لطالما كانت العلاقة السورية - اللبنانية واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في المشرق العربي، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي والاقتصادي، وإنما أيضاً بفعل التحولات الإقليمية والدولية التي جعلت البلدين جزءاً من معادلات أمنية وسياسية أوسع، لذلك فإن أي نقاش حول احتمال عودة سورية إلى تدخل مباشر في لبنان لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة الإقليمية الراهنة، ولا عن التجربة التاريخية التي مرت بها دمشق في لبنان طيلة العقود الماضية.
فالسياسة لا تُبنى على الحنين إلى الماضي، وإنما على قراءة دقيقة للواقع، ولموازين القوى، وللمصلحة الوطنية.
إن البيئة الإقليمية التي سمحت لسورية في سبعينيات القرن الماضي بالدخول إلى لبنان لم تعد قائمة اليوم.
ففي تلك المرحلة، كانت المنطقة محكومة بمنطق الحرب الباردة، وكانت الدول الإقليمية تتحرك ضمن توازنات دولية تختلف تماماً عن الواقع الحالي.
كما أن الدولة الوطنية في كثير من بلدان المنطقة كانت لا تزال في طور تثبيت مؤسساتها، الأمر الذي أفسح المجال أمام أدوار إقليمية واسعة لبعض الدول.
أما اليوم، فقد تغيرت البيئة الإقليمية بصورة جذرية، فمنذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، شهد الشرق الأوسط سلسلة من الحروب والأزمات الممتدة في سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان، وما رافقها من تدخلات إقليمية ودولية واسعة.
إلا أن هذه الصراعات، بدلاً من أن تمنح القوى الإقليمية نفوذاً مستداماً، أثبتت أن التدخلات العسكرية طويلة الأمد تستنزف قدرات الدول اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وتنتج أعباءً تفوق، في كثير من الأحيان، المكاسب المتوقعة منها.
ومن هنا، فإن الحديث عن دخول سورية إلى لبنان يتجاهل حقيقة أن مفهوم الأمن القومي السوري نفسه قد تغير.
ففي السابق، كان يُنظر إلى النفوذ الإقليمي باعتباره إحدى أدوات حماية الأمن الوطني، أما اليوم فإن حماية الأمن تبدأ من الداخل، عبر تعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فالدولة التي لا تستقر داخلياً يصعب عليها أن تمارس دوراً خارجياً مستداماً.
إن الحديث عن دخول سورية إلى لبنان يتجاهل حقيقة أن مفهوم الأمن القومي السوري نفسه قد تغيرومن جهة أخرى، فإن التجربة السورية السابقة في لبنان تمثل، بحد ذاتها، مصدراً مهماً للدروس السياسية والاستراتيجية.
فمنذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 وحتى انسحابها عام 2005، مرت العلاقة بين البلدين بمراحل متعددة، شهدت نجاحات وإخفاقات، وتحولات في طبيعة الدور السوري تبعاً للظروف الداخلية اللبنانية والإقليمية والدولية.
ومع مرور الزمن، أصبحت كلفة هذا الوجود العسكري والسياسي أكبر من العائد الذي كان يُنتظر منه، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
لقد أظهرت تلك التجربة أن النفوذ القائم على الوجود العسكري يبقى مرتبطاً بظروف استثنائية، وأن استدامته تصبح أكثر صعوبة كلما تغيرت البيئة السياسية المحيطة.
كما كشفت أن أي حضور مباشر في الشؤون الداخلية لدولة أخرى يجلب معه مسؤوليات معقدة وتحديات متزايدة، ويجعل الدولة المتدخلة طرفاً في أزمات ليست، بالضرورة، جزءاً من أولوياتها الوطنية.
كذلك، فإن لبنان اليوم ليس لبنان الأمس.
فالبنية السياسية الداخلية، وطبيعة التوازنات الطائفية، وحجم التأثيرات الخارجية، كلها عوامل تغيرت بصورة كبيرة.
كما أن المجتمع اللبناني أصبح أكثر حساسية تجاه أي دور خارجي مباشر، مهما كانت مبرراته، وهو ما يجعل أي تدخل محتمل أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق أهدافه.
إن المصلحة السورية في المرحلة الراهنة لا تكمن في إعادة إنتاج أدوار الماضي، بل في الاستفادة من التجربة السابقة بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات.
فالدولة التي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب أصبحت أكثر إدراكاً لأهمية توجيه مواردها نحو إعادة الإعمار، وتحقيق التنمية، واستعادة دورها عبر أدوات السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، لا عبر التوسع العسكري.
التجربة السورية في لبنان، بكل تفاصيلها، تقدم نموذجاً واضحاً على أن النفوذ العسكري ليس دائماً الخيار الأفضل لتحقيق المصالح الوطنيةبالتالي، فإن الدول التي تتعلم من تجاربها التاريخية هي الأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.
والتجربة السورية في لبنان، بكل تفاصيلها، تقدم نموذجاً واضحاً على أن النفوذ العسكري ليس دائماً الخيار الأفضل لتحقيق المصالح الوطنية.
وفي المقابل، فإن بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل يمنح الدول قدرة أكبر على الحفاظ على نفوذها السياسي والمعنوي بصورة أكثر استقراراً وأقل كلفة.
في ضوء ذلك، فإن مقولة" لن تدخل سورية إلى لبنان" ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي تعبير عن قراءة جديدة لمفهوم المصلحة الوطنية السورية في ظل بيئة إقليمية مختلفة، ونظام دولي متغير، وتجربة تاريخية أثبتت أن نجاح الدول في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس بمساحة نفوذها العسكري، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار الداخلي، وبناء الشراكات، وتحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء للتعاون والتنمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك