أينما حلّت ميديا بنجامين تلقى استقبالاً غير عادي.
أحد الأسباب الرئيسية لهذه الحفاوة، أنها على قائمة خصوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأنصاره بسبب مناهضتها للحروب الأميركية وإسرائيل، وتأييدها لفلسطين في الولايات المتحدة.
في ذروة تجهيز الولايات المتحدة وبريطانيا للحرب على العراق وغزوه عام 2003، أنشأت بنجامين وعدد من أصدقائها منظمة" كود بينك" لتنظيم حركة المعارضة للحرب.
واختاروا هذا الاسم سخرية من نظام التأهب الأمني لمواجهة الإرهاب الذي كان يستخدم الألوان لتحديد مستوى التهديد.
وعندما بدأت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدأ فصل جديد في ملاحقة السلطات الأميركية لبنجامين ومنظمتها وأعضائها.
فهي ترى أنه لم تكن لتفعل سوى مناهضة الحرب وإسرائيل، لأن لها" عينين مفتوحتين" تريان ما يحدث" ليس فقط في السنوات الثلاث الماضية"، بل لأنها" وعت ما كان يحدث منذ النكبة عام 1948".
بفضل هذا الوعي، تقول بنجامين في حديث لـ" العربي الجديد"، إنها تخلصت" من الأفكار والمفاهيم التي علّمها إياها والداها" و" رأت الواقع، وهو أن مئات ومئات الآلاف من الناس هُجروا وسُلبت ممتلكاتهم في عام 1948 مع إنشاء دولة إسرائيل".
وأحد مصادر هذا الوعي زياراتها المتكررة للضفة الغربية في فلسطين مرات عديدة.
وتتذكر أنها" رأت قمعاً لا يصدق في أماكن مثل الخليل".
أما غزة، فقد زارتها ست مرات، قبل فترة طويلة من السابع من أكتوبر 2023، يوم" طوفان الأقصى" وجرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية في القطاع، وخلال تلك الزيارات" أدركت أن هؤلاء الناس كانوا يعيشون في نوع من السجون لا يطاق"، وهذا ما جعل" قلبها مع الشعب الفلسطيني، الذي يستحق العيش في بلد حر، ويستحق حق العودة، ويستحق العيش في دولة ديمقراطية"، وفق قولها.
ميديا بنجامين: لا أريد أن يرتبط الدين اليهودي بالإبادة الجماعيةكيف ترى ميديا بنجامين، بكونها يهودية، صورة إسرائيل في العالم بعد جرائم الإبادة التي لا تزال مستمرة؟ تصف بنجامين (73 عاماً) في حديثها مع" العربي الجديد"، إسرائيل بأنها دولة" مكروهة في جميع أنحاء العالم، مكروهة مكروهة، مكروهة"، وتعلم الناشطة الأميركية أن الكراهية" كلمة قوية"، لكنها تؤكد: " أنا لا أستخدمها بخفة".
فحتى في الولايات المتحدة، تظهر استطلاعات الرأي أن الناس" لديهم نظرة أكثر إيجابية تجاه فلسطين".
وكان هذا مفاجئاً لها، فلم تكن تظن" طوال حياتها أنها سترى ذلك، بالنظر إلى الدعاية المكثفة التي نراها من ممثلينا الرسميين، وكذلك في وسائل الإعلام التابعة للشركات الكبرى" المروجة لإسرائيل.
ومن الأدلة الأخرى على الكراهية التي تلاحق إسرائيل في العالم، كما تراها بنجامين، أنه" بالنسبة إلى الإسرائيليين، أصبح من الصعب عليهم حتى قضاء العطلات حول العالم الآن".
وتشير إلى رفع" لافتات تقول: الإسرائيليون غير مرحب بهم، سواء كان ذلك في تايلاند أو في المكسيك أو كوستاريكا، وفي جميع أنحاء العالم".
وتضيف: " أفهم أن هذا يمتد ليشمل الشعب اليهودي أيضاً"، وهذا التأثير السلبي باليهود في العالم" سبب آخر يوجب عليها" معارضة السياسة الإسرائيلية" بشدة"، فهي" لا تريد أن يرتبط دينها بالإبادة الجماعية"، بحسب رأيها.
" التفاف" على الشعب الأميركيفي الآونة الأخيرة، تتزايد مؤشرات، تعكسها تصريحات علنية لترامب ونائبه جي دي فانس، عن توتر نادر في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
فهل يمكن أن نرى قريباً مراجعة واشنطن لعلاقاتها مع تل أبيب؟ تقول بنجامين: " لا أعرف ما إذا كنت سأرى ذلك في حياتي، لكنني أعلم أننا سنرى ذلك في الجيل المقبل، لأنه لا يمكن الاستمرار في سياسة تتعارض مع الأخلاق، وتتعارض مع اللياقة، وتتعارض مع الرأي العام"، وسبب هذا التوقع، أنه" لا بد لهذا الأمر أن يتغير".
وتسوق بنجامين مثالاً لما يحدث في الولايات المتحدة يوضح ما تراه" توتراً هائلاً" بين الحليفين.
ففي الوقت الحالي، " لا تحظى مسألة الاستمرار في إعطاء مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب لإسرائيل بأي شعبية".
وبسبب التراجع في تلك الشعبية، تحاول الحكومتان الإسرائيلية والأميركية" الالتفاف على الشعب الأميركي، بل وحتى على الكونغرس" لضمان أن تستمر العلاقة إلى الإبد.
دعوة إلى الحظر وتشويه للسمعةمواقف" كود بينك"، المعروفة بمناهضتها للحروب الأميركية والتربح منها ومن الصراعات العالمية ومن إسرائيل، أضافت سبباً جديداً لتعرضها لما تقول مؤسستها إنه" تضييق على مستويات عديدة مختلفة" داخل الولايات المتحدة.
أحد أوجه الملاحقات" وجود دعوة إلى حظر" المنظمة، والآخر" دعوة إلى منع منظمتنا من دخول (مبنى) الكونغرس، فضلاً عن تحقيقات تجريها وزارة الخزانة بشأن رحلة قمنا بها أخيراً إلى كوبا لأننا جلبنا مساعدات إنسانية لمستشفيات الأطفال هناك".
وكما يحدث مع حركة فلسطين في بريطانيا، هناك" أيضاً، ليس على المستوى الحكومي بل على المستوى المدني، العديد من الدعاوى القضائية التي رُفعت ضد منظمتنا، تماماً كما رُفعت دعاوى كثيرة ضد مجموعات أخرى مؤيدة لفلسطين"، وفق بنجامين.
وهذا يجعل المنظمة وأعضاءها، الذين يُقدَّر عددهم بـ100 ألف شخص معظمهم في الولايات المتحدة" محاصرين فعلاً".
وتشمل الاتهامات، التي تساق لتبرير هذا الحصار" هي أننا مُمَوّلون من قِبل الحزب الشيوعي الصيني"، وهو اتهام تقول ميديا إنه" أمر نضحك منه لسخافته"، والهدف من إثارته باستمرار في الصحف والتلفزيون" تشويه سمعة منظمتنا، والتظاهر بأننا لسنا أصواتاً حقيقية مناهضة للحرب".
بنجامين: الهدف من اتهامنا بتلقي تمويل صيني هو تشويه سمعة منظمتناوتؤكد بنجامين أن المنظمة" لا تأخذ أي أموال من أي حكومة، لأننا لا نمثل أي حكومة، على عكس الكثير من مسؤولينا المنتخبين الذين يمثلون حكومة إسرائيل"، وأن كل ما يفعله أعضاء" كود بينك" هو على نفقتهم الخاصة، وذلك" بدافع من شعورهم بالاشمئزاز من سياسات حكوماتنا، وبدافع حبّهم للشعب الفلسطيني والشعوب الأخرى حول العالم".
كانت بنجامين قد ألقت خطبة قوية أمام المؤتمر الدولي لمناهضة الحروب، الذي عقد في لندن يوم العشرين من شهر يونيو/ حزيران الحالي.
وفي خطابها فاجأت الحاضرين بإعلانها صراحة مساندة حركة" بالستاين أكشن" التي تحظرها الحكومة البريطانية بتهمة الإرهاب.
ألم يساورها خوف من أن تتهم بالإرهاب في بريطانيا؟ " هذا أمر سخيف حقاً"، تقول بنجامين، فـ" كيف يمكننا أن نطلق على أنفسنا ديمقراطيات غربية، بينما لا يمكنك القول إنك تدعم مجموعة لم تؤذ أحداً واقتصرت أفعالها على تدمير الممتلكات؟ وهو نوع تدمير الممتلكات نفسه الذي مارسته (عضوات) حركة السافرجيت عندما كنّ يقاتلن من أجل حق النساء في الاقتراع في بريطانيا خلال أوائل القرن العشرين".
وتضرب أيضاً مثالاً بـ" تدمير الممتلكات الذي أقدم عليه نيلسون مانديلا والمؤتمر الوطني الأفريقي عندما كانوا يحاولون إطاحة نظام الفصل العنصري (أبارتايد)".
شباب" بالستاين أكشن"، بنظر ميديا بنجامين، لديهم" شجاعة هائلة لفعل شيء مباشر ضد منظومات الأسلحة التي تبيد الناس في غزة، ويجب مكافأتهم على ذلك".
وتضيف أنه" ينبغي أن يحصلوا على جائزة نوبل للسلام، لا أن تصدر بحقهم أحكام سجن جائرة.
وأنا سعيدة جداً ويشرفني دعمهم".
وعن افتقاد العرب التأثير ذاته في السياسات العربية والأميركية، تسوق بنجامين أسباباً، منها الفساد وخطأ الاعتماد على الولايات المتحدة واستعداء إيران.
في السياق نفسه، تعتقد بنجامين أنه كان بوسع القادة العرب منع جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة.
فكان بإمكانهم" فعل أشياء كثيرة، لكنهم لم يفعلوا شيئاً".
ومن بين هذه الأشياء" الاجتماع معاً كعالم عربي وإعلان مقاطعة إسرائيل"، و" التكتل والقول إنهم سيقاطعون بيع النفط لأي مكان في العالم ما لم توافق تلك الدول أيضاً على التوقف عن دعم إسرائيل".
زارت بنجامين إيران من قبل.
وتقول إنها ستستقل الطائرة غداً وتذهب إليها لو تمكنت، لأنها تؤمن بأنه" يجب أن يكون هناك سلام بين الشعبين الأميركي والإيراني".
كذلك تعتقد بأنه إذا كان الشعب الإيراني يريد تغيير حكومته، " فهذا أمر يعود إليه"، و" لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتدخل في تغيير الأنظمة في الدول الأخرى".
وتستغرب كلام ترامب سابقاً عن تغيير النظام الإيراني، وتقول: " إذا كنا بحاجة إلى تغيير النظام، يجب أن نبدأ (التغيير) في بلدنا".
أطلقت" كود بينك" أول أنشطتها الاحتجاجية يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 بتنظيم اعتصام استمر أربعة أشهر أمام البيت الأبيض، تعبيراً عن رفض الحرب على أفغانستان والعراق.
ومنذ ذلك الوقت، تتابع المنظمة حملات لتأييد فلسطين، التي تصاعدت وتعددت أشكالها بعد بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وللترويج لمقاطعة إسرائيل.
وتحتل حملة مناهضة العقوبات الأميركية على إيران وفضح تأثيراتها في الشعب الإيراني مكانة متقدمة على أجندة المنظمة.
ومنذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قفزت القضية الإيرانية إلى جانب الحرب على غزة، إلى صدارة الاهتمام.
في تقييمها لنتائج الحرب، حتى الآن، تعتبر بنجامين أن" لا أحد ينتصر في الحرب لأن الناس يموتون فيها".
وهي تدرك" أنه لم يكن بمقدور الإيرانيين هزيمة الولايات المتحدة، كما لم يكن بمقدور الولايات المتحدة الفوز عسكرياً".
ومن ثم، فإن الولايات المتحدة" لم تنتصر"، و" كذلك إيران"، ذلك لأنه" عندما يُقتل هذا العدد الكبير من الناس، ويحدث كل هذا الدمار الذي تُقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات، فإن هذا لا يعد انتصاراً أيضاً".
ومع ذلك، تؤمن بأن إيران" أظهرت للعالم أنه يمكنها القتال ضد أكبر قوة عظمى، وإجبار تلك القوة العظمى على القدوم لإبرام اتفاق".
وهي لا تستطيع أن تتوقع مصير هذا الاتفاق، لكنها" تعتقد أنه درس كبير لبقية العالم يقول إن القوة العظمى يمكن إيقافها عند حدّها".
وترى أن إدارة ترامب" اضطرت" إلى وقف الحرب على إيران لثلاثة أسباب، هي" عدم الانتصار في الحرب، والضغط العالمي الهائل على الولايات المتحدة، والضغط في داخلها بشكل أكبر من الناس الذين لا يريدون دفع المزيد (من المال) لملء خزانات وقود سياراتهم بسبب أسعار النفط".
وتستغل" كود بينك" هذه الحرب، التي وصفتها بأنها" أقل الحروب الأميركية شعبية"، لبدء حملة تدعو إلى أن" يبدأ الشعب الأميركي بالتفكير في ضحايا هذه الحروب، وأن يدركوا أن كل حياة هي حياة غالية وثمينة".
وتذكِّر بنجامين بهجوم الجيش الأميركي في اليوم الأول من الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي على مدرسة الشجرة الطيبة (ميناب) الابتدائية للبنات جنوب شرقي إيران.
وتقول: " أكره أن الولايات المتحدة قتلت في اليوم الأول من الحرب 168 طفلاً.
إن مجرد التفكير في الأمر يفطر قلبي".
فكل طفل قُتل في مدرسة الميناب" هو طفل غالٍ، وعائلاتهم ستتألم للأبد بسبب فقدان تلك الأرواح".
وهذه المجزرة أحد الأمثلة التي تستخدمها حملة توعية الأميركيين بأنه" لو كنا قد بدأنا في الاهتمام بالآخرين، لكانت لدينا سياسة أفضل بكثير، ولكان لدينا عالم أفضل بكثير".
وإحدى وسائل حملة التوعية هي" التضامن العالمي" لمناهضة الحروب.
وكان هذا أحد أسباب زيارة بنجامين للندن الأسبوع الماضي، للمشاركة في مؤتمر دولي تاريخي ضد الحرب عموماً، وليس الحرب على إيران فقط.
فهي ترى أنه" بما أن غالبية سكان العالم يتأثرون بهذه الحرب، فلا بد من إيجاد وسيلة لإيصال أصواتنا والقيام بمزيد من التحركات الجماعية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك