عمان - لم يعد أحمد الزعبي (34 عاما)، وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة في العاصمة عمان ويقيم في قرية خرجا بمحافظة إربد، يبدأ يومه بالتوجه إلى موقف الباصات في قريته، بل بانتظار سيارة توصيل خصوصية تقلّه مع ثلاثة ركاب آخرين إلى مكان عمله.
في السابق كان يعتمد على النقل العام، إلا أن تعدد نقاط التوقف، وعدم انتظام مواعيد الانطلاق، واضطراره إلى تبديل أكثر من وسيلة نقل، كلها أمور كانت تجعله يصل إلى عمله متأخرا رغم خروجه من منزله قبل الفجر، واليوم يدفع أجرة مضاعفة تقريبا مقارنة بالنقل العام، لكنه يرى أن الساعة التي يوفرها في كل رحلة تستحق هذا العبء المالي، قائلا: " قد يكون ما أدفعه شهريا ثقيلا على دخلي، لكن خسارة الوقت أصبحت أكثر كلفة بالنسبة لي".
اضافة اعلانقصة أحمد ليست استثناء، بل تعكس واقعا يعيشه عدد من الأردنيين الذين يتنقلون يوميا بين المحافظات للعمل أو الدراسة أو مراجعة المستشفيات والدوائر الحكومية.
فبالنسبة لكثيرين، أصبحت المركبات الخصوصية، أو ما يُعرف بين الناس بـ" التوصيلة"، خيارا اضطراريا، لا بحثا عن الرفاهية، للهروب من ساعات الانتظار، وتعدد وسائل النقل، وعدم انتظام بعض الرحلات، رغم ما يترتب على ذلك من أعباء مالية إضافية تثقل ميزانياتهم.
بالنسبة لموظفين وطلبة ومرضى ومراجعين للدوائر الرسمية، لم تعد المشكلة في توفر وسيلة نقل فحسب، بل في عدد الساعات التي تستنزفها الرحلة قبل الوصول، من انتظار الحافلة حتى تمتلئ، ثم استخدام أكثر من وسيلة داخل المدينة أو بين المواقف، ما يجعل" التوصيلة" خيارا اضطراريا لا ترفا، واضطرهم للبحث عن وسيلة تضمن الوصول في الوقت المحدد، حتى وإن كان ثمنها أعلى.
هذا ما تعيشه روان أحمد، وهي طالبة جامعية تقيم في مليح بمحافظة مادبا وتدرس في إحدى الجامعات خارج محافظتها.
تقول إن رحلة الذهاب إلى الجامعة تبدأ بوسيلة نقل داخل المدينة، ثم حافلة بين المحافظات، قبل أن تضطر إلى استخدام وسيلة ثالثة للوصول إلى جامعتها.
وتضيف: " في بعض الأيام كنت أصل إلى المحاضرة الأولى متأخرة بسبب الانتظار أو تأخر انطلاق الحافلة، لذلك أصبحت أتفق مع عدد من الطالبات على استئجار (توصيلة) بشكل شبه يومي".
وتوضح أن كلفة التنقل ارتفعت بصورة ملحوظة، لكنها في المقابل وفرت ساعات كانت تقضيها في المواقف وعلى الأرصفة، وأصبحت تستثمرها في الدراسة أو العودة إلى منزلها في وقت أبكر.
أما هناء المومني، وهي سيدة خمسينية من عجلون، فتجد نفسها أمام معادلة مختلفة، فهي تراجع أحد المستشفيات الحكومية في العاصمة عمان بصورة دورية، وتقول إن أي تأخير قد يعني خسارة موعد طبي والانتظار أسابيع للحصول على موعد جديد.
وتضيف: " النقل العام أقل كلفة، لكنني لا أستطيع المخاطرة بالوقت، لذلك أختار المركبة الخصوصية رغم أن تكلفتها أعلى".
وتوضح أن المشكلة لا تكمن في أجرة الرحلة فحسب، وإنما في اضطرارها إلى تبديل أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى المستشفى، وهو ما يزيد الوقت والجهد، خاصة مع حالتها الصحية.
وتكشف هذه القصص جانبا من واقع يعيشه كثير من المواطنين، إذ بات الوقت عنصرا حاسما في اختيار وسيلة النقل، وأصبحوا يعتمدون على رحلات مباشرة وأكثر انتظاما، في ظل ما يصفونه بصعوبة الاعتماد على النقل العام في بعض المسارات بين المحافظات؛ فالمركبات الخصوصية توفر الوصول الأسرع، لكنها ترفع كلفة التنقل اليومية والشهرية، خصوصا على ذوي الدخل المحدود.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور قاسم الحموري أن أجور النقل في الأردن تشكل عبئا كبيرا على المواطنين، خصوصا ذوي الدخل المحدود، إذ تستحوذ على جزء مهم من دخول العاملين في محافظات بعيدة عن أماكن سكنهم.
ويشير إلى أن كثيرا من الموظفين يضطرون إلى استخدام المركبات الخصوصية العاملة بين المحافظات لتوفير الوقت، رغم أنها تزيد من أعبائهم المالية، بينما يتجه آخرون إلى شراء مركبات خاصة، وما يرافق ذلك من أقساط وقروض وكلف تشغيل وصيانة.
ويؤكد الحموري أن هذا الواقع يعكس الحاجة إلى تطوير وتنظيم منظومة النقل العام في الأردن، بحيث تصبح أكثر كفاءة وانتظاما، وتوفر للمواطن خيارات عملية تقلل زمن الرحلة وكلفتها في آن واحد، داعيا إلى تسهيل وترخيص وسائل نقل منتظمة وآمنة تسهم في تلبية احتياجات المواطنين اليومية.
وبين مركبة عامة أقل كلفة لكنها تستنزف الوقت، وأخرى خصوصية تختصر الطريق لكنها تثقل الجيب، يجد كثير من الأردنيين أنفسهم أمام معادلة يومية صعبة؛ فهم لا يشترون مقعدا في سيارة بقدر ما يشترون ساعة إضافية من يومهم، في انتظار أن تصبح الرحلة بين المحافظات أقل استنزافا للوقت.
وللدخل أيضا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك