يُلاحظ سنوياً فارق كبير بين إيرادات ونفقات إقليم كوردستان.
فبدون احتساب الميزانية التي تخصصها بغداد للرواتب، يتجاوز العجز 5 تريليونات دينار.
وحتى مع الاعتماد على أموال بغداد، لا يزال هناك عجز سنوي يبلغ حوالي نصف تريليون دينار.
هذا الخلل الكبير في التوازن بين الإيرادات المحلية والنفقات العامة هو مؤشر واضح على أن الهيكل المالي لإقليم كوردستان يواجه ضغطاً مستمراً وأن الفجوة بين الإيرادات والنفقات آخذة في الاتساع.
وإذا كان الفارق على مدى سبع سنوات يبلغ حوالي 36 تريليون دينار، فهذا يكشف أنه بدون دعم مالي خارجي أو من الحكومة الاتحادية، فإن النظام المالي لإقليم كوردستان يفتقر إلى القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي ولا يمكنه الوقوف على قدميه.
وفقاً للبيانات المنشورة من قبل وزارة المالية والاقتصاد في حكومة إقليم كوردستان، بين عامي 2019 و2025، بلغ إجمالي إيرادات إقليم كوردستان، باستثناء أموال بغداد، 51 تريليون دينار، في حين وصلت النفقات الإجمالية إلى 87 تريليون دينار.
وحتى مع احتساب الأموال المخصصة للميزانية من بغداد، يبلغ العجز الشهري حوالي 500 مليار دينار.
والأمر اللافت للنظر في هذه البيانات هو الخلل الكبير في التوازن بين النفقات التشغيلية والنفقات الاستثمارية في القطاعات المختلفة.
توزعت النفقات بشكل عام في إقليم كوردستان خلال السنوات السبع الماضية على النحو التالي: خُصص ما متوسطه 74% للرواتب، و16.
3% للنفقات التشغيلية (الشؤون الإدارية وتسيير أعمال المؤسسات)، و4.
65% لتوفير الكهرباء، و4.
42% للمشاريع الاستثمارية.
خلال السنوات السبع الماضية، ازدادت نفقات الرواتب وحدها بنحو 100 مليار دينار.
ومن نسبة الـ74% المخصصة للرواتب، كان أقل من الربع (25%) للموظفين المدنيين.
كما توجد فوارق كبيرة في هذه النفقات، سواء كانت للرواتب أو للنفقات التشغيلية، على مستوى الوزارات والمؤسسات وحتى المحافظات.
يتكون هيكل متلقي الرواتب في إقليم كوردستان من أربعة أنواع رئيسية: أولاً، الموظفون الدائمون ويبلغ عددهم 378 ألفاً و159 موظفاً.
ثانياً، قوات البيشمركة ويبلغ عدد أفرادها 152 ألفاً و182 شخصاً.
ثالثاً، المتقاعدون ويبلغ عددهم 354 ألفاً و758 شخصاً.
ورابعاً، الموظفون المتعاقدون ويبلغ عددهم 30 ألفاً و258 شخصاً.
من حيث تحصيل الإيرادات، اعتمد إقليم كوردستان على ثلاثة مصادر رئيسية: الإيرادات النفطية (عبر تصدير النفط إلى ميناء جيهان)، والإيرادات الجمركية (من 7 منافذ حدودية دولية رسمية)، وإيرادات الضرائب.
على سبيل المثال، في عام 2019، كان الهيكل النسبي لإجمالي الإيرادات كما يلي: الإيرادات النفطية 52.
7%، والجمارك 16.
7%، والضرائب 7.
6%، والإيرادات الأخرى 23%.
هنا، سنتناول على جزأين بيانات وزارة المالية المتعلقة بالإيرادات والنفقات على مستوى القطاعات والمحافظات المختلفة.
ما سنركز عليه في هذا الجزء هو عرض التغيرات في تحصيل الإيرادات والنفقات للقطاعات المختلفة بين عامي 2019 و2025، مع التركيز على الإيرادات غير النفطية والنفقات التشغيلية للوزارات.
إيرادات إقليم كوردستان (2019-2025)وفقاً لتقرير أعمال وأنشطة وإصلاحات وزارة المالية والاقتصاد للفترة 2019-2025، الذي نُشر هذا الشهر، تمتع إقليم كوردستان بإيرادات مستقلة بفضل صادرات النفط، منذ بداية عام 2019 وحتى آذار 2023، ولكن في عامي 2024 و2025، وبسبب توقف تصدير النفط إلى الخارج، أصبحت الإيرادات النفطية للحكومة صفراً.
يأتي هذا في وقت واصلت فيه الشركات الدولية إنتاج النفط وبيعه في السوق المحلية بمتوسط سعر يتراوح بين 25 و35 دولاراً للبرميل الواحد (حسب جودة النفط).
من جهة أخرى، شهدت الإيرادات الكمركية من المنافذ الحدودية زيادة سنوية؛ حيث ارتفعت من 1.
3 تريليون دينار في عام 2019 إلى 1.
6 تريليون دينار في عام 2024، لكنها انخفضت في عام 2025 إلى 1 تريليون دينار.
في الوقت نفسه، شهدت إيرادات الضرائب خلال هذه السنوات السبع تقلبات كبيرة، حيث تراوح الفارق السنوي بين زيادة قدرها 600 مليار دينار وانخفاض قدره 800 مليار دينار، كما هو موضح في الجدول أدناه.
من ناحية أخرى، حتى لو كان سوق النفط في أفضل حالاته وتجاوز سعر البرميل 100 دولار كما في عام 2022، فإن الإيرادات لا تزال غير كافية لتغطية النفقات وسيظل هناك عجز.
وإذا كان الوضع مماثلاً لعام 2023، فإن الإيرادات لن تتمكن إلا من تغطية نصف النفقات.
النفقات في إقليم كوردستان (2019-2025)تشكل الرواتب النفقات الرئيسية في إقليم كوردستان، حيث تمثل ثلاثة أرباع (75%) من إجمالي النفقات الشهرية.
حالياً، وبعد تسليم ملف النفط إلى شركة تسويق النفط الوطنية العراقية (سومو) في 27 أيلول 2025، أصبح تأمين الرواتب مرتبطاً ببغداد، التي ترسلها شهرياً بعد توزيع رواتب موظفيها.
بعد الرواتب، تأتي النفقات التشغيلية للمؤسسات، والتي تتراوح شهرياً بين 130 و160 مليار دينار، وتصل سنوياً إلى ما بين 1.
8 و2 تريليون دينار.
النوع الثالث من حيث الحجم هو نفقات إنتاج الكهرباء.
ووفقاً للبيانات، يحتاج هذا القطاع سنوياً إلى ما بين 400 و900 مليار دينار، وهو ما يستحوذ على حصة كبيرة جداً من النفقات، دون تحديد إيرادات الكهرباء المستحصلة بشكل منفصل ضمن الإيرادات العامة.
أما النوع الرابع من النفقات فيخصص للمشاريع الاستثمارية، وهو مبلغ غير ثابت؛ فعلى سبيل المثال، بلغ في عام 2020 نحو 90 مليار دينار فقط، بينما وصل في عام استثماري جيد جداً مثل العام الماضي إلى 1 تريليون دينار.
خلال هذه السنوات السبع، بلغ متوسط الإنفاق الاستثماري السنوي لجميع القطاعات 500 مليار دينار فقط.
يأتي هذا في وقت تُخصص فيه عشرات التريليونات من الدنانير للاستثمار في الموازنة العامة العراقية، إلا أن حصة مؤسسات ومحافظات إقليم كوردستان، بما في ذلك كركوك، من هذا المبلغ كانت صفراً.
يشكل إجمالي نفقات الرواتب والنفقات التشغيلية والكهرباء ما بين 90% و92% من مجمل نفقات إقليم كوردستان.
وضمن النفقات التشغيلية، يذهب ما يقارب نصف المبلغ إلى وزارتي الكهرباء والبلديات (15% للكهرباء، و9% للبلديات، و8% لوزارة الإعمار والإسكان).
وفقاً لإحصائيات عام 2024، يبلغ عدد سكان إقليم كوردستان 6 ملايين و519 ألفاً و129 نسمة، ويشمل هذا العدد أكثر من مليوني طالب في المراكز التعليمية (مليون و860 ألفاً في المدارس الحكومية وما يقارب 150 ألفاً في القطاع الخاص).
على الرغم من هذا الحجم الكبير والعدد الهائل من المعلمين الدائمين والمتعاقدين، لا تشكل نفقات قطاع التربية سوى 5% من إجمالي النفقات التشغيلية، كما هو موضح في الرسم البياني لتصنيف نفقات الوزارات.
الميزان المالي لإقليم كوردستان: انعدام الفائض واستمرار العجز (2019-2025)يعاني إقليم كوردستان من اختلال مالي حاد؛ حيث يبلغ إجمالي نفقاته ضعف إيراداته المحلية تقريباً.
فقط في السنوات التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط (مثل عام 2022 الذي بلغت فيه إيرادات النفط 7.
7 تريليون دينار)، تمكن إقليم كوردستان من تغطية نفقاته إلى حد ما وتقليص العجز.
وفقاً لأرقام وزارة المالية، فإن المبالغ التي تُرسل من بغداد لا تمثل الحصة الحقيقية لإقليم كوردستان المحددة في الموازنة بنسبة 12.
62%، في حين يشكل سكان إقليم كوردستان 14.
1% من سكان العراق.
اللافت أنه حتى مع الأموال المرسلة من بغداد، سجل إقليم كوردستان خلال السنوات السبع الماضية عجزاً سنوياً بلغ حوالي 550 مليار دينار.
وفي عام 2024، عندما لم ترسل بغداد الرواتب لمدة شهرين، ارتفع العجز إلى 1.
6 تريليون دينار، ونتيجة لذلك لم توُزع رواتب شهرين للموظفين والبيشمركة والمتقاعدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك