في «لوشيسو» هناك روايات تقرأ بعين الناقد، وأخرى تقرأ بالقلب قبل العين، لأن ما تحمله من وجع يفوق حدود الحكاية، ويغدو جزءا من التجربة الإنسانية ذاتها، هكذا نقترب من «لوشيسو» بوصفها جرحا يُعاد فتحه على مهل، جرحا ينزف دما، ينزف لغة كاملة تتكثف حتى تصير أنينا طويلا.
فمنذ صفحاتها الأولى، نجد إهداء الكاتبة المثقل بوجع الوطن والغربة والخذلان، حيث تضعنا في قلب نبرة لا تتراجع، نبرة تعرف ما تقول، لكنها تتركنا للشك، وفي جدوى القول نفسه.
نجدها لا تبدأ الحكاية من حدث، إنما من شعور كثيف متخثر بأن العالم قد انكسر، وأن الكتابة ليست سوى محاولة لجمع ما تبقى من شظاياه، ولو بأصابع دامية.
تُبنى الرواية على صوت سردي يبدو للوهلة الأولى بسيطا، رجل صعلوك، مهمَّش، مسحوق، ولكن هذا الصوت سرعان ما يتحول إلى مرآة صور عاكسة لعالم كامل من التشوهات (العائلة التي تتنكر، السلطة التي تتغول وتتوحش، المدينة التي تبتلع أبناءها، والسجن الذي لا يُحاصر الجسد فقط إنما يعيد تشكيل الوعي نفسه).
إن سردها هنا يتنامى، ولا يتقدم بخطى الحروف، بل يتداعى، كذاكرة مثقوبة، أو كوعي يتشظى تحت وطأة الألم.
وهذا ما يمنح النص طابع الصدق.
نص يكتب من داخل الانهيار.
في قلب هذا الانهيار، تبرز ثنائية الفقد بوصفها المحرك الأعمق للرواية: فقد الزوجة، وفقد الابن.
نراها هنا.
لا تقدم الفقد كحدث ماض وعابر، بل حضور دائم، وكظل يرافق الشخصية في كل لحظة.
فموت الزوجة ليس نهاية بيولوجية، إنما هو اختناق رمزي داخل غرفة ضيقة، حيث يتحول الدفء نفسه إلى سبب للموت.
كذلك موت الابن، الغارق في سيل لا يُقاوم، يبدو كأنه استكمال لمصير محتوم، حيث الطبيعة نفسها تشارك في قسوة العالم.
بهذا المعنى، لا تصور الروائية سعاد الورفلي الفقد حادثة، بل تجعل منه بنية تُعيد تشكيل الذات، وتدفعها نحو حافة الجنون ومن هذه الحافة تحديدا، تنبثق واحدة من أقوى طبقات الرواية – طبقة السجن.
السجن في لوشيسو لا يرتهن لظلال المكان، بل حالة وجودية.
وامتداد طبيعي للعالم الخارجي، ولا قطيعة معه.
فما يحدث داخل الزنازين هو مجرد تكثيف لما يحدث خارجها.
انطلاقا من السلطة، العنف، الاتهامات الكيدية، الخوف، كلها عناصر لا تبدأ عند باب السجن، بل تسبقه وتستمر بعده وتتجاوزه.
حتى اللغة داخل السجن تتغير، تصبح أكثر توترا، أكثر انكسارا، لغة تحاول التنفس في هواء مختنق.
والحوار بين السجينين يمثل ذروة هذا التوتر.
فهناك تتقاطع مصائر البشر بوجوه مختلفة لكنها متشابهة في جوهرها: كلاهما ضحية منظومة لا ترى في الإنسان سوى أداة.
أحدهما متهم زورا بالقتل، والآخر متهم بالاستيلاء على أرض لا يملك منها سوى كوخ هش.
غير أن الأهم من تلك التهم هو إدراكهما، أن الحقيقة لا قيمة لها داخل هذا النظام، والاعتراف لا يحرر أحدا، والبراءة لا تنقذهما.
كل شيء معد سلفا، وكل مصير مكتوب بلغة لا يمكن محوهافي هذا السياق، تتسلل الرواية إلى نقد عميق للبنية السياسية والاجتماعية، من دون أن تسقط في المباشرة أو الشعارات.
فالكاتبة سعاد لا تكتب بيانا، إنما ترسم ملامح عالم يختنق من الداخل.
ولا تقدم الفساد كاستثناء، بل كقاعدة للنفوذ، والمال، والعلاقات، كلها تشكل شبكة محكمة، تجعل من المستحيل أن ينجو الفرد ببراءته.
حتى الحب، الذي يبدو في البداية كملاذ، يتحول إلى نقطة ضعف، وإلى مدخل للابتزاز أو الخيانة أو السقوط.
مع ذلك تبرز براعة الروائية سعاد الورفلي، حيث لا تخلو الرواية من لحظات إنسانية مرهفة، لحظات تقاوم هذا السواد الكثيف.
في حديث السجين عن حبيبته، أو في استعادة الراوي لملامح زوجته، أو في تلك التفاصيل الصغيرة (قطعة خبز، بيضات، رائحة طعام) نجد ومضات من حياة كانت ممكنة.
هذه الومضات لا تنقذ الشخصيات، لكنها تمنح النص بعدا إنسانيا عميقا، يجعلنا لا نرى الشخصيات كضحايا مجسمة، بل كبشر كانوا يحلمون، يحبون، ويخطئون.
تلعب اللغة في الرواية دورا محوريا في بناء هذا العالم، إذ تميل إلى التكثيف، وإلى التكرار أحيانا، وإلى الانفجار أحيانا أخرى.
وفيها مسحة شعرية، ولكنها شعرية مشوبة بالخشونة، فالكلمات نفسها كأنها خرجت من بيئة قاسية.
وهي لا تعرض صورها البلاغية للزينة، إنما تجعل منها أدوات لكشف الألم.
حين يشبه الراوي نفسه بالصعلوك أو بالشبح، وهي لا تفعل ذلك مجازا، بل تقدمه كتوصيف دقيق لحالته الوجودية.
كما أن الرواية تنفتح على تناصات فكرية وأدبية، تظهر في استحضار أفكار سياسية، أو اقتباسات شعرية، أو إشارات إلى نظريات.
وهذه التناصات لا تأتي كاستعراض ثقافي أو اكتظاظ معرفي، إنما كجزء من وعي الشخصية، وعي تشكّل داخل الجامعة، ثم تحطم تحت ضغط الواقع.
هنا تلتقي الرواية مع تقاليد سردية عربية وغربية اشتغلت على تفكيك العلاقة بين المثقف والسلطة، بين الفكرة والواقع، حيث يتحول الفكر أحيانا إلى عبء، أو إلى تهمة.
ومن زاوية أعمق، يمكن قراءة رواية «لوشيسو» بوصفها تأملا في معنى الحرية.
الحرية التي يهتف بها السجين أنا حر لتتحول إلى مفارقة موجعة، لأن الهتاف نفسه يستدعي القمع.
وتجسد الحرية هنا ليست حالة، بل رغبة مستحيلة، أو وهما ضروريا للاستمرار، حتى حين يخرج السجين من السجن، ولا يبدو أنه تحرر فعلا، إنما انتقل من قفص إلى آخر، من قيد مرئي إلى قيد خفي.
في النهاية، لا تقدم الرواية خلاصا واضحا، ولا تبحث عن نهاية مريحة.
قد تقدمها الكاتبة في جزء آخر.
إنها رواية تتركك في حالة قلق، وكأنها ترفض أن تمنحك راحة الفهم الكامل.
ولربما في هذا يكمن صدقها الأكبر: إنها لا تدّعي امتلاك الإجابات، إنما تكتفي بطرح الأسئلة، بأسلوب يوجع بقدر ما يكشف حقيقة الأمور.
تبقى رواية «لوشيسو» نصا يواجه القارئ، يجرّه إلى الداخل، ثم يتركه هناك، وسط العتمة، ليختبر بنفسه معنى أن تكون إنسانا في عالم لا يعترف بإنسانيتك إلا بوصفها خطأ ينبغي تصحيحه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك