يُعرَّف مسار العدالة الانتقالية للنساء بأنه مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي يُلجأ إليها في المراحل الانتقالية، وتهدف إلى كشف الحقيقة، والاعتراف العلني بالجرائم والانتهاكات التي وقعت بحق النساء، والمحاسبة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وإنصاف الضحايا، مع مراعاة الحساسية الجندرية للانتهاكات والضحايا، وضمان مشاركة النساء في مسارات العدالة الانتقالية.
في إحدى التجارب الخاصة بمسار العدالة الانتقالية للنساء، امتنعت النساء المستهدفات في برنامج لجبر الضرر في غواتيمالا عن قبض الشيكات المصروفة لهن تعويضاً عن جريمة الاغتصاب التي تعرضن لها، بسبب غياب الكرامة والسرية، إذ تمت الإشارة إلى أن سبب الاستحقاق هو كون المستفيدة من المبلغ ضحية للعنف الجنسي.
وقد امتنعت تلك النساء عن استلام تعويضاتهن خشية الوصم المجتمعي، وتغييب الخصوصية، وهدر الكرامة الشخصية.
وهو ما يعني أن غياب الحساسية الجندرية في ملفات العدالة الانتقالية قد يمنع تطبيقها، أو قد يضيف انتهاكاً جديداً إلى سجل الانتهاكات المعلنة.
إن مراعاة الاحتياجات والتجارب الخاصة ضرورة يجب الالتزام بها واحترامها، كما أن ضمان مشاركة النساء في لجان المصالحة، وعمليات بناء السلام، واختيار آليات جبر الضرر، وجندرة التعويضات المالية والعقارية والمعنوية، يجب أن يضمن السرية والكرامة.
كذلك ينبغي أن تشارك النساء في تقدير قيمة هذه التعويضات، أو في اقتراح أشكال مناسبة وحقيقية تستند إلى تجاربهن الخاصة، وإلى مصالحهن الفعلية، وإلى خصوصية البيئة والعلاقات الاجتماعية، ليس لحمايتهن من الوصمة المجتمعية فحسب، بل أيضاً لجعل هذه التعويضات ذات جدوى اقتصادية واجتماعية.
إنّ غياب الحساسية الجندرية في ملفات العدالة الانتقالية قد يمنع تطبيقها، أو قد يضيف انتهاكاً جديداً إلى سجل الانتهاكات المعلنةفعلى سبيل المثال، عندما يجري تعويض النساء عن بيوت العائلة المهدمة التي فقدت معيلها الرئيسي، يُسجَّل التعويض باسم رب الأسرة، كما هو وارد في وثائق الملكية الأصلية، وهو ما يتحول إلى عائق فعلي قد يسمح بتدخل أقارب صاحب الملكية على حساب الزوجة والأبناء بوصفهم أوصياء عليهم، أو قد يعيق المرأة قانونياً ومجتمعياً عن الاستفادة، مع عائلتها، من التعويض المالي المباشر أو غير المباشر، أو من السكن البديل بصورة مباشرة، لأنها تفتقر إلى حق الملكية والتصرف القانوني والإجرائي في آنٍ معاً.
اعتمد المغرب تجربة العدالة الانتقالية من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة.
ورغم أن هذه التجربة اتسمت بالعفو العام، وهو ما أوقع الضحايا النساء في سلسلة من المواجهات المباشرة مع المنتهكين والمغتصبين، كأن تلتقي الناجية مغتصبها في المدينة أو في مكان السكن وجهاً لوجه، فإنها شهدت، بشكل أساسي، الاعتراف بالانتهاكات، وتقديم اعتذار علني لجميع الناجيات، إلى جانب تعويضات مالية وفردية، بالإضافة إلى سلسلة من برامج الدعم الصحي والنفسي.
ويبدو أن تجربة رواندا في مسار العدالة الانتقالية كانت أكثر تقدماً، ولا سيما في ما يخص النساء، إذ جرى الاعتراف بأن العنف الجنسي والاغتصاب كانا من الأسلحة المستخدمة في عمليات الإبادة الجماعية، وجرى إنشاء محاكم خاصة لمحاكمة مرتكبي الجرائم الجنسية، إلى جانب إطلاق برامج طويلة الأمد للدعم النفسي والاجتماعي والصحي للناجيات، كما اتُّخذت خطوة مهمة جداً تمثلت في دعم الأرامل والناجيات اقتصادياً من خلال برامج مدروسة ومتوازنة وعادلة لجبر الضرر الذي لحق بهن وبعائلاتهن.
والأهم من ذلك كان تعزيز المشاركة السياسية للنساء، بدءاً من أصغر المواقع الخدمية والاقتصادية وصولاً إلى أعلى مراكز صنع القرار، حتى تجاوزت نسبة مشاركتهن في مجلس النواب 60 في المئة.
الإجراء الأكثر رمزية وتكريماً للنساء الناجيات تمثل في إنشاء برامج لحفظ ذاكرة الانتهاكات، وتوثيق سرديات النساء، وإبراز أدوارهن في المقاومة والنجاةأما في إسبانيا، التي لم تعتمد في البداية مساراً شاملاً للعدالة الانتقالية، فقد جرى لاحقاً الاعتراف بما تعرضت له النساء خلال حكم فرانكو والحرب الأهلية، وتوثيق الانتهاكات التي تعرضن لها، مثل حرمانهن من أطفالهن، والاعتقال، والتعذيب، واتخاذهن رهائن للضغط على الرجال.
لكن الإجراء الأكثر رمزية وتكريماً للنساء الناجيات تمثل في إنشاء برامج لحفظ ذاكرة الانتهاكات، وتوثيق سرديات النساء، وإبراز أدوارهن في المقاومة والنجاة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك