يمثّل الفكر السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم ركيزةً استراتيجية تُبنى عليها الرؤى والسياسات في سلطنة عُمان، ومرجعًا وطنيًا حاسمًا في التعامل مع القضايا المجتمعية، ولا سيما التربوية والتعليمية المستجدة، بما في ذلك ما يمسّ النشء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويجسّد هذا التوجه أولوية راسخة في العهد المتجدّد، قوامها تعزيز حماية الطفل العُماني وترسيخها في صدارة مسارات التنمية الوطنية، مع إيلاء اهتمام متقدم للمجال التقني بوصفه أحد أهم محركات الحياة المعاصرة.
ويأتي ذلك في ظل التحول الرقمي المتسارع، واتساع حضور المنصات الإلكترونية وتشابكها مع مختلف الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والتجارية والخدمية، إضافة إلى اعتمادها المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته المتقدمة.
وقد أصبحت منصات التواصل الرقمي جزءًا مهمًا من حياة الأطفال في العصر الحديث؛ فهي لم تعد وسيلة للترفيه فحسب، بل أصبحت مصدرًا للتعلم، والتواصل، واكتساب المهارات.
ومع ذلك، فإن الاستخدام غير المنظم وغير المقنن لهذه المنصات قد يترتب عليه عدد من الآثار السلبية التي تستدعي المتابعة والرقابة والتوجيه.
إذ قد يتعرض الطفل لمخاطر تمس سلامته النفسية والاجتماعية والسلوكية، ومن أبرزها الإدمان الرقمي الناتج عن الإفراط في استخدام الأجهزة والتطبيقات، وما قد ينجم عنه من اضطرابات في النوم، وضعف في القدرة على التركيز، وتراجع في مستوى التحصيل الدراسي.
كما قد يواجه الطفل محتوى غير مناسب، مثل المحتوى العنيف أو الإباحي، أو أفكارًا دينية وسلوكية تتعارض مع ما نشأ عليه داخل أسرته ومجتمعه.
وإلى جانب ذلك، تبرز مخاطر التنمر الإلكتروني، والاستدراج من قبل جهات مجهولة، إضافة إلى الاحتيال والابتزاز، خصوصًا عند مشاركة أو تسريب معلومات شخصية دون وعي كافٍ بعواقب ذلك.
إن مراقبة تأثير منصات التواصل الرقمي على الأطفال ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والخاصة المعنية بقطاعات الاتصالات، والإعلام، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والجهات الأمنية والقضائية، ووزارات الصحة والتعليم، والتنمية الاجتماعية إضافة إلى المنصات الرقمية نفسها.
كما لا ينبغي إغفال مسؤولية أولياء الأمور، والمستخدمين البالغين، والمستثمرين في المجال الرقمي، وضرورة استشعارهم لما قد يترتب على هذه المنصات من أضرار تمس الأطفال والمجتمع.
إن تطبيق التوجيهات السامية لجلالة السُّلطان المعظم المتعلقة بتقييم وتشخيص استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، ووضع الضوابط والآليات المنظمة لهذا الاستخدام، من شأنه أن يسهم في حماية النشء وتعزيز الاستخدام الآمن للتقنية.
ويتطلب ذلك النظر إلى المؤسسات التربوية بوصفها جزءًا من منظومة متكاملة تضم الأسرة، والمسجد، والأندية، وجمعيات المرأة العُمانية، وغيرها من المؤسسات المجتمعية التي تؤدي دورًا أساسيًا في التنشئة الاجتماعية وترسيخ القيم التربوية.
كما أن لهذه الجهات جهودًا ملموسة قائمة، وينتظر منها دور أكبر في المستقبل لتعزيز الوعي المجتمعي وحماية الأطفال من مخاطر المنصات الرقمية.
وتضطلع المؤسسات التعليمية، وفي مقدمتها المدارس، بدور جوهري من خلال السياسات التعليمية، والمناهج الدراسية، وبرامج تقنية المعلومات، وما توفره من معارف ومهارات تساعد الطلبة على التعامل الواعي مع البيئة الرقمية.
ومن المهم تطوير هذا الدور بما يتماشى مع التحولات الرقمية المتسارعة، بحيث لا يقتصر التعليم التقني على مهارات الاستخدام، بل يمتد إلى غرس الوعي بالمسؤولية الرقمية، وحماية الخصوصية، والتحقق من المحتوى، والتعامل الآمن مع المنصات الإلكترونية.
وفي السياق ذاته، تسهم مؤسسات التعليم العالي من خلال ما تجريه من أبحاث ودراسات حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمجتمع، وما تقدمه من نتائج وتوصيات تعمق الفهم العلمي لهذه الظاهرة.
كما تقوم مراكز الأمن السيبراني في بعض الجامعات بدور توعوي مهم في تعزيز الاستخدام الآمن لمنصات التواصل الرقمي.
ويمتد هذا التشخيص ليشمل مزودي خدمات الاتصالات، بما يمتلكونه من إمكانات تقنية وبيانات تساعد في تحليل أنماط الاستخدام، ورصد المحتوى غير الملائم، وفرز مدى مناسبته للفئات العمرية المختلفة.
كما يمكن أن يكون لهم دور فاعل في دعم أدوات الرقابة الأبوية، وتحسين آليات الحماية، والتعاون مع الجهات المختصة لتنظيم المحتوى الرقمي بما يحقق التوازن بين الاستفادة من التقنية والحد من مخاطرها.
إن التكامل المؤسسي بين هذه الجهات يعزّز القدرة على تحديد الجوانب الإيجابية في منصات التواصل الرقمي ودعمها، وفي الوقت نفسه يساعد على كشف الجوانب السلبية التي تتطلب المعالجة والحد من آثارها.
وعليه؛ فإن بناء رؤية استراتيجية مشتركة تقوم على التنسيق بين مختلف الجهات ذات العلاقة داخل سلطنة عُمان وخارجها يمثل خطوة أساسية لتحقيق الأهداف المرجوة، وضمان حماية الأطفال، وتمكينهم من استخدام التقنية بصورة آمنة وواعية ومسؤولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك