في مثل هذا اليوم 28 يوليو 1882، اتخذت الحكومة البريطانية قرارها الرسمي باحتلال مصر، بعد أسابيع من تصاعد الأزمة السياسية والعسكرية بين الحكومة البريطانية والحركة الوطنية التي قادها الزعيم أحمد عرابي.
وجاء القرار ليضع مصر تحت الاحتلال البريطاني الذي استمر فعليًا قرابة سبعين عامًا، وأصبح أحد أبرز المنعطفات في تاريخ البلاد الحديث.
من حملة فريزر إلى حلم السيطرة على مصرلم تكن رغبة بريطانيا في السيطرة على مصر وليدة أحداث عام 1882، فقد بدأت محاولاتها منذ مطلع القرن التاسع عشر.
ففي عام 1807 أرسلت بريطانيا ما عُرف بـ" حملة فريزر" لاحتلال الإسكندرية وإسقاط حكم محمد علي باشا، وتنصيب سلطة موالية لها، إلا أن المقاومة المصرية، خاصة في رشيد والحماد، أفشلت الحملة وأجبرت القوات البريطانية على الانسحاب في سبتمبر 1807.
ومع افتتاح قناة السويس عام 1869 وتزايد الديون الخارجية التي أثقلت كاهل الدولة المصرية في عهد الخديوي إسماعيل، أصبحت مصر هدفًا استراتيجيًا لبريطانيا التي رأت في السيطرة عليها ضمانًا لطريقها البحري إلى الهند وحماية لاستثماراتها ومصالحها في الشرق.
الثورة العرابية وتدخل القوى الأوروبيةاندلعت الثورة العرابية عام 1881 بقيادة أحمد عرابي، مطالبة بإصلاح الجيش وإنهاء التدخل الأجنبي وإقامة حياة دستورية.
لكن تصاعد الحركة الوطنية أثار قلق بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تسيطران على جزء كبير من الاقتصاد المصري من خلال نظام الديون والرقابة المالية.
وسعت الدول الأوروبية إلى إيجاد حل دولي للأزمة عبر مؤتمر إسطنبول في صيف 1882، إلا أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رفض إرسال قوات للمشاركة في التدخل العسكري، كما فشل المؤتمر في التوصل إلى اتفاق موحد، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى اتخاذ قرارها بالتدخل منفردة، بينما سحبت فرنسا قطعها البحرية من الإسكندرية.
قصف الإسكندرية وبداية الاحتلالفي 11 يوليو 1882 بدأ الأسطول البريطاني قصف مدينة الإسكندرية، واستمر القصف ثلاثة أيام، قبل أن تنزل القوات البريطانية إلى المدينة التي تعرضت لدمار واسع.
ورد أحمد عرابي بإعلان التعبئة العامة، كما استصدر فتوى من عدد من علماء الأزهر اعتبرت تعاون الخديوي توفيق مع القوات البريطانية خيانة للوطن، داعيًا المصريين إلى مقاومة الاحتلال والدفاع عن البلاد.
بعد احتلال الإسكندرية حاولت القوات البريطانية التقدم نحو القاهرة، إلا أن الجيش المصري أوقفها في تحصينات كفر الدوار، ما أجبرها على تغيير خطتها العسكرية.
واتجهت القوات البريطانية بعد ذلك إلى منطقة قناة السويس بقيادة الجنرال جارنيت ولسلي، الذي تمكن من احتلال القناة، لتبدأ مرحلة جديدة من العمليات العسكرية.
وفي 10 سبتمبر 1882 دارت معركة القصاصين، حيث شن أحمد عرابي هجومًا مفاجئًا على القوات البريطانية، وكبدها خسائر ملحوظة، إلا أن وصول تعزيزات جديدة قلب ميزان المعركة لصالح البريطانيين.
أما المعركة الفاصلة فجرت في 13 سبتمبر 1882 عند التل الكبير، حيث تمكنت القوات البريطانية من مباغتة الجيش المصري فجرًا، لتنتهي المعركة بهزيمة العرابيين، ودخول القوات البريطانية إلى القاهرة، وعودة الخديوي توفيق إلى الحكم تحت الحماية البريطانية.
ورغم أن الاحتلال البريطاني بدأ فعليًا عام 1882، فإنه ظل من الناحية القانونية قائمًا تحت السيادة العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وفي 18 ديسمبر 1914 أعلنت بريطانيا فرض الحماية البريطانية رسميًا على مصر، وألغت السيادة العثمانية، وغيرت اسم البلاد إلى السلطنة المصرية، قبل أن تنهي الحماية رسميًا بإعلان استقلال مصر في 28 فبراير 1922، مع استمرار النفوذ البريطاني لسنوات لاحقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك