عمان- وظف الأردن أدواته المتاحة، لضبط معدلات التضخم في السنوات الماضية، لتظل أقل بكثير من معدلاتها العالمية، برغم الصعوبات الاقتصادية والسياسية التي حلت بالمنطقة والعالم.
هذا التوظيف والضبط الاستباقي والإجراءات الحكومية والسياسات النقدية المرنة للبنك المركزي الأردني، نجحت بإبقاء الأسعار ضمن حدود آمنة، ووفرت بيئة اقتصادية مستقرة، عززت الصورة الإيجابية للاقتصاد الوطني.
ووفق أحدث المعطيات الإحصائية الرسمية، بلغ معدل التضخم في الأشهر الخمسة الأولى للعام الحالي، عند 1.
88 %، مقابل 1.
97 % للفترة نفسها من 2025.
كما أظهرت معطيات إحصائية محلية وعالمية، أن معدلات التضخم في المملكة بالسنوات الخمس الأخيرة، أقل من مثيلاتها العالمية، ووصلت لـ2.
198 % مقابل 5.
194 % عالميا، ما يؤشر إلى أن الأردن سيطر على موجة الغلاء التي دخلها العالم بين العامين 2021 و2025.
خبراء اقتصاد، بينوا أن استقرار التضخم يخدم المواطن بحماية قوته الشرائية، ويعزز ثقة المستثمرين، وأفادوا أن التوجيهات الملكية السامية بشأن تعزيز الأمن الغذائي، وزيادة الاستثمار بالصناعات الغذائية، أسهمت بضمان توافر السلع الأساسية، حتى في ظل اضطرابات النقل والشحن والتجارة العالمية.
وحسب تقرير" الآفاق الاقتصادية العالمية" الصادر عن البنك الدولي مؤخرا، تسبب اندلاع الحرب في المنطقة وصدمة سلاسل التوريد بقفز التضخم العالمي مجدداً، ليوجه مؤشر الأسعار الإجمالي 4 % العام الحالي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية 22 %، وقفزة تكاليف الشحن والتأمين البحري، ما دفع بالبنك لخفض توقعات النمو العالمي لـ2.
5 % للعام الحالي، مقابل 2.
9 % بالعام الماضي، جراء ضغوط الركود التضخمي.
واتخذ البنك المركزي إجراءات نقدية لضبط التضخم محليا، برفع أسعار الفائدة خلال فترة ارتفاع معدلات التضخم العالمية، لتقليل الطلب على الاقتراض والإنفاق، والحد من ارتفاع الأسعار، إضافةً للمحافظة على جاذبية الدينار واستقرار سعر الصرف، بحيث تعد هذه الأداة، من أهم وسائل السياسة النقدية المستخدمة للسيطرة على التضخم.
وعمل البنك المركزي، على تخفيض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي المفروض على البنوك، وهو الإجراء الذي أتاح للبنوك الاحتفاظ بجزء أقل من ودائعها لديه، ما وفر سيولة إضافية في القطاع المصرفي لدعم تمويل الأنشطة الاقتصادية، بحيث استخدم هذا الإجراء بصورة أساسية لتحفيز الاقتصاد وتخفيف آثار التباطؤ الاقتصادي، مع متابعة أثره على مستويات التضخم والسيولة.
وعلاوة على ذلك واصل" المركزي" إدارة السيولة في السوق عبر عمليات السوق المفتوحة وأدوات السياسة النقدية المختلفة، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية، لضمان استقرار سعر صرف الدينار والحد من التضخم المستورد.
وتعكس هذه الإجراءات سياسة نقدية متوازنة، تهدف إلى تحقيق استقرار الأسعار، ودعم النمو الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار المالي في المملكة.
يشار إلى أن احتساب الرقم القياسي لأسعار المستهلك (التضخم) محليا، يعتمد على سلة مواد استهلاكية تضم 850 سلعة منها 325 سلعة غذائية و525 غير غذائية، وعينة مسحية حجمها 3400 منشأة تجمع منها أسعار السلع والخدمات.
ممثل القطاع المالي والمصرفي في غرفة تجارة الأردن، فراس مروان سلطان، بين أن السياسات الاقتصادية والمالية للحكومة في السنوات الماضية، حمت القدرة الشرائية للمواطنين وحافظت على الاستقرار السعري في الأسواق، برغم التحديات التي شهدتها الأسواق العالمية.
وأوضح سلطان بأن الأردن نجح في الإبقاء على معدلات التضخم ضمن مستويات معتدلة وطبيعية مقارنة بالعديد من دول العالم، بفضل إجراءات وسياسات حكومية، استهدفت تعزيز الأمن الغذائي، وضمان استمرارية تدفق السلع الأساسية، والحد من انعكاسات ارتفاع الأسعار العالمية على المستهلكين.
وأشار إلى أن التنسيق المستمر بين السياسات المالية والنقدية، والرقابة على الأسواق وتوفير المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية، ساعد بتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على توازن الأسواق المحلية، ما انعكس إيجاباً على مستويات المعيشة وثقة المستهلكين والقطاع الخاص.
وأضاف سلطان، أن المحافظة على معدلات تضخم منخفضة ومستقرة تعزز من جاذبية الاقتصاد للاستثمار، وتدعم النمو الاقتصادي المستدام، مؤكداً أهمية مواصلة السياسات التي تحقق التوازن بين تحفيز النشاط الاقتصادي وحماية المواطنين من الضغوط التضخمية.
كما أشار إلى أن السياسات النقدية الحكيمة التي ينتهجها" المركزي"، لعبت دوراً محورياً بتعزيز الاستقرار النقدي والمالي، والمحافظة على سعر صرف الدينار، بما حد من الضغوط التضخمية وعزز الثقة بالاقتصاد.
من جهته، قال رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك، د.
محمد عبيدات، إن السياسات الحكومية في ظل التوترات الإقليمية، حمت المواطنين من ارتفاعات السلع الأساسية والتموينية، باستثناء بعضها.
مضيفا أن إجراءات الحكومة مثل وقف التصدير وتثبيت تحمل جزء من الارتفاع العالمي الذي طال أسعار المحروقات، وتخفيض كلف الشحن والنقل ثبت أسعار السلع والمواد.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي، منير ديه، أن السياسات الحكومية والقرارات التي اتخذت العام الحالي، لها دور كبير بإبقاء معدلات التضخم ضمن حدود مستقرة، وأقل من النسب عالميا برغم التوترات بالمنطقة، وارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية واضطراب سلاسل التوريد والشحن البحري وزيادة أسعار المواد الخام، ونقص إمدادات الطاقة، ما دفع معظم أسعار السلع والخدمات للارتفاع عالميا.
وقال دية، " إن الأردن استطاع عبر إجراءات عدة الحد من تأثير ارتفاع الأسعار محلياً ما تسبب ببقاء مستويات الأسعار ضمن نطاقها المحدود، وبما يتوافق مع قدرة المواطن الشرائية".
وأضاف أن" من أبرز تلك الإجراءات التي حافظات على معدلات التضخم ضمن نطاقها المعتاد، إبقاء القطاعات الاقتصادية الرئيسة تعمل دون توقف، بخاصة الإنتاجية كالزراعة والصناعة، ما ساهم باستمرار توفير مخزونات المواد الغذائية الأساسية والخضراوات والفواكه بكميات كبيرة في الأسواق المحلية".
وتابع: " كان لاستمرار عمل الموانئ والمطارات والمنافذ البرية دور كبير بتوفير السلع، والمحافظة على مخزونات آمنة من الطاقة والسلع الأساسية تكفي لأشهر طويلة، ما أعطى مزيدا من الاستقرار، وحافظ على استقرار السلوك الاستهلاكي".
وأكد دية، أن لسياسات الدعم الحكومي الموجهة لأسطوانة الغاز والخبز وتثبيت أسعارهما، ودعم فرق أسعار المحروقات والكهرباء دورا مهما بالمحافظة على استقرار الأسعار ودعم القدرة الشرائية وتقليل الكلف قدر الإمكان.
وأشار إلى الدور الذي لعبه" المركزي" للمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار ومعدلات فائدة مستقرة وسياسة نقدية متوازنة، ضبطت معدلات التضخم والمحافظة على مستويات السيولة في السوق المحلية.
بدوره، أكد الخبير حسام عايش، أن حماية القدرة الشرائية، والحفاظ على الاستقرار السعري، أولوية أساسية للحكومات، وركيزة رئيسة للاستقرار المعيشي.
مبينا أن" من أبرز القرارات التي اتخذت أخيراً في هذا الإطار زيادة الـ30 ديناراً للموظفين، لتسهم بتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الاستقرار المعيشي".
وأشار عايش، إلى أن التضخم في الأردن تراجع بعد أن سجل أعلى مستوياته في عام 2022 عند 4.
23 %، مقارنة بـ7.
19 % عالمياً، ما يعكس استمرار حالة الاستقرار السعري والمعيشي حتى في الفترات الاقتصادية الأكثر صعوبة.
وأوضح بأن هذه المؤشرات تدل على أن معدل التضخم في الأردن ظل دون 2 %، وهو المستوى الذي تسعى اقتصادات وبنوك مركزية في العالم لتحقيقه للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
معزيا هذا الاستقرار لعوامل، أبرزها توافر المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية والطاقة، ما وفر للحكومة مرونة في التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، لا سيما خلال التطورات الجيوسياسية الأخيرة.
وأشار عايش، إلى أن التوجيهات الملكية المتعلقة بتعزيز الأمن الغذائي وزيادة الاستثمار في الصناعات الغذائية، أسهمت بضمان استمرارية توافر السلع الأساسية في الأسواق، حتى في ظل اضطرابات النقل والشحن والتجارة العالمية.
وأكد أن تنويع مصادر التوريد والاستيراد، لعب دوراً مهماً بتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل آثار التقلبات الخارجية، إلى جانب دور" المركزي" بالحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار وتعزيز الثقة بالاقتصاد.
موضحا بأن الحديث عن التضخم يتعلق بالمستويات العامة للأسعار، وليس بحركة أسعار بعض السلع بشكل منفرد.
وأشار عايش، إلى أن الأردن شأنه شأن العديد من دول العالم، شهد تقلبات سعرية في بعض السلع، لكن المستوى العام للأسعار بقي ضمن حدود معتدلة مقارنة بالعديد من الدول.
لافتا إلى أن المعدل العام للأسعار في الأردن ظل دون المستويات المرتفعة التي شهدتها دول بالعالم، مشيرا إلى أن قرارات" المركزي"، ومنها خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي النقدي، وفرت سيولة إضافية في السوق تقدر بنحو 760 مليون دينار، ما دعم القطاع الخاص.
وأوضح بأن الصناعات الوطنية تؤدي اليوم أدواراً اقتصادية، إذ ارتفعت الصادرات الأردنية من السلع والمنتجات الوطنية لأسواق عالمية، كما أصبحت هذه الصناعات بديلا للعديد من المستوردات من حيث الجودة والأسعار، ما وفر منتجات محلية ذات محتوى وطني، وضبط الأسعار وعزز استقرار الأسواق.
وبين عايش، أن تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية عبر صندوق المعونة الوطنية، وزيادة مخصصاته، لعب دوراً مهماً بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتوفير شبكة أمان، أرست الاستقرار المعيشي.
وأكد أن إجراءات ضبط الإنفاق الحكومي، من العوامل التي حافظت على الاستقرار الاقتصادي، وحدت من الهدر والإنفاق، ما انعكس إيجاباً على استقرار الأسعار.
ولفت إلى أن المؤسستين المدنية والعسكرية تمثلان عاملَي استقرار مهمين، وأن جهود تعزيز التكامل بينهما، ستسهم بزيادة مستويات الاستقرار السعري، والحد من الضغوط التضخمية، بما يحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
مبينا أن احتياطيات المملكة من العملات الأجنبية توفر قدرة إستراتيجية على تمويل المستوردات والتدخل عند الحاجة، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية والدولية المتقلبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك