية التي تمنح النص جماله الخاص.
فالجدران تتحول أحياناً إلى سفينة غارقة، والظلام يصبح مادة كثيفة، والذكريات تتحرك كطيور بعيدة، والحلم يبدو راية ممزقة في مهب الريح.
هذه اللغة التي يلجأ إليها مفيد نجم لا تأتي من رغبة في التجميل، وإنما من حاجة داخلية إلى التعبير عن تجربة يصعب وصفها باللغة الواقعية المباشرة.
في جانب آخر، يؤدي المكان دوراً أساسياً في بناء رحلة الكتاب بين دفتيه.
دمشق ليست مجرد مدينة.
إنها مدينة الحياة والروائح والأصدقاء والنساء والأزقة القديمة والأشجار.
إنها العالم الذي فُصل عنه السجين قسراً.
في مقابلها يظهر القبو بوصفه عالماً سفلياً، مكاناً يقع تحت الأرض وتحت الحياة وتحت الزمن.
أما الزنزانة فتتحول إلى كون كامل له قوانينه وإيقاعه الخاص.
الزمن فيها مختلف، والصمت مختلف، والضوء مختلف.
النزول إلى القبو يبدو أشبه برحلة أسطورية إلى العالم السفلي، إلى ذلك المكان الذي كانت الأساطير القديمة ترسل إليه الموتى.
أمام هذا التنوع المكاني، لا يتحرك الزمان بخط مستقيم.
هناك زمن ما قبل الاعتقال، زمن المدينة والحياة الطبيعية.
وهناك زمن السجن، حيث تتوقف الأيام وتتشابه الساعات.
ثم يأتي زمن الكتابة، وهو الزمن الذي يعود فيه الماضي ليحتل الحاضر من جديد.
الكاتب يحمل ذاكرة السوريين.
يكتب بعد سنوات طويلة، لكن السجن لا يغادره.
الجرس ما يزال موجوداً في ذاكرته، والخوف ما يزال قادراً على الاستيقاظ، والصور القديمة لا تزال تتحرك داخله.
ولهذا يمكن القول إن" أجنحة في زنزانة" يقوم على ما يمكن تسميته بالزمن المؤجل، ذلك الزمن الذي لا ينتهي عندما تنتهي الوقائع، وإنما يستمر داخل الذاكرة، ويواصل تشكيل الإنسان حتى بعد خروجه من المعتقل بسنوات طويلة.
لهذا السبب، ينتمي" أجنحة في زنزانة" إلى ذلك النوع النادر من الكتب التي تتجاوز حدود التجربة الفردية.
الألم الشخصي فيه يذوب ويتحول إلى شهادة جماعية.
الذاكرة الخاصة تصبح جزءاً من ذاكرة بلد كامل.
السجين الفرد يصبح شاهداً على زمن طويل من الخوف والقمع والعنف.
وتكتسب هذه القراءة معناها الأعمق مع الذكرى السادسة والأربعين لمجزرة سجن تدمر، تلك المجزرة التي ما تزال تحتل مكاناً مركزياً في الذاكرة السورية.
ففي صباح السابع والعشرين من حزيران عام 1980، دخل الموت إلى زنازين تدمر بصورة جماعية، وتحولت أجساد السجناء إلى أرقام نهائية داخل واحدة من أكثر صفحات التاريخ السوري قسوة.
لم تكن المجزرة حادثة منفصلة عن تاريخ السجون السورية، بل كانت التعبير الأكثر وحشية عن الفكرة نفسها التي يناقشها مفيد نجم في كتابه: إلغاء الإنسان الذي ما زال يحاول، عبر الشهادة والكتب والسير والاعتراف المؤجل، استعادة تفاصيل ما حدث وتوثيقه.
ثمة صورة أخرى، خاصة وشخصية، تبقى عالقة في الذاكرة؛ صورة رواها لي مفيد نجم منذ سنوات بعيدة، حين مُنح إذن مغادرة لمرة واحدة، مغادرة لا عودة بعدها إلى سوريا.
قال إنه لم يكن يريد شيئاً في تلك الساعات الأخيرة.
لم يذهب ليجمع أشياءه، ولم يجرِ وراء مواعيد مؤجلة، ولم يبحث عن حقائب أو أوراق أو خطط للمستقبل.
كان يمشي فقط في شوارع الشام.
يمشي طويلاً.
ينظر إلى الأزقة والبيوت والأشجار والوجوه والحجارة القديمة.
الرجل الذي خرج من السجن بعد سنوات طويلة لم يحمل معه سوى رغبته في أن يرى مدينته مرة أخيرة.
كان يمشي في شوارع دمشق كما يمشي إنسان في ذاكرته، وكما يمشي سجين نجا من الزنزانة وهو يعرف أن المدينة أيضاً سجينة، وأن الوداع قد يكون شكلاً آخر من أشكال النجاة.
هناك، في تلك الشوارع التي أحبها، كان مفيد نجم يستعيد اسمه للمرة الأخيرة.
وهناك أيضاً كانت دمشق تودع واحداً من أبنائها الذين حملوا جرحها معهم إلى المنافي، وكتبوا عنها، وعن سجونها، وعن موتاها، وعن الناجين منها، حتى لا يتحولوا إلى أرقام في ذاكرة النسيان.
كان يريد فقط أن يودع المدينة التي جاءت إليها عائلة والده بعد احتلال الجولان من إسرائيل.
هذه الصورة ربما تختصر حياة مفيد نجم الذي يعيش المنفى في ألمانيا.
وقد حان الوقت لوزارة الثقافة أن تلتفت إلى أولئك المبدعين الصامتين، القابضين على ذاكرتهم وحدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك