بعد الأشهر التي أمضاها الرسام الرومانسي الفرنسي أوجين ديلاكروا، متنقلاً بين أوائل عام 1832، في عديد من مناطق المغرب في تلك الرحلة الشهيرة، التي قام بها في تلك المنطقة من العالم، عاد إلى باريس، في الـ20 من يوليو (تموز) من العام نفسه بصحبة صديقه الكونت مورناي رفيقه في الرحلة وداعيه إليها، وهو ما إن عاد حتى سارع قبل أي شيء آخر إلى استئناف ما كان قطعه لدواعي السفر ومشقاته، أي تدوين يومياته التي ستشكل في حد ذاتها عملاً فنياً لافتاً كما سبق أن ذكرنا قبل فترة في هذا المكان نفسه.
لكن اللافت أكثر من ذلك أن أول ما دونه في تلك اليوميات الباريسية الجديدة كان" ها هي باريس تشعرني بأعتى آيات الضجر: فيها يبدو لي البشر والأشياء الأخرى مختلفين تماماً عما كنت أحسه خلال سفري".
وها هو يعطينا واحداً من الأسباب الأولى التي تثير لديه كل ذلك الضجر الذي يستشعره في مدينته اليوم، " فأنا بعد أن اعتدت على ارتداء الثياب الواسعة المريحة كما يرتديها المغاربة، ها أنا أحس ضيق الملابس التي نشتريها هنا وضيق الأحذية والمشدات السخيفة التي تحصرنا حصراً.
كلها تجعلنا نبدو مثيرين للشفقة".
والحقيقة أن بداية الكلام الجديد لديلاكروا ليست أهم ما فيه، لأن الرسام إنما عاد من تلك الرحلة بانطباعات وتأثيرات ستبقى على تفاعل مع ما سيعيشه طوال ما تبقى من حياته.
بالنسبة إليه، والمعنى الحرفي للكلمة، كانت رحلته المغربية أغنى رحلة قام بها في حياته، لقد غيرته تماماً وعلى الصعد كافة، وأحدثت حتى في فنه ونظرته إلى الفن، تأثيرات ندر أن تمكنت رحلة أخرى من إحداثها لدى أي فنان سواه.
انزياحات جغرافية والحقيقة أن ديلاكروا نفسه لن يتعمق في هذا البعد الأخير، لكنه سيجد عشرات المؤرخين والنقاد وكاتبي السير يمعنون في التفاصيل، ومنها على سبيل المثال تلك الاستعارات الهائلة حيث تحل أسوار مدينة مكناس التي أثارت إعجابه، ولكن بعدما أحدث فيها بعض التبديلات الطفيفة، فتحل محل جدران القصر الاسكتلندي في رسومه التي سيحققها لرواية" إيفانهو" من كتابة والتر سكوت في الفصل المخصص لاختطاف ريبيكا.
وهو، على سبيل المثال أيضاً، يحل جبال الأطلس المغربية التي سحرته مكان جبال فلسطين واليونان في رسوم تتعلق بتلك الجبال.
إلى ذلك لن يعدم الباحثون عن العثور على الجذور العميقة للوحاته الرائعة التي تصور معارك الأسود والنمور والجياد، ولكن كذلك حياة اللامبالاة التي يعيشها تجار المغرب ومقاتلوه، غير عابئين بشيء، إن لم يكن في الرسوم التمهيدية التي حققها في المغرب لكي يعود لاحقاً ويحولها لوحات ضخمة في محترفه الباريسي، ففي الأقل، في نصوص كتبها مزينة بخطوط وألوان وما شابه ذلك.
ولعل اللافت هنا أن المزج لدى ديلاكروا بين الأماكن والمستويات من الجغرافيا المغربية التي عاشها بالفعل، وبين أماكن المواضيع المنتمية إلى جغرافيا أخرى، كان من الصعب إدراكه حتى على أعتى المتخصصين.
لقد بدا وكأن ديلاكروا يريد أن يؤكد أن العالم واحد.
وحسبنا أن نصف ذلك الجزء منه الذي نعرفه وعايشناه حقاً، حتى نكون قد وصفناه كله، بالتالي فها هو المغرب يقوم بالنسبة إليه مقام العالم كله.
عالم متكامل إن ما عاشه ديلاكروا وعايشه في المغرب، يمثل الآن في لوحاته مهما كانت تلك اللوحات بعيدة في مواضيعها من المغرب، والغريب في الأمر أن الفنان ندر أن رسم في لوحاته التالية مناطق أو أناساً لم يتعرف إليهم عيانياً.
وتشهد على ذلك، على سبيل المثال أيضاً لوحته" نساء الجزائر" التي إنما رسم فيها مشهداً سيقول لنا بنفسه إنه شهده بأم عينيه، إذ دُعي إليه من قبل أصحاب المكان أنفسهم.
بيد أن هذه المواضيع وتلك الاستعارات التي أعطت ديلاكروا إحساساً جميلاً بعالم واحد، لم تكن كل شيء عاد به الرسام من المغرب أو لنقل من الشمال الأفريقي، فهناك أيضاً ذلك الإحساس الجديد بالألوان.
وملاحظته الأولى في هذا المجال تتعلق بتلك" الشمس الشيطانية" التي أغنت ملونته وقادته إلى" محاولات جديدة في اختبار ألوان أكثر حدة" من ألوانه السابقة بكثير، بل إنه سوف لا يتردد في أن يخبرنا بأن" الدروس السابقة التي كنت قد تعلمتها، لونياً ومشهدياً، من فيرونيزي، باتت أكثر رسوخاً لدي في ما كنت أتمشى في شوارع طنجة وأزقتها، حيث لاحظت كما لو أن الأشياء الملونة تلقي على ما حولها ظلالاً ذات ألوان متكاملة.
ببساطة بدت لي الأشياء الملونة وكأنها إذ تتجاور مع بعضها البعض، تتخذ أشكال وأصوات أوتار آلة الهارب الموسيقية".
ولن تكون ألوانه فقط هي التي اصطبغت بتلك المشاعر بالغة الحساسية، بل كانت هناك أيضاً تكوينات لوحاته، حيث" تحت تأثير الكتل الصلبة والخطوط المستقيمة التي تميز الهندسة العربية هناك، بدا للرسام، بحسب دارسيه، أن المغرب انطلاقاً من تلك النظرة يفتح الطريق واسعاً أمام الفنون اللاحقة التي سيأتي بها رسامو المستقبل"، ولكن ربما مهندسو عمرانه أيضاً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)قبل المغرب وبعده ومهما يكن من أمر، لا شك في أن دارسي فن ديلاكروا كانوا ويبقون دائماً على حق في قولهم إن من بين كل الكنوز التي عاد بها الفنان من تلك الرحلة المغربية، كنز أساس لا يمكن اختصاره في كونه كنزاً واضح العالم محدد السمات، بل في كونه مرتبطاً بكون الفنان قد رأى في المغرب كيف أن فناً رومانسياً يمكنه أن يلتقي هناك وبطريقة شديدة التناسق، مع كثافة الفن الكلاسيكي الصرف وصلابته.
في المغرب إذاً، لاحظ ديلاكروا كيف يمكن للعناصر المتعارضة أن تتلاقى بل تندمج، حتى من دون أن يتخلى أي عنصر منها عما يسمه ويشكل خصوصياته، وهو اختصر على أية حال كل تلك الرؤى بتأكيده أن المغرب قد لا يكون قد أحدث تعديلات أضافت إلى ما كان يمتلكه من مواهبه الخاصة، لكنه بالتأكيد أثرى شخصيته، وهذا الثراء هو الذي حقق الباقي، ولم يكن ثراء بالمعنى العادي للكلمة، لم يكن ثراء بالمعني الكمي، بل بالمعنى النوعي.
ومن هنا لا ينفك دارسو عمل ديلاكروا عن التفرقة بين مرحلتين أساسيتين من تاريخه الفني: مرحلة ما قبل المغرب، ومرحلة ما بعده.
ففي المرحلة الأولى، وبالنظر إلى رومانسيته المطلقة كان من سمات الفنان أن يستخدم مخيلته الواسعة لابتكار المواضيع وصبغها بألوان كان يجد جرأة كبيرة في جعلها أكثر حدة مما يمكن أن تسمح به الشمس الأوروبية، غير أنه بعد الرحلة المغربية، ها هو يدرك كم أن جرأته كانت خجولة وعادية مقابل ما اكتشف لمجرد التجوال تحت شمس مغربية شعر أنها تعطي الطبيعة ألواناً حقيقية ما يفسر رومانسية الكلاسيكية، مُضفياً على الأولى تلك الأبعاد التي جعلتها تتقاسم مع الثانية أبعاداً ما كانت لتخطر له في البال قبل أن يقدم على تلك الرحلة التي غيرته كما لن تغير رحلة في تاريخ الفن شخصية ومزاجية أي فنان آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك