كان الشاب الذي وقف في ميدان التحرير في يناير 2011 يهتف من أجل التغيير يبلغ من العمر عشرين أو خمسة وعشرين عاماً.
كان يحمل أحلاماً كبيرة عن المستقبل، ويعتقد أن السياسة قادرة على تغيير الحياة بسرعة، وأن المجتمع يقف على أعتاب عصر جديد.
وخلال سنوات قليلة وجد نفسه في مشهد مختلف تماماً؛ (ظرف اقتصادي صعب.
حرب على الإرهاب.
إعادة بناء الدولة ومؤسساتها)، بينما يعمل في وظيفة مرهقة، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يؤسس أسرة صغيرة، أو يحمل طفله الأول إلى المدرسة، بحيث أصبحت الأسئلة اليومية عن السكن والتعليم والأسعار والاستقرار أكثر حضوراً من الشعارات والهتافات.
لكن السنوات التي عاشها بين «يناير» و«يونيو» لم تغادره.
بقيت داخل وعيه، تشكل نظرته إلى الدولة والسياسة والمجتمع والحياة نفسها.
من هنا يطرح هذا المقال سؤالاً قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة: هل يوجد بالفعل شيء اسمه «جيل 30 يونيو»؟ليست كل الأحداث التاريخية قادرة على صناعة أجيال.
فهناك أحداث تمر سريعاً وتترك أثرها في المجال السياسي فقط، وهناك أحداث تتحول إلى لحظات مؤسِّسة تعيد تشكيل وعي قطاعات واسعة من المجتمع.
ويبدو أن الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2013 كانت من هذا النوع الاستثنائي.
لقد عاش ملايين المصريين خلال سنوات قليلة ما تعيشه بعض المجتمعات خلال عقود كاملة؛ (ثورة شعبية، وسقوط نظام سياسي، وانتخابات، وصعود قوى جديدة، واستقطاب حاد، ومظاهرات واسعة، وتغيرات متسارعة، ثم لحظة سياسية أخرى أعادت ترتيب المشهد بأكمله).
هذه الخبرة المشتركة صنعت جيلاً مختلفاً.
وعندما نتحدث عن «جيل 30 يونيو» فنحن لا نتحدث عن تنظيم سياسي، ولا عن تيار أيديولوجي، ولا عن كتلة انتخابية متجانسة.
كما أننا لا نقصد فقط الذين شاركوا في المظاهرات أو انخرطوا في العمل العام، وإنما نتحدث عن شريحة عُمرية تشكَّل وعيها في لحظة تاريخية فارقة.
إنها مجموعة من المصريين عاشوا الانتقال من الحلم إلى القلق، ومن الثورة إلى البحث عن الدولة، ومن الصراع السياسي إلى أولوية الاستقرار.
هذا الجيل، الذي يمكن اعتبار مواليد الفترة بين منتصف السبعينات ومنتصف التسعينات نواته الأساسية، كان خلال حراك يناير وثورة 30 يونيو في مرحلة تكوين الشخصية والطموح والعمل والأسرة.
ولذلك لم تكن الأحداث بالنسبة له مجرد أخبار يتابعها، بل كانت جزءاً من حياته اليومية ومستقبله الشخصي.
لقد كان هذا الجيل أول جيل مصري يعيش السياسة بصورة يومية ومباشرة.
وهو أول جيل استخدم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير والحشد والنقاش العام.
كما أنه أول جيل يشاهد خلال فترة قصيرة سقوط نظام سياسي وصعود قوى جديدة ثم تراجعها، ويختبر الأمل والخوف والانقسام والقلق في وقت واحد.
وربما كان أهم ما يميز هذا الجيل أنه خرج من تلك التجربة بأولويات مختلفة عما دخل بها.
فالكثير ممن كانوا يتحدثون قبل 2010 عن التغيير السياسي أصبحوا ما بعد 2013 يتحدثون عن فرص العمل، والاستقرار الاقتصادي، وجودة التعليم، ومستقبل الأبناء، وقدرة الدولة على مواجهة التحديات؛ بعد ما شاهدوه من مشاهد مروعة عن سقوط الدولة وانهيار مؤسساتها، والاقتتال الشعبي الذي زرعته جماعة الإخوان.
وليس معنى ذلك أن الأحلام القديمة اختفت، وإنما تغير ترتيب الأولويات تحت ضغط التجربة والخبرة والسنوات.
لقد انتقل قطاع واسع من هذا الجيل من التفكير في إسقاط الأنظمة إلى التفكير في بناء المؤسسات، ومن الانشغال بالشعارات الكبرى إلى الاهتمام بالتفاصيل اليومية التي تمس حياة الأسر والمجتمع.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك السنوات الاستثنائية، أصبح أبناء هذا الجيل يشغلون مواقع مهمة في المجتمع.
فهم المديرون والمهنيون والأطباء والمهندسون والمعلمون والصحفيون والموظفون وأصحاب الأعمال.
وهم أيضاً الآباء والأمهات الذين يربون جيلاً جديداً لم يعِش تلك الأحداث بنفسه.
ومن هنا تكتسب دراسة هذا الجيل أهميتها؛ ففهم التحولات التي طرأت عليه يساعد على فهم التحولات التي طرأت على المجتمع المصري كله.
هل تغيرت نظرة هذا الجيل إلى السياسة؟ كيف ينظر إلى الدولة؟ ماذا بقي من أحلامه الأولى؟ وما الذي تعلمه من سنوات الاضطراب والتحول؟ وكيف أثرت هذه التجربة على أولوياته ومخاوفه وطموحاته؟هذه الأسئلة لا تخص الماضي فقط، بل تتعلق أيضاً بمستقبل المجتمع المصري.
إن الفرضية الأساسية أن «جيل 30 يونيو» أصبح بالفعل ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة، ليس لأنه يحمل رأياً سياسياً واحداً، بل لأنه يحمل تجربة تاريخية مشتركة؛ تجربة صنعت وعياً جديداً، وأعادت ترتيب الأولويات، وغيّرت نظرة قطاع واسع من المصريين إلى السياسة والدولة والمجتمع.
وبعد أكثر من عقد على «يناير» و«يونيو»، ربما لم يعد السؤال الأهم هو «ماذا حدث في تلك السنوات؟ »، وإنما «ماذا فعلت تلك السنوات بالجيل الذي عاشها؟ ».
ذلك هو السؤال الذي يجب أن نجيب عنه؛ لأن فهم مصر اليوم قد يبدأ أولاً بفهم الجيل الذي عاش تلك اللحظة الفارقة، وما زال يحمل آثارها في ذاكرته وخياراته ونظرته إلى المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك