رويترز العربية - مسؤول أمريكي: إيران وأمريكا اتفقتا على وقف الهجمات واستئناف المحادثات وكالة سبوتنيك - "حزب الله": نحتفظ بحقنا الكامل في الدفاع عن وطننا روسيا اليوم - القنصل الروسي في هيوستن: أوكرانيون في الولايات المتحدة يهتمون بالجنسية الروسية قناة الغد - الفلبين تتصدر العالم في الإقبال على الطاقة الشمسية روسيا اليوم - جدل واسع بعد اعتراف نجل الشاه المخلوع عن زيارة كانت سببا أساسيا في الحرب على إيران العربي الجديد - هل ينقذ ارتفاع الأسعار صناعة الدواجن في مصر؟ CNN بالعربية - "أتحمل المسؤولية كاملة".. استقالة رئيس اتحاد الكرة السعودي بعد إقصاء المونديال القدس العربي - أمريكا وإيران تعتزمان وقف الضربات مع استئناف المحادثات الفنية الجزيرة نت - اتفاق مبدئي بين سان جيرمان والنجم الإيفواري ديوماندي قناة التليفزيون العربي - حزب الله يصدر بيانا ردا على قصف الاحتلال قضاء صور جنوبي لبنان
عامة

قانون فيرغسون... العتبة المالية لنهاية الإمبراطورية

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

يبدو التخبّط الأميركي في الحرب الأخيرة على إيران أوضح من ألا تراه العين، لكنه ليس ابناً مفاجئاً للحظة استثنائية، ولا مجرد عَرض لسوء إدارة عابر أو جهل وعشوائية الإدارة الأميركية تحت قيادة دونالد ترامب،...

يبدو التخبّط الأميركي في الحرب الأخيرة على إيران أوضح من ألا تراه العين، لكنه ليس ابناً مفاجئاً للحظة استثنائية، ولا مجرد عَرض لسوء إدارة عابر أو جهل وعشوائية الإدارة الأميركية تحت قيادة دونالد ترامب، بل للأمر مقدمات موضوعية تعكس اتجاهات تاريخية وتحوّلات استراتيجية في توازنات القوى الدولية.

والأهم محلياً، تغيّرات هيكلية في ديناميات إنتاج وعمل القوة الأميركية نفسها، كأساس لوجود واستمرار إمبراطورية الأنغلوساكسون الثانية.

فكسابقتها، إمبراطورية الأنغلوساكسون الأولى، بريطانيا العُظمى، وككل الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ، تصعد على دَرَج القوة الاقتصادية والتكنولوجية، ثم تتردّى على سفوح التأزّم المالي والترهّل المؤسسي، بالتزامن مع تقلّص فجوة القوة النسبية بينها وبين الخصوم؛ فترتفع تكاليف حماية الوضع الإمبراطوري لتكون أكبر بكثير -حجماً ووتيرة- من عوائده، لتبدأ باستشعار التهديد والتخبط في حالة الرمال المتحرّكة لتراجع الهيمنة، التي تناولناها في مقال سابق، كحالة لا تفعل فيها مقاومة التراجع شيئاً سوى تعزيزه ومُفاقمته.

في هذا السياق، تمثّل عتبة فيرغسون نقطة كمّية ناصعة الوضوح تتحدّد بها لحظة التحوّل المالي لبداية انهيار القوة الإمبراطورية.

وهي فكرة طوّرها المؤرخ والجيواقتصادي البريطاني نيال فيرغسون (Niall Ferguson) على أساس من توليف بين نظريات تعقّد الأنظمة ونظرية جوزيف تاينتر (Joseph Tainter) في العوائد المُتناقصة للتعقيد، مع تطبيقها على ضوء التاريخ المُقارن للإمبراطوريات، ما أثبت قدراً من الانطباق على كل من الإمبراطورية الرومانية الغربية والإمبراطورية الإسبانية والعثمانية وصولاً إلى الإمبراطوريتين البريطانية والسوفييتية.

والعتبة هنا ليست سوى تكثيف للمفهوم والتصوّر الأوسع الذي حاول فيرغسون تقديمه لديناميات انهيار الإمبراطوريات، خصوصاً أنها تتجسّد في لحظة أو نقطة كمّية معيارية قابلة للتحديد المالي والزمني الدقيق، حيث تتحدّد باللحظة التي تتجاوز فيها مدفوعات الفائدة على الدين العام ميزانية الإنفاق العسكري، والتي عندها لا تضعف فقط إمكانات التوسّع العسكري، أو تزداد صعوبته على الأقل، بل تصبح الإمبراطورية في وضع يائس مالياً تسدّد فيه تكاليف هيمنة الماضي على حساب متطلّبات هيمنة المُستقبل؛ بما يضع تلك الهيمنة على مسار التراجع الجيوسياسي الحتمي، خصوصاً أن فوائد الدين إنفاق حتمي للحفاظ على السمعة المالية للدولة والاستقرار الاقتصادي للبلد، بينما الإنفاق العسكري اختياري يرجُح الميل والاضطرار إلى تجميده أو تقليصه استجابة للضغوط المالية.

وهو ما يؤدي إلى التردّي إلى حالة من الوهن العسكري التدريجي، في الأجل القصير بتقليل القوات، وخفض الذخائر، وعدم انتظام الصيانة، وفي الأجل الطويل بتباطؤ برامج التحديث، وانخفاض وتيرة الابتكار والتطوير التكنولوجي؛ ما يقوّض بمجموعه الجاهزية للحروب الكبرى المُستقبلية.

لكن العامل الأخطر الذي يُفاقم المُعضلة، ضمن المفهوم الأوسع من عتبة فيرغسون المالية المذكورة، هو تراجع العوائد الحدّية للهيمنة نفسها؛ بتقلّص الفوائد الاقتصادية التي تعود على الإمبراطورية من هيمنتها العالمية، بأن تصبح الهيمنة نفسها أقل ربحية، الأمر الذي لا ينعكس عليها بتفاقم الضعف النسبي فحسب، بل يبدأ في ضغطها داخلياً بشكل يبدأ بإثارة الاضطرابات والصراعات بين القوى الاجتماعية، بما فيها داخل النخبة المهيمنة سياسياً واقتصادياً؛ نتيجة تراجع الكعكة القابلة للتوزيع.

في المقابل، ولتزداد الأمور تعقيداً، تصبح الهيمنة أكثر تكلفة بصعود وزيادة قوة ونفوذ المنافسين والمناهضين الجدد، الذين يدركون بشكل مُتزايد تدهور قوة الإمبراطورية، وتراجع قدرتها على تمويل آلتها وتحرّكاتها العسكرية؛ ما يُزيد حدّة ومستوى التحدي والمقاومة الصريحة والضمنية، ويُزيد معها بالتبعية أعباء ومتطلّبات الهيمنة؛ ما يخفض المردودية الحدّية لتمويلها، فيصبح كل دولار جديد يُنفق لحماية الوضع الإمبراطوري أقل كفاءة من سابقه؛ ومن ثم ترتفع الأعباء الإجمالية لإدامة الهيمنة بشكل دراماتيكي.

فليس الاندفاع الشخصي لترامب أو مجرد جشع المُجمّع العسكري الصناعي الأميركي ما يقف حصراً وراء خطط" رد الفعل" الحالية برفع الإنفاق العسكري الأميركي، الأعلى عالمياً بفارق هائل عما سواه بالفعل، بنسبة هائلة تتجاوز 40% تقريباً في عام واحد، بل للأمر دوافع موضوعية من منظور إمبراطورية متشبّثة بهيمنتها العالمية؛ كونها لم تفهم حتى الآن الدرس التاريخي الذي لم يسبق أن فهمه، أو بالأحرى تقبّله غرور وعناد البشر، وربما أيضاً خشية ما أشار إليه فيرغسون نفسه من أن أي خفض لإنفاقها الدفاعي في ظل نظام دولي يزداد فوضوية يمكن أن يكون إشارة إلى عدم قدرتها أو استعدادها للحفاظ على مواقعها؛ بما يقلّل تكلفة العدوان على مصالحها ويُزيد مكاسبهم المُحتملة.

الولايات المتحدة في قبضة قانون فيرغسون وقد عبرت الولايات المتحدة عتبة فيرغسون فعلياً لأول مرة منذ عامين، كما أشار فيرغسون نفسه في ورقة مدعومة من مكتب الموازنة بالكونغرس الأميركي، حيث بلغت فوائد الديون 881 مليار دولار مقابل إنفاق عسكري بمقدار 850 مليار عام 2024، ثم ارتفعت الأولى إلى 970 مليار دولار، مقابل ارتفاع الثاني إلى 893 مليار دولار عام 2025، بما يعني اتساع الفارق بينهما من 3.

6% إلى 8.

6%، أي بأكثر من الضعف، خلال عام واحد.

وعلى المدى الزمني الأطوال، يتوقّع مكتب الموازنة، بافتراض بقاء الإنفاق الدفاعي الأميركي عند متوسط الفترة (2014-2023) البالغ 48% من الإنفاق التقديري (الإنفاق غير التلقائي الذي يستلزم موافقة الكونغرس)، أن يصل صافي مدفوعات فوائد الدين إلى 4.

9% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يُقارب ضعف ميزانية الدفاع البالغة 2.

5% منه عام 2049.

يعكس هذا الانقلاب الحاد في الوضع المالي-العسكري للولايات المتحدة، فعلى سبيل المقارنة، لم يزد متوسط مدفوعات الفائدة على الديون الأميركية طوال الفترة من أزمة الصواريخ الكوبية حتى سقوط جدار برلين عن 1.

8% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فيما كان يصل متوسط الإنفاق العسكري إلى 6.

4% منه، بفارق إيجابي للأخير يصل إلى ثلاث مرات ونصف المرة.

هذا التسارع السلبي لم يظهر فجأة أو اعتباطاً، بل بدأ بوتيرة عنيفة منذ أواخر عام 2021 كامتداد لارتفاع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخّمية بعد أزمة كورونا، لكنه ما كان ليأخذ هذا المنحى الحاد لولا القاعدة التراكمية الثقيلة لرصيد إجمالي الدين العام الأميركي الذي تجاوز 39 تريليون دولار في مارس/آذار الماضي، ارتفاعاً من 37 تريليوناً في أغسطس/آب 2025، وبما وصل إلى أكثر من 123% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، المُتضخِّم بشكل مُصطنَع أصلاً، بشكل يجمّل الصورة ويجعلها أفضل من الواقع، لكنه ليس موضوعنا على أي حال.

يهدّد هذا التفاقم المُزدوج المُتسارع في حجم الدين وخدمته بالغرق في دورة مديونية خبيثة، حيث يؤدي التدهور المالي إلى إضعاف ثقة المستثمرين والمُقرضِين في الأصول الأميركية؛ بما يخفض أسعار السندات ويرفع أسعار الفائدة؛ مُضخّماً بالتبعية أعباء خدمة الدين على حساب بقية الحيّز المالي؛ ما يمكن أن يُدخل الولايات المتحدة في حلقة مُفرغة من الغرق المالي، خصوصاً إذا تجاوز سعر الفائدة الحقيقي معدل نمو الاقتصاد.

ويبدو أن هناك بوادر لذلك بالفعل، فبينما نما الناتج المحلي الإجمالي بحوالي سبعة تريليونات دولار خلال الخمسة أعوام الأخيرة، نما الدين الأميركي بتسعة تريليونات دولار تقريباً خلال الفترة نفسها.

وخلال هذه الأعوام الخمسة لم تنخفض نسبة الدين العام عن 118% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله وضعاً يوشك أن يكون هيكلياً مُزمناً، لا مجرد أزمة عابرة أو مؤقتة.

ومما يعمّق صعوبة الوضع، من الوجهة النقدية التمويلية، هو قِصَر المتوسط العام لآجال مكوّنات الدين الأميركي (حوالي 70 شهراً)؛ ما يُزيد من حساسيته لأي ارتفاع في أسعار الفائدة، بما يفسّر القفزة في حجمه وخدمته في الأعوام الأخيرة.

كذا، من الوجهة المالية الإنفاقية، تعاني أميركا شيخوخة سكانية تُفاقم من ضغوط أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية؛ ما يُضعف إمكانات خفض الإنفاق على البنود غير الدفاعية.

الولايات المتحدة بين المأزق والخصوصية ربما لم يعد الحديث عن مأزق الهيمنة الأميركية جديداً، لكن مع الاصطدام بعتبة تمويلية مُحدّدة كمّياً بهذه الصرامة، ترتقى القناعة ببداية نهاية الإمبراطورية من نطاق التكهّنات العامة والترجيحات الشخصية إلى مستوى الأرقام الصريحة الصلبة التي لا تحتمل التأويل، ثم جاءت إخفاقات الأداء العسكري الأميركي وضعف المخزونات وانكشاف أنظمة الدفاع وغيره في الحرب الأخيرة على إيران لتبرز ما يصفه المحلّلون والمؤرخون بلحظة الإدراك الإمبراطوري، التي تُفاجأ فيها القوة العُظمى بضعف غير مُتوقّع في قبضتها الإمبراطورية التي اعتادت أن تضرب فتسحق.

وفي هذا السياق، يشبّه المراقبون أزمة مضيق هُرمز الحالية بالنسبة للإمبراطورية الأميركية بأزمة قناة السويس بالنسبة للإمبراطورية البريطانية؛ باعتبارها لحظات كسر الإرادة الإمبراطورية، ووضعها في مواجهة لحظة الحقيقة بأنها لم تعد قادرة على حسم الأمور، وتوجيه العالم كقائد مُنفرِد يأمر فيُطَاع.

مع ذلك، لا يزال لدى الولايات المتحدة هامش مناورة واسعاً بفضل ما تمتلكه من مرونة كبيرة، وأدوات عديدة لتمويل أعبائها؛ بفضل المكانة الاستثنائية لدولارها، كعملة السيولة الدولية التي لم تخسر موقعها بعد، وهيمنتها بمؤسساتها ووسائطها على أغلب أسواق المال والنقد والائتمان، فضلاً عن محلية الجزء الأكبر من دينها العام، أي كونه ديناً لمواطنين أميركيين، وليس لدول أخرى أو كيانات أجنبية.

وإن كان لا يستثنيها ذلك قطعاً، خصوصاً مع ضخامة الدين وضيق الحيّز المالي، من حتمية تبنّي حلول مالية صعبة لا تخلو من التكلفة الاقتصادية والخسارة السياسية، تتراوح ما بين الإصلاح المالي بتحقيق فائض أوّلي في الموازنة والقمع المالي، بخفض عبء الدين وخدمته عبر ضريبة التضخّم.

وذلك بالطبع إلى جانب الحل الهيكلي الأساسي، الأكفأ لكن الأصعب، وهو تحقيق معدلات نمو كلّي للناتج المحلي الإجمالي تتجاوز معدل الفائدة الحقيقي لفترة كافية لاستعادة الاستدامة المالية وثقة الأسواق والمستثمرين؛ الشيء الذي يستلزم ما وصفه فيرغسون نفسه بأنه" معجزة إنتاجية"، علّق آمالها على نجاح الذكاء الاصطناعي في التحوّل لقوة إنتاجية تحويلية حقيقية تُعيد للاقتصاد الأميركي الحيوية وتعطيه دفعة نمو جديدة؛ ما يفسّر جانباً من الاهتمام الأميركي الهائل به باعتباره مُنقذه الأخير على الأرجح.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك