إذا نظرنا إلى مضمون الاتفاق بعيداً عن الاحتفالات والخطابات، سنجد أن" إسرائيل" خرجت منه وهي تمتلك ما كانت تسعى إليه منذ سنوات، بينما خرج لبنان بوعود أمريكية لا يرافقها ضامن حقيقي ولا آلية ملزمة لتنفيذها.
فالضمانات الأمريكية ليست جديدة في المنطقة، وتجاربها السابقة، سواء في فلسطين أو في ملفات إقليمية أخرى، أظهرت أن التعهدات كثيراً ما تبقى رهينة الإرادة الإسرائيلية.
المفارقة أن السياسيين اللبنانيين لم يستفيدوا من التجربة الأقرب إليهم: اتفاق غزة.
فمنذ توقيعه، ما زالت إسرائيل تستخدم ذريعة “سلاح المقاومة” لتبرير عدم تنفيذ التزاماتها والإبقاء على وجودها العسكري في مناطق مختلفة.
تحولت قضية السلاح إلى شماعة دائمة تؤجل كل استحقاق سياسي وأمني، ومن المرجح أن يتكرر السيناريو نفسه في جنوب لبنان، حيث قد تصبح مكافحة المقاومة مبرراً دائماً لتأجيل أي انسحاب أو لتنفيذ عمليات عسكرية كلما أرادت إسرائيل ذلك.
لقد اندفع جزء من الطبقة السياسية اللبنانية، بدافع الخصومة مع حزب الله، إلى التعامل مع الاتفاق وكأنه انتصار داخلي على المقاومة، بينما قد يكون الثمن الحقيقي هو إضعاف الموقف اللبناني نفسه.
فالخلاف مع حزب الله شيء، ومنح إسرائيل أوراق قوة إضافية شيء آخر.
وعندما تتحول الخصومة الداخلية إلى مدخل لتنازلات استراتيجية، فإن الخاسر لا يكون حزباً بعينه، بل الدولة كلها.
وقد يكتشف هؤلاء خلال الأسابيع والأشهر المقبلة أن الاتفاق، بصيغته الحالية، سيكون شديد الصعوبة في التطبيق على الجانب الإسرائيلي، باستثناء بند واحد عملياً، وهو منح إسرائيل غطاءً سياسياً وأمنياً للاستمرار في البقاء داخل الجنوب كلما ادعت أن هناك نشاطاً للمقاومة يهدد أمنها.
وهكذا يتحول الاتفاق من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى إطار يسمح بإدامته تحت مسميات مختلفة.
أما بنيامين نتنياهو، فقد وجد في هذا الاتفاق فرصة ذهبية للخروج أمام جمهوره معلناً “الانتصار”.
فمنذ سنوات، لم يتمكن من تحقيق صورة النصر الحاسم التي وعد بها الإسرائيليين، لا في غزة، ولا في لبنان، ولا في المواجهة مع اليمن، ولا في الصراع مع إيران.
بل إن التطورات الأخيرة في المنطقة زادت من الضغوط السياسية عليه وأضعفت صورته الداخلية.
لذلك جاء الاتفاق ليمنحه ما يحتاجه سياسياً أكثر مما تحتاجه إسرائيل أمنياً: مشهد نصر يمكن تسويقه للإسرائيليين.
حتى معارضة شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير لهذا الاتفاق لا تبدو، في نظر كثيرين، رفضاً لجوهره بقدر ما هي جزء من توزيع الأدوار داخل اليمين الإسرائيلي.
فنتنياهو يدرك أن جمهوره يريد رؤيته منتصراً، ويريد في الوقت نفسه استمرار حرية العمل العسكري داخل لبنان.
وإذا كان الاتفاق يوفر لإسرائيل إمكانية البقاء في الجنوب بذريعة محاربة المقاومة، ويمنح نتنياهو فرصة الحديث عن “سلام القوة” الذي طالما بشّر به، فإنه يكون قد حقق الهدفين معاً: استمرار النفوذ الميداني، وصناعة صورة سياسية للانتصار.
في النهاية، لا تقاس الاتفاقات بعدد التواقيع ولا بعدسات المصورين، بل بقدرتها على تغيير الوقائع على الأرض.
وإذا بقيت إسرائيل صاحبة القرار في تنفيذ الاتفاق أو تعطيله، فإن لبنان لن يكون قد حصل على سلام، بل على وعود، بينما تكون" إسرائيل" قد حصلت على ما هو أهم: اعتراف سياسي، وحرية حركة، وصورة نصر يحتاجها نتنياهو أكثر من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك