داخل منزل شبه مدمر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يحوّل الحرفي والفنان الفلسطيني سهيل أبو شاويش ورشة بسيطة إلى مساحة تعود فيها الآلات الموسيقية إلى الحياة، رغم الدمار الذي خلّفته الحرب وشح الإمكانات.
وبين ألواح خشبية مستخرجة من صناديق المساعدات الغذائية وبقايا آلات متضررة، ينحني أبو شاويش، البالغ من العمر 60 عامًا، لساعات طويلة لترميم الأعواد والآلات الموسيقية باستخدام أدوات يدوية بسيطة، في ظل غياب المعدات اللازمة وانقطاع الكهرباء بشكل متكرر.
ويقول إن أصحاب الآلات الموسيقية باتوا يقصدونه لإصلاح ما تضرر منها، بعدما أصبحت ورش الصيانة المتخصصة شبه غائبة بسبب الحرب.
ولا ينظر أبو شاويش إلى عمله باعتباره مصدر رزق فحسب، بل يعتبر أن ترميم كل آلة موسيقية هو مساهمة في حماية جزء من الهوية الثقافية الفلسطينية، في وقت طالت فيه الحرب مختلف مناحي الحياة.
تعلم أبو شاويش العزف على آلة العود منذ طفولته، قبل أن يعمل مع مؤسسات فنية وموسيقية عدة، ويكتسب خبرة طويلة في صيانة وترميم مختلف الآلات الموسيقية.
ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اضطر، شأنه شأن مئات آلاف الفلسطينيين، إلى النزوح نحو مدينة رفح جنوبي القطاع، متنقلًا بين أكثر من مكان، قبل أن يتمكن لاحقًا من العودة إلى منزله في مخيم النصيرات واستئناف عمله.
ويؤكد أن ندرة المواد الأولية دفعته إلى البحث عن بدائل، إذ يعتمد على أخشاب صناديق المساعدات الغذائية، إضافة إلى إعادة استخدام أجزاء من آلات موسيقية محطمة لترميم آلات أخرى.
ويقول: " لا يوجد خشب، نشتري الخشب الخردة من صناديق المساعدات، ونستخدم بقايا الآلات المحطمة أو المتضررة لإصلاح آلات أخرى".
ولا تقتصر الصعوبات على نقص الخشب، إذ يشير إلى أن أسعار المواد الأساسية اللازمة للترميم ارتفعت بشكل كبير، موضحًا أن سعر الغراء تضاعف أكثر من ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، في وقت أصبحت فيه كثير من المواد غير متوافرة في الأسواق.
كما يزيد انقطاع الكهرباء من مشقة العمل، إذ يعتمد بالكامل تقريبًا على المناشير والمبارد اليدوية لإنجاز عمليات القص والصقل والتركيب، وهو ما يطيل ساعات العمل ويتطلب جهدًا إضافيًا.
ورغم هذه الظروف، يصر أبو شاويش على مواصلة عمله، معتبرًا أن كل آلة موسيقية ينجح في إصلاحها تمثل انتصارًا صغيرًا في مواجهة الدمار.
وبعد الانتهاء من ترميم إحدى الآلات، يحرص على تجربتها بنفسه، ويقول إن صوت العود" ينسينا للحظات قسوة الظروف المحيطة بنا".
ويأمل أن تتحسن الأوضاع في القطاع بما يسمح باستيراد الأخشاب والمواد اللازمة لصناعة الآلات الموسيقية، وأن يتمكن يومًا من إنتاج أعواد وآلات فلسطينية تنافس عالميًا.
ويضيف: " نريد أن نعمل مثل بقية العالم، وأن ننافس عالميًا، وأن نبدأ في تصنيع منتجات يمكننا أن نقول عنها بفخر إنها صناعة فلسطينية.
صنعت في غزة".
ورغم الدمار الذي يحيط بقطاع غزة، لا يزال صوت الموسيقى حاضرًا، حيث يعزف شبان على آلات قديمة وأخرى مرممة، متشبثين بالحياة وسط الركام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك