أجمعت صحف ووسائل إعلام، محلية ودولية، على حقيقة واحدة لم تعد محل نقاش، وهي أن فرنسا تختنق تحت وطأة مناخ لم تكن تعرفه.
فمع تجاوز درجات حرارة التربة محليا حاجز الـ 50 درجة مئوية، وتسجيل ليال استوائية متتالية، لم يعد النقاش يدور حول احتمالية وقوع موجات الحر، بل حول كيفية التعامل معها.
list 1 of 2" تأثير ممداني".
هل يقترب اليسار من البيت الأبيض؟list 2 of 2وثيقة استقلال أمريكا.
تدهورت حالتها الفيزيائية فماذا عن مبادئها؟فالبلد قد بات، كما تقول الصحافة الأجنبية التي رصدتها مجلة كورييه إنترناسيونال، يعيش نسخته الصحراوية، حيث تسجل باريس درجات حرارة أقرب إلى دبي، ومونبلييه تحاكي تمبكتو.
هذا الإجماع المبدئي على قسوة اللحظة، يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق طرحتها كبريات الصحف الفرنسية حول مدى جاهزية البنية التحتية، وتأثير هذا القيظ على الصحة النفسية، وصولا إلى ضرورة تغيير قواعد العمل ذاتها.
وتنطلق مجلة لوبوان من توصيف دقيق للأزمة على لسان دافيد فاراندا، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، الذي يؤكد أننا" نواجه تغييرا في المناخ وليس مجرد أرقام قياسية".
ويوضح فاراندا أن الأنماط الجوية التي كانت تنتج درجات حرارة معينة قبل عقود باتت اليوم تولد حرارة أعلى بما بين درجتين وأربع درجات مئوية.
والمشكلة الكبرى، كما تراها المجلة، تكمن في أن المدن، والمدارس، وشبكات النقل، والزراعة الفرنسية صممت لتلائم مناخ القرن العشرين، لا القرن الحادي والعشرين.
ويتناغم هذا التشخيص تماما مع ما نقلته كورييه إنترناسيونال عن المراسلين الأجانب في فرنسا، الذين لاحظوا بوضوح سوء استعداد البلاد.
ويتجلى ذلك في المباني غير المعزولة، والغياب شبه التام لثقافة التكييف المركزي، والتوجهات السياسية المتسمة بقصر النظر، مما جعل يوميات المواطن الفرنسي أشبه بأيام الحجر الصحي إبان جائحة كورونا، حيث الجميع محتجز في منزله بحثا عن سراب البرودة.
وتعزز افتتاحية لوموند هذا التشخيص، معتبرة أن أكبر خطأ سيكون التعامل مع انحسار الموجة الحالية باعتباره نهاية الأزمة، فالحرارة، بحسب الصحيفة، قد تتراجع أياما، لكن آثارها الصحية تستمر، فيما تتكرر هذه الظواهر بوتيرة متقاربة تجعلها جزءا من الحياة الفرنسية، وترى أن الاكتفاء بسياسات التكيف دون معالجة أسباب الاحترار العالمي سيجعل البلاد تدور في حلقة لا تنتهي من إدارة الأزمات.
فاراندا: لم نعد نواجه مجرد أرقام قياسية في درجات الحرارة، بل نواجه تغيرا في المناخ نفسهوإذا كانت البنية التحتية تعاني، فإن الجسد البشري ليس بأفضل حالا، هنا تتدخل صحيفة ليبراسيون لتنقل النقاش من الشارع إلى المكاتب ومواقع البناء، الصحيفة تؤكد أن موجات الحر لم تعد مجرد أزمة صحة عامة، بل أصبحت" خطرا مهنيا" يهدد الإنتاجية التي تنخفض بمقدار النصف تقريبا عند تجاوز الحرارة 33 درجة مئوية.
ويفرض هذا الواقع الصحراوي الجديد، وفقا لليبراسيون، تغييرا جذريا في إيقاع العمل، ومن هنا تبرز مطالبات بتكييف أوقات الدوام، بحيث يكون البدء مبكرا والانتهاء مبكرا، على غرار ما يحدث في جنوب إيطاليا أو الأندلس.
كما تطفو على السطح مجددا معضلة ارتداء السراويل القصيرة (البرمودا) في مقار العمل كحق للنجاة من الحر، فضلا عن تفعيل أنظمة البطالة الفنية لعمال البناء في أوقات القيظ الشديد.
وتنقل ليبراسيون عن الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي دافيد فاراندا قوله: " لم نعد نواجه مجرد أرقام قياسية في درجات الحرارة، بل نواجه تغيرا في المناخ نفسه"، موضحا أن الأنماط الجوية التي كانت تنتج درجات حرارة معينة قبل عقود باتت اليوم تولد حرارة أعلى بما بين درجتين وأربع درجات مئوية.
ومع تغير إيقاع الحياة والعمل، يبرز أثر أعمق وأقل بروزا ترصده صحيفة لوباريزيان هو القلق البيئي (Eco-anxiety)، فالحرارة الخانقة التي تجبر الناس على البقاء في منازلهم -كما أشارت كورييه إنترناسيونال سابقا– تتركهم فريسة لأفكار سوداوية حول المستقبل.
وتشير لوباريزيان إلى أن أكثر من 4.
2 مليون فرنسي يعانون من هذا القلق بشكل حاد، ومع كل موجة حر، تتصاعد التساؤلات الوجودية: " في أي عالم سيكبر أطفالنا؟ ".
سوتر: الخوف من المناخ لم يعد مجرد قلق على البيئة، بل أصبح قلقا على المستقبل الشخصي والأسريويؤكد مدير مرصد القلق البيئي بيار إيريك سوتر للوباريزيان أن الخوف من المناخ لم يعد مجرد قلق على البيئة، بل أصبح قلقا على المستقبل الشخصي والأسري.
وتتراوح ردود أفعال المجتمع بين الانعزال التام للهروب من الواقع، كما تصفه إحدى الشابات، وبين محاولة تحويل هذا القلق إلى طاقة للعمل الجماعي والنضال البيئي لتغيير النظام الاستهلاكي الحالي.
ويبدو هذا التحول واضحا أيضا في نظرة الصحافة الأجنبية، كما رصدت ذلك كورييه إنترناسيونال، فباريس سجلت حرارة تشبه دبي، ومونبلييه بدت أقرب إلى تمبكتو، بينما قاربت نيس درجات حرارة إشبيلية.
لذلك اختارت كورييه إنترناسيونال لتقريرها عنوانا لافتا: " فرنسا في نسختها الصحراوية"، وترى أن المشهد كشف مجددا ضعف البنية العمرانية غير المهيأة، وقلة استخدام التكييف، وسياسات تظل مؤجلة حتى وصول موجة الحر التالية.
وأمام هذا الخطر المزدوج، المادي والنفسي، كيف تتصرف الدولة؟ تعود افتتاحية لوموند لتعالج هذا التساؤل بلهجة حادة، وهكذا انتقدت الصحيفة بشدة تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن فرنسا تأقلمت، معتبرة أن هذه التصريحات تتجاهل التراجعات المستمرة في ميزانيات الانتقال البيئي وتجديد عزل المباني.
وترى لوموند أن السياسيين، بدلا من معالجة الجذور، يتبادلون الاتهامات؛ فاليمين واليمين المتطرف، اللذان لطالما سخرا من تقارير المناخ، يطالبان اليوم بنشر مكيفات الهواء في كل مكان لتسجيل نقاط سياسية، متجاهلين أن التكييف يحل المشكلة مؤقتا ويفاقمها على المدى الطويل.
وهنا، تتقاطع لوموند مجددا مع ما حذرت منه باحثة المناخ كاثي كليربو في لوبوان، حيث تؤكد أن" التكيف لا يعني مجرد تركيب المزيد من مكيفات الهواء"، بل يتطلب تغييرا جذريا في الزراعة وإدارة المياه.
ورغم أن الإحساس بالأزمة يبدو جديدا، فإن لوفيغارو تذكر بأن الحر شكل جزءا من التاريخ الفرنسي منذ قرون، فقد ارتبطت موجات الحر في العصور الوسطى بالمجاعات والأوبئة، وساهم صيف عام 1788 في تدمير المحاصيل وارتفاع أسعار القمح، وهو ما كان من الشرارات التي سبقت الثورة الفرنسية.
أما في العصر الحديث، فقد بقيت موجة عام 2003 الأكثر رسوخا في الذاكرة بعدما أودت بحياة ما بين 15 و17 ألف شخص، قبل أن تدفع السلطات إلى تطوير خطط الإنذار والاستجابة.
لكن الصحيفة ترى أن الفارق الأساسي بين الأمس واليوم لا يكمن في وجود موجات الحر نفسها، بل في طبيعة توقعات المجتمع، فالكوارث المناخية كانت تعد سابقا قدرا لا يمكن دفعه، أما اليوم فأصبح الفرنسيون يعتبرون حماية حياتهم من آثارها مسؤولية مباشرة تقع على عاتق الدولة.
ومن خلال تغطيات هذه الصحف يمكن القول إن الصيف الحالي ليس مجرد" أزمة طارئة" ستمر وتنسى كما حذرت لوموند، بل هو إنذار أخير يؤكد ما ذهبت إليه لوبوان من أن فرنسا دخلت عصرا مناخيا جديدا، ولن يكون الحل في الاكتفاء بانتظار انخفاض درجات الحرارة، بل في الاعتراف بأن إيقاع الحياة والعمل الذي ساد في القرن الماضي، قد ذاب بلا رجعة تحت شمس اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك