كبوة العنابي وعزيمة النهوضلم يكن وداع كأس العالم نهاية المسيرة بل كان جرس إنذار يعلن انطلاق مرحلة جديدة عنوانها المراجعة والمصارحة وإعادة الترتيب، فالخروج من دور المجموعات لم يكن مفاجأة فنية بقدر ما كان كشفا لواقع يحتاج معالجة جذرية لا مسكنات وقتية.
لن نبالغ في جلد الذات ولن نهرب إلى وهم التبرير فالصورة التي قدمها المنتخب القطري بعيدة عن السقف الذي رسمه الجمهور في خياله والفارق بين الطموح والميدان كان واسعا ومؤلما فالكرة ميدان لا يجامل العاطفة ولا يحفظ الأسماء الكبيرة من قانون المنافسة فإما جاهزية كاملة وإما درس قاس يفتح العقول قبل أن يفتح الملفات.
لا شك أن الاتحاد القطري لكرة القدم سيتخذ قرارات حاسمة لا تحتمل التأجيل لحظة وصول البعثة إلى الدوحة وينبغي أن تتحول الصالات المغلقة إلى ورش عمل فنية وإدارية تضع كل جزئية تحت المجهر فالسؤال الجوهري لماذا تراجعت البصمة التكتيكية تحت الضغط؟ وما أسباب الهبوط البدني في أوقات الحسم؟ ولماذا غابت الشخصية التي عرفناها في بطولات القارة؟ هذه أسئلة إجابتها في التحليل لا في الشعارات.
أما الجهاز الفني فهو مشروع قابل للتقويم فإذا ثبت أن الخطة لم تكن مناسبة أو أن الرسائل لم تصل إلى اللاعبين بالصورة المطلوبة فالحكمة تقتضي التغيير دون تردد والبحث عن عقلية تدريبية جديدة تجيد البناء على المدى الطويل لا ترقيع الأخطاء في كل استحقاق.
ومن المحاور الحاسمة أيضا ملف العناصر فلكل مرحلة رجالها والقادم يتطلب ضخ دماء شابة طموحة لا تخشى التجربة ولا ترتبك أمام الجماهير فأكاديمية أسباير وغيرها من مشاريع الرعاية لم توجد لتكون أرشيفا بل لتكون مصنعا للنجوم الذين يرتقون باللعبة.
إن الاستحقاق القادم لا يمنح الرفاهية والانتظار فخليجي 27 وكأس آسيا وتصفيات المونديال المقبل وغيرها من البطولات كلها محطات يجب استثمارها لصناعة منتخب يملك هوية واضحة وأسلوبا ثابتا وشخصية لا تهتز فالهدف ليس الحضور المشرف بل المنافسة على المراكز الأولى.
ما حدث ليس سقوطا نهائيا بل كبوة جواد أصيل والكبوة لا تخرج إلا فرسانا أشد بأسا وأكثر خبرة فمن تعلم من أخطائه صعد سلم المجد أسرع ممن لم يسقط يوما.
ختاما إن الجماهير القطرية لا تطالب بمعجزات بين ليلة وضحاها بل تطالب بخارطة طريق واضحة وعمل مؤسسي وصدق مع النفس فالعنابي يمثل دولة استضافت العالم وأدهشته بالتنظيم واليوم آن الأوان أن يبهره بالأداء.
العنابي يستحق أكثر وقطر تستحق منتخبا يعكس طموحها ويترجم رؤيتها إلى انتصارات تليق باسمها ومكانتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك