واجه الأوروبيون، وخصوصاً في ألمانيا وبولندا وتشيكيا والمجر، يوما جديدا من الحرّ الخانق الأحد، بينما تتوجه كتلة الهواء الساخن شرقا مبتعدة عن فرنسا، في حين أعلنت منظمة الصحة العالمية وفاة أكثر من 1300 شخص جراء موجة الحر.
وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس في منشور على منصة إكس" تمّ تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة إضافية منذ 21 يونيو جراء ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا".
وأضاف" يعيش حاليا مليون شخص في حرارة شديدة، وتوفي المئات وأُغلقت مدارس، وتتعرض شبكات الكهرباء لضغط شديد".
وبحسب تحليلات وكالة فرانس برس، تأثّر 191 مليون شخص على الأقلّ بحرارة أعلى من 35 درجة مئوية في فترة ما من الأحد، مع اشتداد الحرارة بشكل خاص في ألمانيا وجمهورية التشيك والمجر وبولندا.
وقال فريق" وورلد ويذر أتريبيوشن" المؤلف من علماء إن موجة الحر هذه هي الأشد على الإطلاق التي يتم تسجيلها في أوروبا، وكان من" المستحيل عمليا" حدوثها في يونيو لولا التغير المناخي.
وسُجلت درجات حرارة قياسية غير مسبوقة في ألمانيا وبولندا وجمهورية التشيك، كما حُطمت الأرقام القياسية الخاصة بشهر يونيو في كل من المملكة المتحدة وسويسرا.
وسجلت بولندا رقما قياسيا جديدا بلغ 40,5 درجة مئوية في مدينة سلوبيتسه في غرب البلاد، بحسب المعهد الوطني للأرصاد الجوية.
كما شهدت ألمانيا رقما قياسيا جديدا مع بلوغ الحرارة 41,7 درجة مئوية في كوشين، قرب الحدود البولندية، بينما حطمت جمهورية التشيك أيضا الأرقام القياسية لليوم الثاني على التوالي، مسجلة 41,9 درجة مئوية في دوكساني شمال براغ.
وفي برلين، استخدمت الشرطة خراطيم المياه مجدّدا للمساعدة في الحدّ من وطأة القيظ.
وفي فرنسا، لم يعد أي إقليم مشمول بالإنذار الأحمر، بحسب ما أعلنت هيئة الأرصاد الجوية الأحد، وذلك مع وضع 39 مقاطعة تحت الإنذار البرتقالي، بما في ذلك 19 مقاطعة بسبب مخاطر العواصف.
وبدأت السلطات الفرنسية تحصي الوفيات الإضافية التي من الممكن أن تنسب إلى القيظ التاريخي الذي يخنق البلد منذ 11 يوما.
وسجّلت عدد وفيات يزيد بحوالي ألف عن المستوى المعتاد منذ الرابع والعشرين من يونيو عندما بدأت الحرارة تتخطّى أربعين درجة مئوية.
وأشارت وكالة الصحة العامة في فرنسا إلى أن هذه الظاهرة طالت خصوصا من هم فوق الخامسة والستين (85 في المئة من الحالات)، لافتة إلى أن الوفيات في المنازل سجلت أعلى زيادة بنسبة 40 في المئة تقريبا، لا سيما في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها.
وأضافت أن عددا كبيرا من هذه الوفيات هي لأشخاص تتخطى أعمارهم 65 عاما.
وكشف فيليب جوفان رئيس قسم الطوارئ في مستشفى بومبيدو في فرنسا، إحدى أكبر المؤسسات الاستشفائية في باريس، أنه يتوقّع" حصيلة ثقيلة جدّا جدّا على الأرجح".
وقال في تصريحات لـ" فرانس إنفو"، " غدا صباحا، سيعود العمّال المنزليون ومساعدو الكبار في السنّ في منازلهم إلى العمل ويفتحون أبواب البيوت حيث سيعثرون على أشخاص في حالة سيّئة جدّا وآخرين لم يشربوا ما يكفي من المياه وآخرين يعانون من الحرّ وآخرين فارقوا الحياة".
ورجّحت وزيرة الصحة ستيفاني ريست في تصريحات لـ" بي اف ام تي في" ألا تكون" الوفيات الإضافية هي عينها على الأرجح" كتلك المسجّلة في 2003 عندما أحصيت وفاة 15 ألف شخص.
ورفض وزير الداخلية لوران نونيز الانتقادات الموجهة إليه بشأن الاستجابة، وقال" هذا ليس إخفاقا، لقد كنا مستعدين".
وتشكّل موجات الحرّ المتواترة مؤشّرا لا لبس فيه إلى التغيّر المناخي الناجم خصوصا عن حرق الوقود الأحفوري.
وقد تتفاقم موجات الحرّ بسبب" كتلة باردة" من الأطلسي حيث المياه باردة على نحو غير طبيعي في جنوب آيسلندا وغرينلاند.
وتشير دراسات إلى احتمال أن تقوم هذه الكتلة بتغيير مسار التيار النفاث في الغلاف الجوي الذي يعبر في أوروبا من الغرب إلى الشرق.
وقد تؤدّي هذه التغييرات إلى تشكّل مرتفعات ضغط فوق القارة، كما هو حال" قبّة الحرّ" راهنا.
وبفعل هذه الأحداث، " تزداد الحرارة في أوروبا بوتيرة أسرع صيفا مما هي الحال في مناطق أخرى في العالم"، بحسب ما قالت ماريلينا أولتمانز عالمة الفيزياء المتخصّصة في المحيط والمناخ والأستاذة المحاضرة في جامعة بريمين في ألمانيا.
ويؤثّر الاحترار على البحار أيضا، متسبّبا في تقلّص تنوّعها الحيوي.
وقد لاحظ غريغوري بوغران مدير الأبحاث في المعهد الوطني للأبحاث العلمية أن الكائنات التي يجمع عيّنات منها على شاطئ في شمال فرنسا باتت أصغر حجما.
وعندما تتغيّر تركيبة العوالق، فإن" كلّ مستويات" السلسلة الغذائية تتغيّر بدورها، بحسب العالم الذي أشار في تصريحاته لوكالة فرانس برس إلى أن" الأسماك التي تحبّ المياه الباردة باتت تنقرض".
وفي مقابلة مع أسبوعية" لا تريبون ديمانش"، أعرب عالم المناخ الفرنسي جان جوزيل نائب رئيس هيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة عن مخاوف من أن ينتقل المسؤولون السياسيون" إلى مسائل أخرى" مع انحسار موجة الحرّ.
وأكّد أن" الهيئة الأممية للمناخ لم تبالغ.
وما نعايشه اليوم هو ما توقّعناه منذ خمسين عاما.
ولا بدّ إذن من أن يأخذ المواطنون ما يقوله العلماء على محمل الجدّ.
فالناس يغضّون الطرف لكن الأمر خطر للغاية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك