فى السينما المصرية أسماء كثيرة صنعت أفلامًا مهمة، وأسماء أخرى تركت بصمة فنية لا تُمحى، لكن قلة قليلة فقط استطاعت أن تتحول إلى حالة إنسانية وفكرية متكاملة، بحيث يصبح صاحبها امتدادًا طبيعيًا لأعماله، ويغدو أسلوب حياته انعكاسًا لرؤيته الفنية، ومن بين هؤلاء يأتى المخرج خيرى بشارة، الذى نحتفل اليوم بعيد ميلاده التاسع والثمانين، ليس فقط باعتباره أحد أهم مخرجى جيله، بل بوصفه واحدًا من أكثر الفنانين المصريين قدرة على التصالح مع الحياة والإنسان.
عندما أتأمل تجربة خيرى بشارة، أدرك أن سرها لا يكمن فى عدد الأفلام التى قدمها، ولا فى الجوائز التى حصدها، وإنما فى تلك النظرة الخاصة التى حملها للعالم.
آمن خيرى دائمًا بأن السينما ليست مجرد حرفة أو صناعة، بل رؤية للحياة، ودائمًا ما يردد أن المخرج الحقيقى هو صاحب رؤية قبل أى شىء آخر، وأن قيمة الفيلم لا تتحدد بحجمه أو ميزانيته، بل بصدق ما يقوله للناس.
منذ بداياته انحاز إلى الإنسان العادى، إلى المهمشين والبسطاء وأصحاب الأحلام الصغيرة؛ لم يبحث عن البطولة التقليدية، بل عن الإنسان فى لحظاته الأكثر صدقًا وضعفًا وجمالًا، ولذلك جاءت أفلامه مختلفة؛ تحمل روح الواقع، لكنها لا تتخلى أبدًا عن الشاعرية والخيال.
فى «الطوق والإسورة» قدم واحدة من أكثر التجارب السينمائية المصرية عمقًا وإنسانية، وفى «يوم مر.
يوم حلو» اقترب من تفاصيل الحياة اليومية بحس بالغ الرهافة، بينما بدا «آيس كريم فى جليم» وكأنه أغنية طويلة عن جيل يبحث عن الحرية والحب والأمل، وفى «العوامة 70» رسم صورة لجيل يعيش حالة من القلق والبحث عن المعنى وسط تحولات المجتمع، بينما قدم فى «قشر البندق» نموذجًا للسينما الشعبية الذكية التى تجمع بين المتعة والتأمل فى أحلام الطبقات البسيطة وطموحاتها، أما «أمريكا شيكا بيكا» فكان قراءة ساخرة لحلم الهجرة والسفر والبحث عن المستقبل، مقدما كوميديا خفيفة تخفى وراء ضحكاتها أسئلة اجتماعية وإنسانية حائرة، وجاء «كابوريا»، الذى تعرض فى بداياته لانتقادات قاسية، ليؤكد قدرة خيرى بشارة على المزج بين الحس الشعبى والرؤية الفنية الخاصة، قبل أن يتحول إلى واحد من أكثر أفلامه جماهيرية وحضورًا فى الذاكرة.
المدهش فى مسيرة خيرى بشارة أنه لم يكرر نفسه أبدًا.
فكل فيلم كان مغامرة جديدة، لكنه ظل يحتفظ دائمًا ببصمته الخاصة: الانحياز للإنسان، والإيمان بالحلم، والبحث عن الشعر المختبئ داخل تفاصيل الواقعنعم تكمن فرادة خيرى بشارة فى أنه لم يكن يشبه الصورة النمطية للمخرج المنعزل داخل عالمه الخاص؛ بل على العكس، ظل دائمًا قريبًا من الناس، محبًا للحياة، ومؤمنًا بالأجيال الجديدة، ومن يقترب منه يكتشف سريعًا أنه يحمل روح شاب لم تغادره الأحلام، مهما مرت السنوات.
أتذكره فى مهرجان مالمو للسينما العربية، يتحرك بين صناع الأفلام الشباب بحماس لافت، يصافحهم ويشجعهم ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يجعلهم يشعرون بأنهم أصحاب تجارب مهمة تستحق الاحترام، وكان يتعامل مع الجميع بمحبة حقيقية، وكأنه أب روحى لجيل كامل من السينمائيين العرب.
حتى فى لحظات إعلان الجوائز، لم يكن ينظر إلى الأفلام بمنطق الفائز والخاسر، بل بمنطق التجربة الإنسانية التى تستحق التقدير، وقال يومها إن كل الأفلام المشاركة تستحق الفوز، وكأن الرسالة الأهم بالنسبة إليه لم تكن المنافسة، بل استمرار الحلم.
هذه الروح المتسامحة انعكست أيضا على علاقته بالنقد، فعندما تحدث معى عن الهجوم الذى تعرض له فيلم «كابوريا» فى بدايات عرضه، اعترف بأنه تأثر بشدة، بل وبكى بعد العرض الخاص للفيلم؛ لم يكن البكاء بسبب النقد ذاته، وإنما لأن أحدًا لم يشعر وقتها بحجم الجهد والحب اللذين وضعهما داخل العمل، لكنه مع مرور السنوات تعلم أن يستقبل الأحكام بهدوء، مؤمنًا بأن الزمن هو الناقد الأكثر عدالة.
ويبدو أن هذا الإيمان بالحياة هو ما جعل خيرى بشارة يحتفظ بكل هذه الطاقة الإيجابية، فهو لا يحب تصدير الحزن للآخرين، ولا يفضل نشر الأخبار السلبية، وكأنه يدرك أن العالم يحمل ما يكفى من القسوة، وأن دور الفن والفنان هو أن يمنح الناس بعض الضوء والأمل.
وسار خيرى بشارة دائمًا وراء قلبه، لا وراء الحسابات؛ دافع عن استقلال رؤيته الفنية، وتمسك بقناعاته، ورفض أن يتنازل عما يؤمن به، وعندما شعر بأن الظروف لم تعد تسمح له بممارسة السينما بالطريقة التى يحبها، فضل الابتعاد على أن يتخلى عن مبادئه.
لهذا يبدو الاحتفاء بعيد ميلاده اليوم أكثر من مجرد مناسبة لتكريم مخرج كبير؛ إنه احتفاء بفكرة كاملة عن الفن والحياة؛ فكرة تقول إن المبدع الحقيقى لا يترك أثره فيما يصنعه فقط، بل فى الطريقة التى يعيش بها، وفى الطاقة التى ينقلها إلى من حوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك