حضارة قُرطبة لا تقلّ مملكة قرطبة أهمية في مظاهر رقيّها وحضارتها وإنجازاتها وابتكاراتها عن غيرها من الحضارات البشرية الشهيرة، فما زالت قرطبة تعرف بالمعالم التي رفعت ألويتها حضارةُ الإسلام في الأندلس.
فعلى سبيل المثال، هناك: قَنْطرةُ قرطبة التي تعدّ من المعالم المهمَّة في قرطبة، وتقع على نهر الوادي الكبير، وقد عُرفت باسم: (الجِسْر)، وهناك: (قنطرة الدَّهْر)، التي كان طولُها يقرب من أربعمئة مترٍ تقريبًا، وعرضُها أربعين مترًا، وارتفاعها ثلاثين مترًا.
وقد قال فيها ابن الوردي والإدريسي: إنها «القنطرة التي عَلَتِ القناطرَ فَخْرًا في بنائها وإتقانها».
وتروي المصادر التاريخية أن بانيها هو «السَمْح بن مالك الخولاني الذي كان والي الأندلس من قِبَل عمر بن عبد العزيز، أي في وقت لم يكن الناس فيه يعرفون من وسائل الانتقال إلا الخيل والبغال والحمير، ولم تكن وسائل البناء وأساليبه على المستوى المتطور حينئذٍ؛ ما يجعل هذه القنطرة بهذا الشكل واحدة من مفاخر الحضارة الإسلامية».
كذلك، لا يمكننا الحديث عن عظمة قرطبة من دون ذِكْرِ (مسجد قرطبة) الذي يعدّ مِن أهمِّ معالمِ قرطبةَ وآثارها الباقية إلى اليوم، وقد كان أشهر مسجد بالأندلس، بناه عبد الرحمن الداخل سنة سبعين ومئة للهجرة.
ويقول العالِم محمد بن عبد المنعم الحِمْيَرِيّ في وصفه: «وفيها الجامع المشهورُ أمرُه، الشائعُ ذكرُه، من أَجَلِّ مساجد الدنيا مساحةً، وإحكامَ صنعة، وجمالَ هيئة، وإتقانَ بنية».
ولهذا الجامع قِبْلَةٌ يعجز الواصفون عن وصفها، وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها، وفيها من الفسيفساء المُذَهَّب والبِلَّوْر مما بعثَ به صاحب القسطنطينية العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله.
وقد وصفه ابن الورديّ المسجد في كتابه (خَريدة العجائب وفَريدة الغرائب).
بقوله: «وقد كانت ساحته تملؤها أشجار البرتقال والرمان؛ ليأكل منها الجائعون والقادمون إلى المدينَة من شتى البقاع».
وفي قرطبة يقول الشاعر ابن عطية: بأربعٍ فاقَتِ الأَمصار قرطبةٌ.
وهُنَّ قَنْطرةُ الوادي وجامعُها هاتان ثِنتان، والزهراءُ ثالثـــــة.
والعلمُ أكبر شيءٍ وهو رابعُها.
إن حضارة المسلمين في قرطبة من أعظم الحضارات التي أثّرت في التاريخ، بفضل ما قدّمته من علوم وآداب واكتشافات واختراعات ومنجزات، في جوانب الحياة جميعًا، وما تزال الإنسانية مدينة لحضارة قرطبة تحديدًا بفضل تصديرها أسس حياة أفضل إلى الأجيال التي تَلَتْها، وبفضل تأثيرها الواضح في الحضارة الحديثة، وتحديدًا في حضارة أوروبا.
@zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك