عانى الحقل السياسي الفلسطيني، على مدى العقود الماضية، من غياب مؤسسة سياسية مستقرة.
وقد ترك هذا الغياب فراغاً ملأته البنية الفصائلية باعتبارها أحد أشكال المؤسسات الوسيطة بين الجمهور والسلطة، إلى أن أصبح المجال العام مساحة للخطابات الشعبوية على تنوعها، ما جعل المشهد السياسي ساحة لدهاقنة رأس المال الاجتماعي في ظل أزمة تمثيل مطلقة، حوّلت الفعل السياسي من ممارسة مؤسسية خاضعة للمساءلة إلى فضاء يغلب عليه الارتجال وتغيب عنه معايير الفعالية الاستراتيجية.
تتكامل رؤية عزمي بشارة في كتابه" في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ " مع أطروحة ريجيس دوبريه في تشريح بنية الفعل السياسي؛ فبينما يقدم بشارة التشخيص السياسي الدقيق لأزمة التمثيل الناتجة عن تآكل الوسائط المؤسسية، يمنحنا دوبريه التفسير الأنثروبولوجي والرمزي لآلية ملء هذا الفراغ عبر الارتداد نحو المرجعيات والأطر الصلبة.
هذا التواشج النظري يكشف أننا لا نواجه أزمة عابرة، بل بنية متماسكة من الارتداد الوجداني الذي يحل محل العقلانية السياسية.
يرى عزمي بشارة في كتابه أن الشعبوية في جوهرها نتاج مباشر لأزمة المؤسسات التمثيلية وتجريف الوسائط بين السلطة والجمهور، مثل البرلمانات والنقابات.
ولا يترك هذا التجريف المجال العام فارغاً، بل يفرز، وفق منظور دوبريه، ارتداداً نحو الوسائط البدائية والأطر غير العقلانية والانتماءات اللاإرادية.
يرى عزمي بشارة في كتابه أن الشعبوية في جوهرها نتاج مباشر لأزمة المؤسسات التمثيلية وتجريف الوسائط بين السلطة والجمهور، مثل البرلمانات والنقاباتوفي ضوء" نقد العقل السياسي" لدوبريه، تحولت الشرعيات التاريخية والنضالية إلى بنى جماعوية صلبة، ولم يعد الفعل السياسي يُقيَّم بناءً على إنجازاته، بل على قدرته على شحن المخيال الجمعي بالشعار.
فأصبحت مفاهيم التضحية والصمود والمقاومة شعارات معزولة عن أي أفق استراتيجي عقلاني، وتحول الحيز العام إلى ساحة للاستقطاب العاطفي الحاد، وأصبح سلوك الجماهير مدفوعاً بالتحيزات اللاإرادية.
يفكك دوبريه سمات الطبقة المنتجة للوعي السياسي، مشيراً إلى محركاتها الضمنية المتمثلة في السعي وراء المكانة والاعتراف الاجتماعي.
ويتجلى التواشج بين بشارة ودوبريه عند تشريح ظاهرتين تبدوان متناقضتين، ولكنهما تمثلان وجهي العملة ذاتها: الشعبوية العدمية وسوسيولوجيا الولاء الأعمى في فلسطين.
توضح أطروحة بشارة أن الشعبوية ليست حكراً على المعارضة أو الشارع الغاضب، بل ثمة شعبوية تعبوية من أعلى تمارسها السلطة الحاكمة أو التنظيم المهيمن.
في هذا النطاق، يُستخدم الخطاب الشعبوي لاحتجاز الوعي عبر اختزال الصراعات البنيوية المعقدة إلى ثنائية أخلاقية.
الفعل السياسي الفلسطيني يظل محبوساً في حلقة مفرغة، حيث يغذي الارتداد الوجداني نحو الأطر الصلبة غياب العقلانية المؤسسيةهنا، يتحول السلوك السياسي للفرد من فعل عقلاني خاضع لتقييم الأداء والمصلحة العامة إلى فعل دفاعي جماعوي بالمعنى الذي يصفه دوبريه، فلا تعود الجماعة حزباً يخطئ ويصيب، بل تصبح بنية منزهة تختزل الهوية والصوابية الوطنية.
بالمقابل، تنتج الشعبوية من أسفل باعتبارها ردة فعل على هذا الاحتجاز، لكنها تقع في الفخ ذاته؛ فتشيطن النخب والمؤسسات كافة بكراهية عدمية ترفض حتى الكفاءة المعرفية، وتدعو إلى هدم الأطر التنظيمية لصالح فوضى الشارع، ما يمنع تشكل أي بديل مؤسسي راسخ.
وفي سياق تحليل بنية الفراغ المؤسسي، تبرز النخب بوصفها عناصر وظيفية في دورة" إعادة إنتاج اللامعقول"، حيث ينقسم الفاعلون إلى فئتين تتكامل أدوارهما في إدامة الأزمة: النخبة الساعية للمكانة والنخبة المتنفذة.
تعمل النخبة الساعية للمكانة (المثقف الشعبوي) على استثمار غياب الأطر الناظمة لإنتاج خطاب يدغدغ العواطف الجمعية؛ فبدلاً من تشكيل وعي نقدي، تكتفي بإعادة إنتاج المقولات الشعبوية التي تكرس العفوية والارتجال، محولةً" صوت الشعب" إلى رأسمال رمزي يعزز نفوذها المعرفي والافتراضي دون السعي نحو بناء بدائل مؤسسية حقيقية.
وفي المقابل، تعمل النخبة المتنفذة على حماية مصالحها عبر تأبيد الفوضى البنيوية؛ إذ تسخر موقعها لتحويل المرتكزات الوطنية إلى شبكة من الولاءات الشخصية والجماعاتية، ما يفرغ المفاهيم الكبرى من محتواها التحرري ويحولها إلى أدوات ضبط وإخضاع تضمن استمرار هيمنتها على الفضاء العام.
إن استمرار هذا المشهد ليس عرضاً طارئاً، بل هو إعادة إنتاج بنيوية للفراغ المؤسسي؛ إذ تقتات النخب -بجانبيها المتنفذ والساعي للمكانة- على ديمومة هذا الفراغ.
وهكذا، يظل الفعل السياسي الفلسطيني محبوساً في حلقة مفرغة، حيث يغذي الارتداد الوجداني نحو الأطر الصلبة غياب العقلانية المؤسسية، ويضمن غياب المؤسسة استمرار هيمنة الشعبوية بوصفها اللغة الوحيدة المتاحة لتوليد الشرعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك