عاملات بين الهشاشة والاستغلال: اللاجئات السودانيات في مصر ومعركة البقاء «1- 2»القاهرة، 28 يونيو 2026: منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، فرّ نحو 1.
5 مليون سوداني إلى مصر، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.
وبينما شكّلت النساء والأطفال النسبة الأكبر من الوافدين، وجدت آلاف اللاجئات أنفسهن أمام واقع اقتصادي قاسٍ، فرض عليهن البحث سريعاً عن أي مصدر للدخل، بعد أن فقدن وظائفهن ومدخراتهن.
في المصانع والمزارع والمنازل، تعمل لاجئات سودانيات لساعات طويلة مقابل أجور متدنية، غالباً من دون عقود عمل أو حماية قانونية أو اجتماعية.
وبينما كانت بعضهن يشغلن وظائف تعليمية وإدارية و يحملن مؤهلات جامعية، دفعتهن الحرب إلى قبول أعمال يدوية شاقة لا تتناسب مع خبراتهن السابقة.
يعتمد هذا التحقيق على شهادات ميدانية للاجئات سودانيات يعملن في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمة المنزلية في عدد من المحافظات المصرية، إضافة إلى مقابلات مع مختصين في القانون وقضايا اللجوء والنوع الاجتماعي، ومراجعة للتشريعات المصرية وتقارير المنظمات الدولية.
وتكشف الشهادات، رغم اختلاف صاحباتها، عن نمط متكرر من الهشاشة؛ فجميع النساء تقريباً وصلن إلى مصر خلال اللأعوام 2023، 2024، ويحملن بطاقات لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بينما يعتمد حصولهن على العمل على سماسرة أو معارف، في ظل غياب قنوات توظيف رسمية.
وتتراوح الأجور اليومية في الغالب بين 150 و300 جنيه مصري، مقابل ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة عمل وصلت أحيانا الى ستة عشرة من الساعات، مع تأخر متكرر في صرف المستحقات وخصومات غير مبررة، وغياب شبه كامل للعقود الرسمية أو الضمانات القانونية.
من الوظائف المهنية إلى العمالة اليدويةلم يكن التحول من الوظائف المهنية إلى العمالة اليدوية استثناءً لدى النساء اللاتي التقت بهن معدة التحقيق، بل كان القاسم المشترك بين معظمهن.
فبينهن معلمات ومديرات مدارس، وإداريات في مؤسسات حكومية، وخريجات جامعات في العلوم الطبية وعلوم الحاسوب والمحاسبة، ومالكة روضة أطفال، أجبرتهن الحرب على ترك مسارات مهنية استغرق بناؤها سنوات طويلة، ليجدن أنفسهن يعملن في مصانع البلاستيك والشوكولاتة والخضروات المجمدة، أو في مزارع التوت والعنب والفراولة.
تقول هـ.
أ.
م، خريجة علوم الحاسوب التي عملت سابقاً في قسم الحسابات بإحدى المؤسسات الحكومية في السودان، إنها لم تجد بعد وصولها إلى مصر سوى العمل في المصانع والمزارع لإعالة أسرتها.
تنقلت بين مصانع التغليف والشوكولاتة والبلاستيك، كما عملت في مزارع التوت، وكانت ساعات عملها تصل أحياناً إلى 12 ساعة يومياً.
وتوضح أن كثيراً من فرص العمل تُعلن عبر الإنترنت أو تنتقل بين العاملات أنفسهن، فيما يعتمد بعضها على سماسرة يطلبون أحياناً مقابلاً مالياً للحصول على الوظيفة، وهو ما رفضته.
تقول: “الوصول إلى فرص العمل يتم غالباً عبر إعلانات الإنترنت أو من خلال شبكات علاقات غير رسمية بين العاملات، حيث تساعد النساء بعضهن البعض في العثور على وظائف داخل المصانع، في ظل غياب قنوات توظيف مستقرة”.
وتصف بيئات العمل بأنها متفاوتة؛ فبعض المصانع توفر الحد الأدنى من الخدمات، بينما تفتقر أخرى إلى أماكن الراحة أو المرافق الأساسية، كما تتغير طبيعة المهام بعد بدء العمل، إذ تضاف إلى أعمال التعبئة المتفق عليها إلى تحميل ونقل للمنتجات دون مقابل إضافي.
ففي بعض الحالات، يتم تشغيل العاملات في مهام إضافية مثل تحميل المنتجات ونقلها إلى سيارات الشحن، رغم أن الاتفاق الأولي كان يقتصر على التعبئة فقط.
ولا تختلف تجربة ن.
م.
م، وهي معلمة سابقة وأم لخمسة أطفال، كثيراً عن ذلك.
فبعد نزوحها واستقرارها بإحدى المدن الصناعية، تنقلت بين مصانع الأغذية المجمدة ومزارع العنب، حيث ارتفع أجرها اليومي تدريجياً من 150 إلى نحو 240 جنيهاً، إلا أن عدم انتظام العمل جعل دخلها غير مستقر.
وتقول إن بعض أصحاب العمل يفضلون تشغيل عمالة من جنسيات أخرى، بينما تُستبعد السودانيات أحياناً بسبب العمر أو بحجة عدم الحاجة إليهن، بحسب قولها.
وتضيف أن غياب العقود الرسمية يجعل العاملات تحت رحمة السماسرة، مشيرة إلى تعرضها وابنتها لعمليات احتيال أفقدتهما آلاف الجنيهات، من دون وجود جهة تستطيع استرداد حقوقهن منها.
تقول ” تعرضت لعمليات احتيال أدت إلى فقدان اموال بلغت نحو 3000 جنيه لي ولابنتي في إحدى الوقائع، و2500 جنيه في واقعة أخرى”.
إلا أن أكثر ما يؤرقها، كما تقول، ليس ساعات العمل الطويلة، بل اضطرارها إلى ترك أطفالها لساعات طويلة دون رعاية أثناء خروجها للعمل.
أما ز.
م.
ع، وكيلة مدرسة سابقة تبلغ من العمر 55 عاماً، فتقول إن انتقالها من العمل التربوي إلى المصانع والمزارع كان من أصعب التحولات التي فرضتها الحرب.
وتوضح أنها تضطر أحياناً للعمل في ورديتين متتاليتين تصلان إلى 16 ساعة يومياً لتغطية تكاليف المعيشة والعلاج، بينما تواجه النساء الأكبر سناً صعوبة مضاعفة في الحصول على فرص عمل بسبب تفضيل أصحاب العمل للعاملات الأصغر سناً.
وتلفت إلى أن كثيراً من العاملات لا يعرفن حتى الجهة التي تشغلهن فعلياً، لأن العلاقة تتم عبر وسطاء ومقاولين، وهو ما يجعل المطالبة بالحقوق أو تقديم الشكاوى أمراً بالغ الصعوبة، خاصة مع الخصومات المرتبطة بالإنتاج أو الجودة، والخوف من فقدان فرصة العمل.
وتقدم شهادة ن.
ع.
ع، مديرة مدرسة سابقة في أم درمان، صورة أكثر قسوة عن بيئات العمل.
فبعد وصولها إلى مصر اضطرت للعمل في مصانع تعبئة الخضروات والفواكه، لكنها تؤكد أن المهام التي كُلّفت بها تجاوزت كثيراً ما تم الاتفاق عليه، إذ شملت حمل الأجولة الثقيلة وتقطيع الخضروات والعمل لساعات طويلة، ما تسبب لها في إصابة بالغضروف وآلام مزمنة في الظهر، إضافة إلى مشكلات في الجهاز التنفسي نتيجة العمل في أقسام تعبئة البصل والفواكه المجمدة في بيئة عمل غير مناسبة.
وتروي تجربة أخرى في أحد المصانع: “تم الاتفاق معي على أجر يومي قدره 400 جنيه مقابل العمل بنظام الإنتاج.
وبعد أن أنجزت تعبئة 50 صندوقاً من أصل 55، فوجئت عند استلام الأجر بحصولي فقط على 300 جنيه، بعد خصم 100 جنيه بحجة عدم تحقيق المعدل المطلوب”.
وتأكيدا لحديثها تقول أ.
ع إحدى العاملات بالمزارع: “ظروف العمل كانت غير مستقرة، حيث كانت العاملات يتعرضن أحياناً لعدم دفع الأجور أو يتم الاستغناء عنهن في نهاية يوم العمل دون الحصول على مقابل”.
وفي تجربة لاحقة أيضاً لـ(ن.
ع.
ع)، دخل فيها صاحب أحد المصانع إلى موقع الإنتاج وهو في حالة سكر، وبدأ بالصراخ وضرب الطاولات أمام العاملات، وعندما حاولت مغادرة المكان احتجاجاً على ما حدث، طُلب منها مواصلة العمل.
كما تعرضت لاحقاً لإصابة في إصبعها داخل مصنع آخر، لكن مسؤولة الإسعافات الأولية رفضت علاجها، واضطرت إلى تضميد جرحها بنفسها حتى لا تفقد أجرها.
وتقول عن معاناتهن: “بعض العاملات يتعرضن لمعاملة تمييزية أو تنمر من بعض المشرفين أو العاملات.
أنا مريضة بالسكري، بعض المشرفين يرفضون السماح لي باستخدام دورة المياه عند الحاجة رغم وضعي الصحي”.
وتختصر إحساسها بالتحول الذي فرضته الحرب بقولها: “كنت أحمل الطباشير والقلم، واليوم أتعرض للإهانة في أعمال لا تمت بصلة لما أمضيت سنوات أتعلمه وأدرسه.
كل ما أتمناه هو العودة إلى وطني”.
ولا تختلف تجربة هـ.
م.
ع، وهي خريجة حاسب آلي ومالكة روضة أطفال في السودان، عن سابقاتها.
فقد دفعتها الظروف الاقتصادية، إلى العمل في المزارع، ثم اضطرت لاحقاً إلى اصطحاب ابنتيها، البالغتين 17 و14 عاماً، للعمل معها حتى تتمكن الأسرة من دفع الإيجار وتأمين احتياجاتها الأساسية، في مشهد يعكس كيف امتدت آثار الحرب من فقدان الوظائف إلى تهديد مستقبل الأطفال وتعليمهم.
تقول: “يبدأ الدوام الأول في الخامسة صباحاً داخل مزارع العنب، ننتقل إلى مزرعة أخرى للعمل في حقول الفراولة.
كانت ساعات العمل طويلة وتتطلب إبقاء الأيدي مرفوعة لفترات ممتدة أثناء التعامل مع أشجار العنب، أو الانحناء المستمر أثناء حصاد الفراولة.
أما فترات الراحة فلم تكن تتجاوز عشر دقائق.
كانت الأجرة في بداية عام 2024 150 جنيهاً للدوام الواحد، ما دفعنا للعمل في فترتين يومياً للحصول على 300 جنيه.
كنا نضطر لإيقاف إحدى البنات عن العمل مؤقتاً عند اقتراب الامتحانات حتى تتمكن من الدراسة”.
”.
م.
خ.
ع، 26عاماً، تخرجت من المختبرات الطبية وتعمل في مزرعة فراولة تصف ظروف العمل بالقاسية وتقول: “إن العاملات لا يحصلن إلا على استراحة قصيرة واحدة لتناول الطعام بعد ساعات من العمل المتواصل.
ويتعرضن أحيانا لسرقة الطعام ومياه الشرب، في ظل غياب آليات واضحة للشكاوى أو الحماية.
تعرضت لمظاهر متكررة من العنصرية وسوء المعاملة.
”.
وتضيف إصابتها بحساسية جلدية نتيجة التعامل المباشر مع الأسمدة الكيميائية دون توفير قفازات أومعدات وقاية شخصية.
كما تلفت الانتباه إلى مخاطر النقل اليومي للعاملات، حيث كانت المركبات المستخدمة الى المزارع مكتظة بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية، مايزيد من احتمالات الحوادث ويضاعف مشقة التنقل.
د.
ب.
أ (39 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال تحمل تجربة مختلفة.
في العام 2023 وصلت إلى مصر حاملة خلفها مساراً علمياً ومهنياً متنوعاً؛ فهي مهندسة صناعات وخريجة كلية الطب، كما سبق أن حصلت على جائزة أفضل مخترعة شابة في سوريا.
رغم ذلك لم تمنحها هذه الخبرات حماية من واقع اللجوء والعمل الهش.
تنقلت بين عدة مناطق مصرية بحثاً عن العمل، واضطرت إلى العمل في المصانع والمزارع.
وبفضل خبرتها، تمت ترقيتها من عاملة إلى مهندسة بالمصنع.
لكنها تقول إن الترقية فتحت أمامها باباً من الضغوط والمضايقات.
باعتبارها منافساً غير مرغوب فيه، وبدأت محاولات لإفشالها مهنياً عبر خلط الشحنات المخصصة للتصدير وإلقاء المسؤولية عليها.
وتضيف أنها تعرضت لإهانات لفظية ومضايقات متكررة، قبل أن تتعرض في إحدى المرات لدفع عنيف من أحد المهندسين أدى إلى ارتطامها بالحائط.
ورغم انتقالها لاحقاً إلى إدارة الموارد البشرية، استمرت الضغوط النفسية والمهنية.
توضح أن راتبها الشهري كان يبلغ نحو ستة آلاف جنيه، ويصل إلى 15 ألفاً بعد إضافة البدلات والحوافز، إلا أن الخصومات الشهرية كانت تقتطع ما يقارب أربعة آلاف جنيه.
لتعود إلى العمل بنظام اليومية في مصانع ومزارع مختلفة بأجور تراوحت بين 140 و180 جنيهاً يومياً.
ثم عملت في رعاية إحدى المسنات، مستفيدة من خلفيتها الطبية، مقابل 200 جنيه يومياً، لكنها اضطرت إلى ترك العمل بعد تعرضها للتحرش من نجل صاحبة المنزل.
لتعود مرة أخرى للعمل في المصانع والمزارع.
تجربة و.
ع.
ع (39 عاماً) تحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال كانت الأفضل نسبياً، كانت تعمل في السودان في قسم العلاقات العامة بشركة طيران.
حصلت على فرصة عمل في مصنع للملابس النسائية، بمعدل تسع ساعات يومياً مقابل أجر أسبوعي 750 جنيهاً.
تقول عن السلامة: ” لم يوفر المصنع تجهيزات سلامة مهنية كافية، تعرضت إحدى العاملات لإصابة استدعت نقلها إلى المستشفى”.
اكتشف صاحب المصنع قدرتها على استخدام الحاسوب وإجادة القراءة والكتابة وإدارة المستندات، فتمت ترقيتها إلى قسم الحسابات مقابل راتب شهري 5500 جنيهاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك