لا تكشف أسعار المنازل البريطانية التي تُعرض ولا تُباع عن تعثر عقاري عابر، بل عن فجوة اقتصادية أعمق بين ما يأمل البائعون في الحصول عليه وما يستطيع المشترون تمويله فعلياً.
فالسوق التي اعتادت لسنوات طويلة على أسعار فائدة منخفضة وارتفاعات متواصلة في الأسعار، تجد نفسها اليوم أمام اختبار أكثر صرامة؛ إذ لم تعد قيمة المنزل تُقاس بما يريده مالكه وحده، بل بما تسمح به أجور المشترين ومدخراتهم وقواعد الإقراض وكلفة الرهن العقاري.
تمنح الأرقام الأخيرة الصادرة عن منصة" زووبلا" العقارية، وهي منصّة بريطانية متخصّصة في تحليل السوق العقاري والإيجارات، هذه الصورة بُعداً أكثر وضوحاً؛ إذ يشير تحليلها إلى أن نحو نصف المنازل التي عُرضت للبيع في المملكة المتحدة خلال السنوات الثلاث الماضية لم تجد مشترياً، فيما يعترف أكثر من ثلث الذين فشلوا في البيع بأن منازلهم عُرضت بسعر أعلى من اللازم، أما الذين نجحوا في إتمام البيع، فقد اضطر أكثر من نصفهم إلى خفض سعر الطلب.
يقول جيمس تاتش، رئيس التحليلات في مؤسسة التمويل البريطانية (UK Finance)، في تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، إن القدرة على تحمّل كلفة الرهن العقاري بلغت حالياً أدنى مستوياتها منذ عام 2008، مع وجود فروق واضحة بين مناطق بريطانيا، ويضيف أن نقص المساكن دفع الأسعار إلى الارتفاع خلال السنوات الأخيرة، لكن عوامل عدة وسّعت الفجوة بين السعر الذي يأمل البائعون في تحقيقه وما يستطيع المقترضون تحمّله، من بينها ارتفاع فوائد الرهن العقاري وصعوبة ادخار الدفعة المقدمة وركود الأجور وتشدد قواعد الإقراض.
يضع هذا التعليق أزمة البيع في إطارها الاقتصادي الأوسع فقد يبقى المنزل مرتفع القيمة على الورق، لكنّه يفقد جزءاً من قوته الاقتصادية حين لا يتحول إلى صفقة مكتملة.
رغم ذلك، لا يمكن القول إنّ سوق المنازل تشهد بالضرورة انهياراً حاداً في الأسعار، لكنها تتحرك ببطء، وتتراكم فيها العقارات المعروضة، وتطول فترات الانتظار، فيما تتحول التخفيضات من استثناء إلى وسيلة لإعادة السعر إلى واقع القدرة الشرائية.
يكشف تقرير" زووبلا" أن المنازل التي بيعت خلال الربع الأول من عام 2026، كانت في المتوسط بسعر يقل بنسبة 3.
5% عن سعر الطلب، كما يشير تحليلها إلى أن تسعير المنزل بنسبة 5% فوق السعر المحلي المتوقع يخفض فرص بيعه بنحو 5%.
قد تبدو النسبة محدودة حسابياً، لكنها تكتسب ثقلاً أكبر في سوق ترزح تحت ضغط ارتفاع كلفة الرهن العقاري؛ لأنّ كل زيادة في سعر الطلب تتحول إلى عبء شهري إضافي على المقترض، لا إلى رقم تجميلي في إعلان عقاري.
تزداد المشكلة تعقيداً حين يحدد البائع سعر منزله انطلاقاً مما يحتاجه لشراء المنزل التالي، لا وفق ما تتيحه السوق الحالية.
وتشير بيانات" زووبلا" إلى أن نحو خُمس البائعين يعترفون بأنهم حددوا سعر الطلب بناءً على المبلغ اللازم للانتقال إلى منزل آخر.
تكشف المقارنة بين الفئات العمرية بُعداً جيلياً لهذه المشكلة، فبحسب" زووبلا"، يبدو البائعون الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً وما فوق أكثر قدرة على إتمام البيع من الفئات الأصغر سناً.
ويرتبط ذلك جزئياً بأن كبار السن غالباً ما راكموا قيمة ثابتة أكبر في منازلهم، ما يمنحهم مرونة أوسع في التسعير أو قبول التخفيضات، خصوصاً عند الانتقال إلى منزل أصغر.
أما البائعون الأصغر سناً، فقد يكونون أكثر اعتماداً على تحقيق سعر مرتفع لتمويل الخطوة التالية، في سوق أصبح فيها كل انتقال أكثر كلفة.
لندن تحت ضغط الكلفة لا تتوزع الضغوط بالتساوي على الخريطة البريطانية.
ففي تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، يقول توم بيل، رئيس أبحاث السكن لدى وكالة نايت فرانك (Knight Frank)، إن القدرة على تحمّل الكلفة لا تزال ترسم خريطة أسعار المنازل في بريطانيا، وهو ما عرّض الأسعار في لندن لضغط أكبر من مناطق أخرى.
ويضيف أن المناطق الواقعة خارج العاصمة تشهد منذ نحو عقد عملية لحاق تدريجية بأسعار لندن، وهو اتجاه ينبغي للبائعين أخذه في الاعتبار.
ويرجح بيل استمرار هذا التحول مع توجه مزيد من المشترين إلى المدن الإقليمية، إذ يستطيعون الحصول على قيمة أكبر مقابل أموالهم.
لا تواجه لندن بذلك مشكلة ارتفاع الأسعار فحسب، بل منافسة متزايدة من مدن تمنح المشترين مساحة أكبر أو كلفة أقل أو قدرة أفضل على التوفيق بين السكن والعمل.
تحذّر القراءة الأكاديمية من اختزال الفروق الإقليمية في كلفة الاقتراض وحدها.
ففي تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، يرى البروفيسور بول تشيشاير، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في كلية لندن للاقتصاد، أن ارتفاع كلفة الرهن العقاري قد يدفع جزءاً محدوداً من الطلب نحو سوق الإيجار عندما يحدّ من قدرة الأسر على الشراء، لكنه يرجّح أن يبقى هذا الأثر محدوداً.
ويضيف أن الانخفاض التدريجي المتوقع في أسعار الفائدة لن يغير كثيراً الفروق الإقليمية في القدرة على تحمّل كلفة السكن، لأنّ أسعار الفائدة لا تختلف من منطقة إلى أخرى، بينما تتباين أسعار المنازل والقدرة الشرائية بشدة بين أقاليم المملكة المتحدة.
تكشف هذه القراءة أن مشكلة السوق لا ترتبط بدورة الفائدة وحدها، بل ببنية أعمق من الفروق في الأسعار والدخل وتوافر المساكن والفرص الاقتصادية بين العاصمة وبقية البلاد.
تتجاوز تداعيات تعثر البيع حدود العلاقة بين البائع والمشتري.
فكل صفقة لا تكتمل تعني نشاطاً مؤجلاً في الإقراض والنقل والتجديد وشراء الأثاث والخدمات القانونية والعقارية.
وقد يصبح ضعف السيولة في سوق السكن عبئاً على قطاعات أوسع من الاقتصاد، حتى من دون ظهور أزمة حادة في أسعار المنازل.
تتبدى المفارقة بوضوح في ثروة عقارية لا تزال ضخمة على الورق، لكنّها أصبحت أكثر هشاشة عند محاولة تحويلها إلى صفقة فعلية.
وقد يملك البائع منزلاً ارتفعت قيمته كثيراً خلال عقد، لكنه يكتشف عند عرضه أن السوق الحالية لا تكافئ الذاكرة القديمة للأسعار، كما قد يرغب المشتري في الشراء، لكنه يعجز عن ترجمة رغبته إلى قرض مقبول أو دفعة مقدمة كافية.
هكذا تبدو بريطانيا أقرب إلى تصحيح عقاري صامت، لا يظهر في انهيار كبير للأسعار، بل في بطء البيع، واتساع مساحة التفاوض، وزيادة التخفيضات، وتراجع قدرة السوق على تحويل الملكية إلى سيولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك