هناك حقيقة مُرّة لا يدركها كثيرون إلا بعد فوات الأوان…حين تجلس على الكرسي، يزدحم حولك المصفقون… يبتسمون، يمدحون، يهتفون باسمك، وربما يرقصون على أنغام نفوذك وسلطتك.
يُخيَّل إليك حينها أنك محور الكون، وأن الجميع يحبك ويهابك ويقدّرك.
لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك…هؤلاء الذين يصفقون اليوم، أول من يختفي غدًا، وأول من ينكر معرفتك إذا زال عنك المنصب، وأول من يبحث عن كرسي آخر ليرقص حوله… فالمنصب لا يصنع محبةً حقيقية… بل يكشف معادن البشر.
هناك فقط شخص واحد لن ينساك أبدًا… ليس المادح، ولا المنافق، ولا المتسلق،إنه ذاك الذي آذيته، ذلك الذي أغلقت في وجهه بابًا، ذلك الذي كسرت رزقه بقرار جائر، ذلك الذي استقويت عليه لأن يدك كانت أعلى، وصوتك كان نافذًا، وظننت أن القوة تعني الحق.
قد ينسى الناس كلماتك… لكن المظلوم لا ينسى وجعه.
قد يسقط اسمك من ذاكرة الجميع… لكن أنين من ظلمته يبقى معلقًا بين الأرض والسماء.
ولذلك كانت الكلمات الخالدة المنسوبة إلى الحسن البصري حين سُئل:من أشد الناس صراخًا يوم القيامة؟ فقال: رجل رزقه الله بمنصب فاستعان به على ظلم الناس.
يا لها من عبارة تهزّ القلوب هزًا.
ليست الكارثة أن تملك سلطة… الكارثة أن تستخدمها في كسر الناس، وليست المصيبة أن تُمنح منصبًا…بل المصيبة أن يتحول المنصب في يدك إلى أداة بطش.
كم من مسؤول ظن أن توقيعه مجرد حبر على ورق، بينما كان بالنسبة لآخرين حياةً كاملة أو انهيارًا كاملًا.
لكن الأخطر من الظلم الصريح… هو الظلم الذي يتخفّى خلف الأقنعة.
فليس كل ظلم يُرى بالعين، هناك ظلم يرتدي بدلةً أنيقة، ويتحدث بلغة القانون، ويوقّع بابتسامة باردة، ثم يغادر مكتبه وكأن شيئًا لم يكن.
كم من قرار جائر كُتب في دقائق… فهدم أعوامًا من تعب إنسان.
كم من توقيع متعجرف حرم أبًا من لقمة أولاده.
كم من كلمة قاسية خرجت من مسؤول متكبر فكسرت قلبًا كان يظن أن العدالة ما زالت حيّة.
المؤلم أن بعض أصحاب المناصب لا يظلمون بدافع الحاجة… بل بدافع اللذة… لذة السيطرة… لذة الإذلال… لذة أن يرى الناس رؤوسهم منكسرة أمام كرسيه.
يظن أن الهيبة تُصنع بالخوف… وأن الاحترام يُنتزع بالإهانة… وأن رفع الصوت بطولة.
ولا يدرك المسكين أن كل دمعة أسقطها ظلمًا تُكتب، وكل تنهيدة مقهور تُرفع، وكل دعوة خرجت من صدر مكسور تشق السماوات بلا استئذان.
أتعرف ما المرعب في الأمر؟أن المظلوم قد يبتسم أمامك… وقد يصمت… وقد ينسحب في هدوء… لكنه في جوف الليل، حين تهدأ الأصوات وتُغلق الأبواب، يرفع كفّيه إلى من لا يغفل ولا ينام.
لا حرس ينفع، ولا نفوذ يشفع، ولا ألقاب تحمي، ولا مكاتب فاخرة تمنع القضاء إذا نزل.
فبين دعوة المظلوم واستجابة الله… لا توجد سكرتارية، ولا توجد مواعيد، ولا توجد وساطات.
كم من متجبر نام على حرير السلطة… ثم استيقظ على فضيحة.
كم من متكبر ملأ الدنيا صخبًا… ثم انتهى إلى ذلٍ أخرس كبرياءه.
كم من جبار ظن نفسه فوق الحساب… فسقط في لحظة لم يتوقعها.
فالله يمهل… نعم… لكنه لا يهمل.
والكارثة الكبرى ليست أن يسقط الظالم في الدنيا فقط… بل أن يحمل معه إلى الآخرة أرزاقًا قطعها، وحقوقًا سلبها، وقلوبًا أحرقها، وأعمارًا أرهقها.
هناك… لن يتحدث عن إنجازاته، ولن تنفعه صوره الرسمية، ولن ينقذه المصفقون، ولن يدافع عنه الراقصون.
هناك تُفتح دفاتر الحساب، وتتكلم الوجوه التي صمتت طويلًا، وتشهد الأرواح التي قُهرت تحت عجلات الكِبر والسلطة.
تذكّر دائمًا… المناصب زائلة، والكراسي تتبدل، والنفوذ يتبخر، والتصفيق يتوقف، لكن دعوة المظلوم لا تسقط.
احذر أن تؤذي إنسانًا لأنك قادر.
احذر أن تقطع رزقًا لأن أحدًا لا يراجعك.
احذر أن تتجبر لأن حولك من يزين لك القسوة.
لأن اليوم الذي يزول فيه كل شيء… قادم لا محالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك