اتفاق الإطار الموقع بين إسرائيل ولبنان، الذي تم التوقيع عليه مؤخراً، يحمل عبارات تفاؤل صادقة؛ فهو ينطلق من رؤية سلام وأمل في “إنهاء رسمي” لحالة العداء، وإعادة تأهيل لبنان اقتصادياً وسياسياً، ونزع سلاح حزب الله وأي منظمة أو هيئة غير مرخصة.
ويؤكد الاتفاق، في الجزء الإعلامي، التزام لبنان ببسط سيادته على كل البلاد، فضلاً عن التزام البلدين بحل كل النزاعات بينهما مباشرة “كدولتين سياديتين”.
من المهم التذكير أن حكومة لبنان لم تكن بحاجة إلى اتفاق لصياغة سياسة رائدة تسعى إلى نزع سلاح حزب الله، وأن الجيش اللبناني اتخذ إجراءات محدودة لتنفيذ هذه المهمة في إطار مبدأ احتكار الدولة للسلاح المرخص.
الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي صاغ هذه السياسة في خطابه الافتتاحي في كانون الثاني 2025، لم ينتظر اتفاقاً ليضع حاجزاً دبلوماسياً أمام إيران.
لقد خرق خطوط حمراء وضعها هو نفسه، مثل الموافقة على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على المستوى السياسي وإجرائها تحت ضغط الحرب.
بهذا المعنى، لم ينشئ الاتفاق سياسة لبنانية جديدة، بل رسخ عملية كانت بدأت بالفعل وتجاهلتها إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن برزت إيران كلاعبة رئيسية في الساحة.
إن تنفيذ إعلان النوايا السياسية الذي يبدو أنه نسخ جزئياً من الاتفاق الموقع بين إسرائيل ولبنان في أيار 1983، مشروط تماماً بتحركات عسكرية يقوم بها لبنان تحت إشراف إسرائيل والولايات المتحدة وبرضاهما.
هنا تكمن بؤرة خلاف على وشك الانفجار: الاتفاق يمنح إسرائيل والولايات المتحدة احتكار فحص مدى التزام لبنان بالشروط المنصوص عليها، التي تعترف إسرائيل نفسها بأنها لا تستطيع الوفاء بها حتى لو احتلت لبنان كله.
من هو المخول بمنح الموافقة على إتمام نزع السلاح؟ ظاهرياً، يكفي خلاف حول تفسير نزع السلاح بين إسرائيل ولبنان في منطقة تجريبية لعرقلة التقدم في تنفيذ الاتفاق.
هذا ما لم تحسم الولايات المتحدة الأمر وتحدد من هو على حق، وهو ما يتوقع أن يحدث.
تنفيذ إعلان النوايا السياسية الذي يبدو أنه نسخ جزئياً من الاتفاق الموقع بين إسرائيل ولبنان في أيار 1983، مشروط تماماً بتحركات عسكرية يقوم بها لبنان تحت إشراف إسرائيل والولايات المتحدة وبرضاهماوبينما تتسم بنود رؤية السلام بالوضوح والدقة، ثمة غموض يسود في البنود العملية التي سيحدد بحسبها مدى استيفاء لبنان للشروط.
مثلاً، في البند المتعلق بالتحذيرات في “المناطق التجريبية”، وهي المناطق التي سيتم تحديدها في الملحق العسكري الذي لم ينشر بعد، والتي من المفترض أن يسيطر عليها الجيش اللبناني وينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
ضمن أمور أخرى، جاء أن الجيش اللبناني سيتولى بالتدريج المسؤولية العسكرية في هذه المناطق بعد “التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات غير الحكومية”.
هل المقصود أن يبقى الجيش الإسرائيلي في هذه المناطق بالتوازي مع عملية نزع سلاح حزب الله؟ هل سيتم تنسيق عمليات الجيشين على المستوى العملياتي؟ ما هي معايير عمل الجيش الإسرائيلي خارج المناطق التجريبية؟ ما الذي سيعتبر خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
والأهم، ما المدة المتوقعة لنزع السلاح وتطوير البنى التحتية؟ إن غياب جدول زمني يعتبر مشكلة هيكلية يبدو أنها متعددة.
فلا يوجد أي جدول زمني لأي مرحلة من مراحل الاتفاق، سواء نزع السلاح أو تاريخ انسحاب إسرائيل من المناطق التجريبية أو تاريخ توسيع هذه المناطق أو البدء في المحادثات الثنائية، فضلاً عن تاريخ توقيع اتفاق السلام المنتظر لم يحدد في الاتفاق أيضاً.
الآن يطلب من الجيش اللبناني بذل جهود كبيرة لنزع سلاح المنظمات غير المرخصة، وهو بحاجة إلى التمويل والمعدات والسلاح والتدريب والتوعية.
كان يتوقع أن تقدم الإدارة الأمريكية، التي بادرت إلى تنسيق شروط توقيع الاتفاق، مساعدة سخية لحكومة لبنان.
ولكن بالمقارنة مع الأموال التي تمت الموافقة عليها للبنان في تشرين الأول الماضي، بمبلغ 230 مليون دولار، إضافة إلى 14 مليون دولار إضافية تم تحويلها في أيلول، يلتزم البنتاغون الآن بتقديم 30 مليون دولار فقط كمساعدة للاحتياجات العسكرية فقط.
اشترط الاتفاق على لبنان الاعتراف بأن “أي مساعدات أمريكية جديدة ستكون مشروطة بتنفيذ “مراحل محددة” موثقة، وشفافية كاملة، ونتائج ملموسة ورقابة مستمرة”.
بكلمات أخرى، يجب أولاً نزع سلاح حزب الله، بعد ذلك الحصول على بعض المساعدات المطلوبة لنزع السلاح.
وقد بدأت وحدات في الجيش اللبناني بالفعل بتلقي التدريب على يد مدربين أمريكيين، وقد تخضع بعد ذلك على تدريب من قبل فرنسا وإيطاليا كجزء من الاتفاق الذي وقع بين الدولتين، واستعداداً لإنهاء مهمة قوة “اليونفيل”.
مع ذلك، لم يتضح بعد من الذي سيمول رواتب جنود الجيش اللبناني الذين يستفيدون حالياً من منحة حكومة قطر.
حسب الاتفاق، ستجند الولايات المتحدة شركاءها الدوليين لمساعدة حكومة لبنان على إعادة بناء البلاد وإنعاش اقتصادها.
هذا وعد باذخ من النوع الذي يحب الرئيس الأمريكي إطلاقه بسخاء.
مثلما فعل في قطاع غزة ومثلما وعد إيران، لكن الاتفاق لا يضمن أي خطوة ملموسة في هذا الاتجاه.
لا يوجد عقد مؤتمر دولي للدول المانحة أو جدول زمني أو مبلغ التبرعات المطلوب أو آلية مشتركة لإدارة عملية إعادة الإعمار والإشراف عليها.
الإنجاز الرئيسي للاتفاق يكمن في التوقيع عليه، رغم معارضة حزب الله و”تجاوز” إيران.
ولكن من المرجح أن يتلاشى الإنجاز دون وجود آلية للمساعدات وجمع التبرعات، تعمل بالتوازي مع تدريب الجيش اللبناني وانتشاره في المناطق التجريبية وربط المساعدات بنزع سلاح حزب الله.
إن “حملة الجنوب” ليست عسكرية فقط، بل اقتصادية وسياسية أيضاً.
وعودة مئات آلاف اللبنانيين إلى بيوتهم، وإعادة إعمار القرى وتشغيل المدارس والعيادات، تعتبر ركيزة أساسية لسيطرة الدولة على سيادة الأراضي التي تمكن حزب الله من عزلها عنها.
ولا يقتصر نجاح الدولة في توحيد الجنوب تحت حمايتها على تحييد سيطرة حزب الله المدنية في هذه المنطقة فقط، بل يضمن أيضاً قطع التبعية بين سكان الجنوب وحزب الله.
يلزم الاتفاق حكومة لبنان بمنع تحويل الأموال من مصادر أجنبية مثل إيران، إلى هذه المنظمات.
ولكن إذا لم تكن لدى الدولة مواردها الخاصة لتمويل إعادة الإعمار ومساعدة السكان، فسيبحث حزب الله وإيران عن طرق لسد هذا النقص.
وهنا تبرز مسألة معقدة أخرى تتعلق بإمكانية تنفيذ الاتفاق بمعزل عن الساحة الأمريكية – الإيرانية.
ظاهرياً، ينشئ قرار تشكيل “خلية منع الاحتكاك” الذي اتخذ في المناقشات التي أجراها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في سويسرا مع الإيرانيين، آلية موازية لا تعتبر إسرائيل شريكة فيها.
ظاهرياً، لا يوجد أي تناقض بين “الخلية” كآلية مصممة لتحقيق استقرار وقف إطلاق النار، وليس للتدخل في الترتيبات السياسية بين لبنان وإسرائيل، وبين الاتفاق الجديد.
ولكن إيران التي تعتبر هذه الآلية مدخلاً لأي تطور عسكري وسياسي في لبنان، ستسعى إلى إخضاع الاتفاق الجديد لشروطها.
وفشل هذا الجهد سيعتمد الآن على المرونة التي ستظهرها إسرائيل وأمريكا تجاه جهود حكومة لبنان لإدارة نزع سلاح حزب الله، وعلى استبعاد الأهداف السياسية لمنع الصراع العنيف في داخل لبنان، من الهدف الطموح الذي يطالب بنزع السلاح الكامل والشامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك