بقلم: اللواء د.
رضا فرحات (أستاذ العلوم السياسية)تعد ثورة 30 يونيو نقطة تحول استراتيجية لم يقتصر آثارها على الداخل المصري، بل امتدت لتعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط بأسره في وقت كانت المنطقة تعيش فيها حالة غير مسبوقة من الاضطراب، وتواجه تحديات تهدد بقاء الدولة الوطنية، فجاءت الثورة لتغير مسار الأحداث، وتفرض معادلة جديدة أعادت الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها، وأوقفت مسارا كان يستهدف إعادة رسم خريطة الإقليم على أسس الفوضى والانقسام، ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبل 30 يونيو، إذ أعادت مصر، باستعادة استقرارها ودورها الإقليمي، صياغة موازين القوى، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الحفاظ على الدولة الوطنية واستعادة التوازن الإقليمي.
منذ عقود طويلة، اعتادت منطقة الشرق الأوسط على النظر إلى مصر باعتبارها حجر الزاوية في أي منظومة إقليمية مستقرة، ولعل ما حدث قبل عام 2013 يؤكد هذه القاعدة بشكل سلبي، حين دخلت مصر في دوامة من الاستقطاب الحاد، وتراجع دور مؤسساتها الوطنية، وهو ما انعكس فوريا على حالة الترقب والقلق التي عمت العواصم العربية بل والإقليمية بأكملها، لأن انزلاق مصر نحو منطقة الفراغ السياسي يعني انزلاق المنطقة كلها نحو مناطق مجهولة من عدم الاستقرار، وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي صنعتها ثورة 30 يونيو، فهي لم تكن مجرد تصحيح لمسار وطني، بل كانت إنقاذا لمنظومة إقليمية كانت على وشك الانهيار.
لعل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: كيف استطاعت ثورة شعبية أن تحدث هذا التحول الإقليمي العميق؟ والإجابة تكمن في أن الثورة حملت في جوهرها مشروعا سياسيا متكاملا، لم يقف عند حدود الرفض الشعبي لمسار سياسي معين، بل تجاوزه إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الدولة ومحيطها الإقليمي، ولم تكن الرسالة التي حملها الملايين في ميادين مصر موجهة للنظام القائم فحسب، بل كانت رسالة إلى المنطقة بأسرها مفادها أن الدولة الوطنية، بمؤسساتها الدستورية والقانونية والتنفيذية، تمثل الضمانة الوحيدة لاستقرار المجتمعات في أوقات التحولات الكبرى، وأن التنازل عن صلابة هذه المؤسسات أو المساس بتماسكها هو بمثابة فتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى والصراعات الممتدة.
هنا لا بد من التوقف عند أحد أهم المآثر التي حققتها تلك الثورة على المستوى الإقليمي، ألا وهو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية في الخطاب السياسي العربي، من قبل 30 يونيو، كانت المنطقة تعيش حالة من التراجع المقلق لدور الدولة، حيث تصاعدت نزعات التشرذم، وضعفت قدرة الأنظمة على احتواء الأزمات، وبرزت كيانات غير حكومية تنازعت مع الدولة على شرعية التمثيل واستخدام القوة لكن ثورة 30 يونيو أعادت الأمور إلى نصابها، وأكدت أن الشعوب العربية، لا تزال تمتلك وعيا عميقا بأهمية الدولة كإطار جامع وحام للمصالح العليا وهذا الدرس، في تقديري، كان له تأثير مباشر على كيفية تعامل العديد من الدول العربية مع أزماتها الداخلية لاحقا، حيث أصبح الحديث عن تعزيز مؤسسات الدولة وتحصينها من الأولويات التي تجمع عليها النخب السياسية في معظم أقطار المنطقة.
ولم يقف أثر الثورة عند حدود إعادة تعريف الدور الداخلي للدولة، بل امتد ليشمل استعادة مصر لدورها الإقليمي الفاعل بشكل غير مسبوق، وفي فترة وجيزة نسبيا بعد ثورة 30 يونيو، استطاعت القاهرة أن تعود إلى طليعة اللاعبين الإقليميين، ليس بوصفها طرفا متأثرا بالأحداث، بل كفاعل رئيسي يصنع التوازنات ويقود المبادرات، و هذه العودة الدراماتيكية إلى الواجهة، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي التي كانت تضغط في اتجاهات متعددة، تؤكد أن مصر حين تستقر داخليا، فإنها تستعيد طبيعتها التاريخية كدولة محورية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية.
ولعل الملف الفلسطيني، بكل تعقيداته التاريخية والسياسية، يقدم خير دليل على هذه المقولة حيث عادت القاهرة لتكون الراعي الأساسي لجهود التهدئة والحلول السياسية، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، أو في مساعي توحيد الصف الفلسطيني، ولم يكن ذلك مجرد استئناف لأدوار سابقة، بل كان إعادة تأسيس لمنهج جديد في التعامل مع القضية المركزية للأمة، منهج يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة التكتيكية التي تخدم المصالح الوطنية والعربية في آن واحد.
على صعيد مواز، لا يمكن بأي حال تجاهل البعد الأمني في تحولات ما بعد الثورة، وتحديدا في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف الذي اجتاح المنطقة في العقد الأخير، هنا أيضا، كانت مصر في طليعة الدول التي أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي الشامل، ليس أمنها الوطني فقط، بل أمن المنطقة كلها، والتجربة المصرية في مواجهة الجماعات المتطرفة، عبر استراتيجية متكاملة تجمع بين الجانب الأمني والعقائدي والتنموي، صارت نموذجا يحتذى به، وساهمت في بناء جبهة إقليمية متماسكة لمواجهة تهديدات كانت تهدد باجتياح المنطقة، وهذا الدور لم يكن ليتحقق لولا أن ثورة 30 يونيو أعطت أولوية مطلقة لقضية الاستقرار، وأعادت ترتيب الأولويات الوطنية والإقليمية بحيث أصبحت مكافحة الإرهاب في صميم العمل السياسي والدبلوماسي المصري.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد فتحت الثورة الباب أمام مرحلة جديدة من المشروعات التنموية الكبرى التي غيرت وجه مصر الاقتصادي، وكان لذلك بالطبع انعكاساته الإقليمية الواضحة، مصر التي تستعيد عافيتها الاقتصادية تصبح سوقا واعدة وجسرا للعبور نحو إفريقيا وأوروبا، وهو ما يخدم المنطقة بأسرها ويعزز أواصر التعاون الاقتصادي العربي المشترك، المشروعات القومية العملاقة التي انطلقت في حقبة ما بعد الثورة، من توسيع قناة السويس إلى المدن الجديدة ومشروعات الطاقة والبنية التحتية، لم تكن مجرد طموحات محلية، بل كانت إعادة تعريف لمكانة مصر كنقطة التقاء حيوية بين الشرق والغرب، وهو ما يعود بالنفع على كل دول الجوار والإقليم.
غير أن ما يستحق التأمل حقا، هو الأثر الأعمق للثورة على المستوى الفكري والعقائدي في المنطقة حيث كانت بمثابة محك تاريخي للأيديولوجيات السياسية التي تنافست على المشهد العربي لعقود و أثبتت عمليا، أن الشعارات المجردة، مهما كانت براقة، لا يمكنها أن تحل محل مؤسسات الدولة الفاعلة، وأن الحلم بالنهضة لا يتحقق بغياب الدولة، بل بتقويتها وتطويرها وتخليصها من أمراض الترهل والفساد، وهذا التحول الفكري قد يكون، في منظور بعيد المدى، الأكثر تأثيرا من غيره، لأنه يحدث تغييرا في بنية الوعي السياسي للأمة، ويعيد الاعتبار للعمل المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي كبديل عن الحلول الارتجالية والوعود الشعواء.
إن أهم ما حققته ثورة 30 يونيو على مستوى الشرق الأوسط هو أنها رسخت قاعدة ذهبية في الفكر السياسي العربي، وهي أن الاستقرار لا يتعارض مع التغيير، بل هو شرطه الأساسي، الثورة نفسها كانت تغييرا جذريا في المسار السياسي، لكنها كانت تغييرا من أجل الاستقرار، وليس من أجل الفوضى وهذه المعادلة المعقدة – الجمع بين روح التغيير وضرورة الاستقرار – هي ما تحتاجه المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل أزمات متراكمة وتحديات وجودية تلوح في الأفق.
خاتمة القول، وبعد أكثر من عقد من الزمان على تلك اللحظة الفارقة، يمكننا القول بكل ثقة إن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد احتجاج شعبي عابر، ولا مجرد استجابة لظرف سياسي مؤقت، بل كانت إعادة تأسيس كبرى للعقد الاجتماعي بين المصريين ودولتهم، ومن ثم إعادة تأسيس لدور مصر الإقليمي، وإعادة تشكيل للخريطة السياسية للشرق الأوسط، والمنطقة التي نراها اليوم، بين تحديات الأمن ومشروعات التنمية، وبين الصراعات التقليدية وفرص التعاون الجديدة، تحمل في طياتها بصمة تلك الثورة التي غيرت وجه المنطقة وما زالت الدروس التي قدمتها تلك التجربة الفريدة تنتظر من يقرأها بعمق، ويستخلص منها ما يعين الأمة العربية على تجاوز محنتها الراهنة، وبناء مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك