في مشهد انتخابي لافت في نيويورك، لم تكن نتائج الانتخابات التمهيدية للكونغرس مجرد تنافس محلي داخل الحزب الديمقراطي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لنفوذ أحد أقوى جماعات الضغط في واشنطن، لجنة الشؤون العامة الأميركية‑الإسرائيلية «إيباك».
فقد نجح مرشحون مدعومون من عمدة نيويورك، زهران ممداني، المحسوب على التيار التقدمي اليساري، في إقصاء مرشحين مدعومين من المؤسسة الحزبية، بينهم نواب حاليون في الكونغرس، ما يشير إلى صعود التيار اليساري داخل الحزب وتراجع نفوذ المؤسسة التقليدية في بعض معاقله الانتخابية.
وبعد نجاح دارياليزا أفيلا شوفالييه، وبراد لاندر، وكلير فالديز، وعبير قواس في حسم سباقاتهم الانتخابية، رسّخ ممداني مكانته كأحد أبرز صناع التحولات السياسية داخل الحزب الديمقراطي، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة صياغة أولويات الحزب ومواقفه تجاه قضايا العدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية.
هكذا وصفته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، مؤكدة أن «الآن هو زمن ممداني»، وأشارت إلى أن عمدة نيويورك، الذي وصفته بـ«المناهض للصهيونية»، بذل جهودًا حثيثة لتعزيز نفوذه السياسي في الانتخابات التمهيدية، وقد أثمرت رهاناته.
وفاز المرشحون للكونغرس الذين دعمهم ممداني، والذين خاضوا حملاتهم بانتقاد لاذع لإسرائيل، وأصبح فوزهم بمقاعد في مجلس النواب في نوفمبر/تشرين الثاني شبه مضمون، نظرًا للطابع الديمقراطي لدوائرهم الانتخابية.
وعززت هذه الانتصارات مكانة ممداني كمركز قوة جديد للديمقراطيين التقدميين، وفتحت نقاشًا أوسع داخل السياسة الأميركية حول حدود النفوذ التقليدي لـ«إيباك» وصعود جيل جديد من السياسيين الذين أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا رئيسيًا من خطابهم.
ووُصفت نتائج الانتخابات بأنها «ليلة مفاجآت» داخل الحزب الديمقراطي، بعد تمكن مرشحين مدعومين من ممداني من إسقاط نواب بارزين مثل دان غولدمان وأدريانو إسبايات.
هذا التحول لم يكن عابرًا؛ إذ شكّل فوز براد لاندر، وكلير فالديز، ودارياليزا أفيلا شوفالييه «عرض قوة» للتيار الاشتراكي الديمقراطي، ورسالة مباشرة إلى قيادات الحزب.
كما اعتُبر ممداني «صانع ملوك» داخل الحزب، بحسب نيويورك تايمز، بعد تحويل دعمه إلى انتصارات انتخابية واضحة لحلفائه.
أبرز ما ميّز هذه الانتخابات هو تحوّلها، وفق تغطيات أميركية وإسرائيلية، إلى استفتاء غير معلن على نفوذ «إيباك».
ووفقًا لموقع «فوروورد»، اختبرت الانتخابات نفوذ ممداني وإسرائيل كقضية انتخابية، إذ استخدم المرشحون مصطلحي «الإبادة الجماعية» و«الفصل العنصري» لوصف سياسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية، فيما وضع ممداني إسرائيل وأنصارها ضمن دائرة الخصوم.
وفي تجمع انتخابي في بروكلين، شبّه ممداني «إيباك» بـ«قوة تحرك ملايين الدولارات للحفاظ على نفوذها».
كما جعل المرشحون المدعومون منه إسرائيل أو «إيباك» محورًا رئيسيًا لحملاتهم، وإن بطرق مختلفة.
ففي إحدى الدوائر، هُزم النائب دان غولدمان، المدعوم من «إيباك»، أمام مرشح تقدمي ينتقد سياسات إسرائيل.
وأظهرت النتائج أن الدعم المالي والسياسي من اللوبي المؤيد لإسرائيل لم يعد كافيًا لضمان الفوز، ما دفع بعض المحللين إلى وصف ما حدث بأنه تراجع في نفوذ «إيباك» داخل قواعد الحزب الديمقراطي.
وبحسب «بوليتيكو»، فإن الجدل الذي صاحب «إيباك» خلال الانتخابات الأخيرة عزز صورة سلبية للجنة داخل الحزب، في ظل تصاعد الانتقادات لدور التمويل السياسي وتأثيره.
حذّر بعض الديمقراطيين اليهود وحلفائهم من أن بعض الهجمات على لجنة «إيباك» تمثل حملة «معادية للسامية»، وقد تُنفّر الناخبين اليهود والمؤيدين لإسرائيل الذين يميلون عادةً إلى الحزب الديمقراطي.
ووصفها البعض بأنها «محاولة خبيثة لإسكات الناخبين الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية».
في المقابل، اتهم التقدميون «إيباك» بمحاولة قمع الانتقادات الموجهة لإسرائيل من خلال ربطها بمعاداة السامية.
كما رأت جماعات مؤيدة لإسرائيل أن بعض هذه المواقف لا تتماشى مع توجهات الناخبين.
وأظهر استطلاع رأي أجرته «بوليتيكو» في أبريل/نيسان أن 37% من الناخبين الذين دعموا كامالا هاريس في انتخابات 2024 يعارضون محاولات «إيباك» التأثير على الانتخابات، أي أكثر من ضعف نسبة المؤيدين لجهودها، فيما قال 30% إنهم لم يسمعوا بهذه اللجنة من قبل.
خسارة إسرائيل للديمقراطيينوفي مقال نشرته «تايمز أوف إسرائيل»، أشارت الصحيفة إلى أن الانتصارات الكبيرة التي حققها مرشحو ممداني تعكس تحول جيل جديد من الديمقراطيين في موقفه من إسرائيل، التي اتجهت تدريجيًا نحو اليمين منذ عام 1967.
وأضافت أن هؤلاء الديمقراطيين يُبدون انتقادات واضحة لنتنياهو وحكومته، التي تعارض إقامة دولة فلسطينية، مشيرة إلى أن 80% من الديمقراطيين والمستقلين يبدون مواقف ناقدة لإسرائيل، وفقًا لمركز بيو للأبحاث، مع تراجع ملحوظ في الدعم داخل القاعدة الديمقراطية.
وأوضحت الصحيفة أن انتقاد إسرائيل لم يعد عائقًا أمام النجاح السياسي داخل الحزب الديمقراطي، وأن هذه قد تكون المرة الأولى التي يخسر فيها نواب حاليون في الكونغرس مقاعدهم على خلفية دعمهم القوي لإسرائيل.
وبغض النظر عن القضايا الأخرى، فإن نجاح المرشحين الذين ركزوا على انتقاد إسرائيل و«إيباك» يشير إلى أن هذا النهج أصبح استراتيجية انتخابية فعّالة.
ورغم استمرار دعم عدد من القيادات الديمقراطية لإسرائيل، فإن الجيل الجديد داخل الكونغرس يميل إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه العلاقة معها، وهو تحول يُعد الأبرز منذ عام 1948.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، اتجه عدد متزايد من الديمقراطيين المعتدلين نحو التيار التقدمي الأكثر انتقادًا لإسرائيل، الذي يضم شخصيات مثل إلهان عمر ورشيدة طليب.
وحتى بعض الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل بدأوا بالنأي بأنفسهم عن «إيباك».
أحد أبرز التحولات الخطابية في هذه الانتخابات كان كسر الهيمنة التقليدية للرواية الإسرائيلية داخل الخطاب السياسي الأميركي، خاصة في أوساط اليسار.
لم يكتفِ المرشحون المدعومون من ممداني بانتقاد السياسات الإسرائيلية، بل استخدموا مصطلحات مثل «الإبادة الجماعية» و«الفصل العنصري» لوصف ما يحدث في غزة والضفة الغربية، وهو خطاب كان يُعد هامشيًا قبل سنوات.
وبحسب تغطيات إعلامية غربية، تحولت الحرب في غزة إلى «خط فاصل» في هذه الانتخابات، حيث استخدمها المرشحون كأداة لتحدي خصومهم المرتبطين بدعم إسرائيل.
كما أن بعض الفائزين كانوا مرتبطين مباشرة بحركات احتجاجية مؤيدة لفلسطين، مثل أفيلا شوفالييه التي شاركت في تنظيم احتجاجات جامعة كولومبيا، بحسب «إن بي سي».
ظل التمويل السياسي أحد أهم أدوات «إيباك» في التأثير على الانتخابات الأميركية، إذ تعتمد على شبكة معقدة من اللجان السياسية لضخ الأموال في الحملات الانتخابية.
وأظهرت تقارير أن هذه الشبكات تستخدم «لجانًا وسيطة» لإخفاء مصادر التمويل، مع إنفاق ملايين الدولارات لدعم مرشحين موالين لإسرائيل أو لإضعاف منافسيهم.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع، حيث ضخت «إيباك» عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية عبر لجان عمل سياسي متعددة، بهدف دعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل وهزيمة منتقديها.
وكشف تحليل أجرته «بوليتيكو» أن «إيباك» تدعم المرشحين المؤيدين لاستمرار المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وأنها أنفقت أكثر من 38 مليون دولار على المستوى الوطني خلال هذه الدورة الانتخابية، رغم صعوبة تتبع مساهماتها بدقة بسبب استخدام لجان عمل سياسي متعددة وتوجيه الأموال مباشرة إلى الحملات الانتخابية.
وهذا يعني أن اللجنة تجاوزت بالفعل إنفاقها البالغ 26 مليون دولار في انتخابات 2022، ومن المرجح أن تتجاوز 46.
3 مليون دولار التي أُنفقت في انتخابات 2024.
وأشارت تقارير إلى أن «إيباك» أصبحت رمزًا لتصاعد الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل.
لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية نفسها باتت محل انتقاد متزايد، إذ يُتهم هذا الدور بتشويه العملية الديمقراطية والتأثير في إرادة الناخبين، وفقًا لتقرير «إنترسبت».
ربما يكون العامل الأبرز وراء هذا التحول هو تغير وعي الناخب الأميركي، خاصة بين الشباب.
وتشير استطلاعات حديثة إلى تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الأوساط الديمقراطية؛ إذ أظهر استطلاع نشرته شبكة «إيه بي سي نيوز» أن نحو 80% من الديمقراطيين يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل، مع تصاعد التعاطف مع الفلسطينيين.
كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وحركات الاحتجاج الطلابية لاعبًا رئيسيًا في تشكيل هذا الوعي، وهو ما انعكس في الحملات الانتخابية للمرشحين التقدميين الذين ركزوا على القضية الفلسطينية بوصفها جزءًا من خطاب العدالة الاجتماعية.
بل إن بعض المحللين وصفوا ما حدث في نيويورك بأنه «اكتساح مؤيد لفلسطين»، يعكس تحول المزاج السياسي داخل قواعد الحزب.
وأظهر استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في 24 يونيو/حزيران أن 48% من الناخبين الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة «تدعم إسرائيل أكثر من اللازم»، فيما رأى 38% أن الدعم مناسب، و7% أنه غير كافٍ.
وبحسب الانتماء الحزبي، يرى 66% من الديمقراطيين أن الدعم الأميركي لإسرائيل مفرط، مقابل 9% فقط يرونه غير كافٍ، و18% يعتبرونه مناسبًا.
ومن بين الجمهوريين، يعتقد 20% أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط، و69% أن الدعم مناسب، و6% أنه غير كافٍ.
أما بين المستقلين، فيرى 55% أن الدعم مفرط، و34% أنه مناسب، و7% أنه غير كافٍ.
كما أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في مارس/آذار أن 60% من البالغين الأميركيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ53% في العام السابق.
وأفاد 59% بأنهم لا يثقون أو يثقون بدرجة محدودة في قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات صائبة، مقابل 52% في عام 2025.
وفي كلا الحزبين، ينظر غالبية البالغين دون سن الخمسين إلى إسرائيل ونتنياهو نظرة سلبية.
لا يمكن قراءة ما حدث في الانتخابات التمهيدية في نيويورك في سياق محلي فقط، بل هو مؤشر على تحولات أعمق داخل السياسة الأميركية.
فصعود تيار ممداني وحلفائه لا يعكس فقط قوة اليسار التقدمي، بل يكشف أيضًا عن تراجع نسبي في قدرة «إيباك» على التأثير في الحزب الديمقراطي كما في السابق.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه النتائج بداية تحول دائم في موازين القوى داخل واشنطن، أم أنها موجة عابرة مرتبطة بسياق الحرب في غزة؟
قد تتضح الإجابة في الانتخابات المقبلة، لكن المؤكد أن معركة النفوذ بين التيار التقدمي واللوبي المؤيد لإسرائيل دخلت مرحلة جديدة أكثر حدة وعلنية من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك