ثقافة الأثر وثقافة الصدى.
أزمة النخبة والشارع في الشرق الأوسطتعيش المجتمعات العربية منذ عقود تحت وطأة تحولات متسارعة، وأزمات مركبة تفرض على النخبة الفكرية مسؤولية استثنائية في قيادة الوعي وتفكيك التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية.
ومع الطفرة الرقمية الهائلة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبحنا نشهد ظاهرة غير مسبوقة: فضاءات ممتلئة بالنقاشات، ومصطلحات فكرية كثيفة تتطاير في الفضاء الإلكتروني، وحضورا إعلاميا واسعا لأسماء تصنف ضمن النخبة الثقافية.
ولكن، خلف هذا المشهد البراق، تبرز مفارقة حادة تدعو إلى التأمل؛ فبينما يرتفع منسوب الضجيج الفكري والكلام، يبدو الأثر الحقيقي للتغيير على أرض الواقع أضعف بكثير من قوة الصوت.
إن مجتمعاتنا لا تعاني من قلة الخطابات أو ندرة الأفكار، بل تعاني من فجوة هائلة بين ما يقال في الصالونات الفكرية والمؤتمرات الرسمية، وبين ما يترجم إلى سلوك وسياسات على أرض الواقع تمس حياة المواطن البسيط في تفاصيله اليوميةإن الأزمة الحقيقية التي تواجه المشهد الثقافي العربي اليوم لا تكمن في غياب المنابر أو قلة الحوار، بل في تحول الحوار نفسه إلى غاية مستقلة بذاتها، وانفصاله التدريجي عن الفعل، وعن الإنسان، وعن التغيير الحقيقي في الشارع العربي.
لقد تحولت الثقافة، لدى شريحة غير قليلة من النخب، إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية والاستعراض اللفظي.
وأصبح النجاح يقاس أحيانا بمدى تعقيد المصطلحات المستخدمة أو بعدد المتابعين على المنصات الرقمية، بدلا من أن يقاس بمدى القدرة على النزول إلى عمق المجتمع، وتفكيك أزماته، وتقديم رؤى عملية تسهم في نهضته.
ولا يمكن قراءة هذا الانفصال الفكري بمعزل عن البيئة السياسية التي تحكم المنطقة؛ إذ يتوازى هذا الطنين الثقافي مع نمط من العمل السياسي العربي الذي أدمن التكرار وغاب عنه الأثر الفعال.
ففي كثير من بلدان الشرق الأوسط، تحول الفعل السياسي من أداة لبناء الإستراتيجيات وتطوير المؤسسات وتحسين جودة حياة الشعوب، إلى مجرد مشاريع إعلامية وخطابات رنانة وشعارات ترفع في المناسبات لامتصاص الأزمات دون حلها.
إن السياسيين الذين ينفصلون عن واقع أوطانهم، ويغرقون في البيروقراطية أو يسعون وراء المكاسب الآنية، يقدمون لغة مفرغة من المضمون؛ لغة تعيد إنتاج الوعود نفسها لسنوات، بينما تتراجع الخدمات وتتعطل عجلة التنمية الحقيقية.
هذا التناغم السلبي بين ثقافة الاستعراض والسياسة غير الفعالة يفرز حالة عامة من الإحباط والاغتراب المتبادل في الشارع العربي.
فالمواطن المثقل بأعبائه الاقتصادية والاجتماعية يرى في أطروحات بعض المثقفين ترفا فكريا، تماما كما يرى في وعود السياسيين حبرا على ورق لا يسمن ولا يغني من جوع.
والواقع أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الكاتب والمفكر، المطالب دوما بعدم التواطؤ مع هذا الجمود، وبناء الجسور، والبحث عن لغة تجمع بين عمق الفكرة وبساطة التعبير، لتحدي الوضع القائم عوضا عن اللجوء إلى التبرير والانسحاب نحو أبراج عاجية.
عندما ينفصل الفكر عن الواقع، وينفصل العمل السياسي عن مصالح الشعوب، يحدث خلل بنيوي في وظيفة المجتمع كله.
يتحول المثقف من منارة تضيء عتمة الطريق، والسياسي من قائد للمؤسسات، إلى مجرد أصوات تطن في الآذان؛ أصوات عريضة الحضور في الكلام، غائبة تماما في الأثر وبناء الوعي والتنمية المستدامة.
إن مجتمعاتنا لا تعاني من قلة الخطابات أو ندرة الأفكار، بل تعاني من فجوة هائلة بين ما يقال في الصالونات الفكرية والمؤتمرات الرسمية، وبين ما يترجم إلى سلوك وسياسات على أرض الواقع تمس حياة المواطن البسيط في تفاصيله اليومية.
إن الكاتب والمدون الحقيقي هو من يدرك أن الحرف أمانة، وأن الكلمة، إن لم تترك أثرا ملموسا يغير في وعي الناس وسلوكهم، تفقد شرعيتها وتتحول إلى ضجيج عابربيد أن تفكيك هذا الجمود ليس مستحيلا، ولن يكون كذلك؛ إذ يبدأ التغيير الحقيقي عندما يقرر المثقف والمدون مغادرة مقاعد المتفرجين والتحول إلى" مهندسي وعي".
إن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب الانتقال من" نقد الأزمة" إلى" صناعة البديل"، عبر تبسيط المعرفة وتحويل الفلسفة المعقدة إلى مبادرات مجتمعية مرنة، وأدوات تمكين رقمية ومعرفية يستفيد منها الشباب والجيل الصاعد في تفاصيل حياتهم اليومية.
وحين يلتقي عمق الفكرة بإرادة الفعل على الأرض، يتراجع الضجيج العابر، وتبنى القواعد الصلبة التي تجبر العمل السياسي والتنموي على اللحاق بنبض الشارع الحقيقي وتلبية تطلعاته.
إن هذه العودة إلى المربع الأول هي الوظيفة الأسمى للثقافة: أن تصبح أداة للبناء والارتقاء بوعي الإنسان، والضغط نحو إصلاح حقيقي، لا وسيلة لإعادة إنتاج الكلام.
فالفكر الذي لا يتحول إلى طاقة تدفع بالمجتمع نحو الأمام، والسياسة التي لا تثمر واقعا أفضل، يبقيان مجرد صدى صوت يزول بزوال المنبر أو انفضاض السامر الرقمي.
الثقافة، في جوهرها، ليست زخما لفظيا، بل هي مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى تجاه المجتمع.
إن الكاتب والمدون الحقيقي هو من يدرك أن الحرف أمانة، وأن الكلمة، إن لم تترك أثرا ملموسا يغير في وعي الناس وسلوكهم، تفقد شرعيتها وتتحول إلى ضجيج عابر.
إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثقافة وفعل سياسي يتركان أثرا لا صدى؛ إلى عقول تضيء المساحات المظلمة بوعي حقيقي، وتبني لبنات واضحة في جدار النهضة العربية، بدلا من الاكتفاء بالحديث عن مواصفات الجدار.
فكل فكر وعمل لا يمس حياة الإنسان ويغيرها نحو الأفضل، يبقى صوتا جميلا يعيش ويموت في الفراغ.
رفعت الأقلام وجفت الصحف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك