عمان- لا تتشابه الأفلام الثلاثة التي يضمها برنامج" أيام الفيلم الباكستاني" في موضوعاتها أو أساليبها، لكنها تبدو وكأنها تتحاور مع بعضها بعضاً.
فكل واحد منها ينطلق من حكاية مختلفة، إلا أنه يعود في النهاية إلى الأسئلة نفسها: كيف يتعامل المجتمع الباكستاني مع التغيير؟ وأين يقف الموروث أمام التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة؟ وكيف تحاول السينما التعبير عن هذا التحول من خلال أشكال سردية متباينة؟ اضافة اعلانتأتي هذه العروض ضمن" أيام الفيلم الباكستاني" التي تنظمها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام بالتعاون مع السفارة الباكستانية في عمّان بمسرح الرينبو، لتقدم عينة متباينة تلخص الاتجاهات المعاصرة لصناعة السينما هناك.
ويكتسب هذا الاختيار أهميته عند وضعه في سياق تحولات السينما الباكستانية (لوليوود)، والتي شهدت العصر الذهبي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل تراجعها الحاد إثر التغيرات السياسية وصعود التلفزيون والمنافسة الهندية، ليمثل عام 2007 نقطة تحول مفصلية بفيلم" خدا كي لي" للمخرج شعيب منصور، والذي أعاد الثقة للمنتجين وحرك الصناعة في مسارات متعددة تمزقها الرغبة بين محاكاة الإنتاجات الضخمة والالتزام بالواقعية الاجتماعية.
يظهر الخيط الموضوعي المشترك بوضوح عند النظر إلى الأعمال الثلاثة معاً كبرنامج موحد؛ ففي" ميري أوران" يدور الصراع داخل بيئة أسرية تصطدم فيها طموحات امرأة شابة بعقلية ذكورية تحتكر المهن، بينما يستحضر" عمرو أيار: بداية جديدة" بطلاً من التراث الشعبي ليدمجه في عالم معاصر يعتمد على الفانتازيا والمؤثرات البصرية، في حين يذهب" تشالاي تاي ساث" نحو رتم هادئ يجعل من لقاء طبيبة باكستانية وسائح صيني مدخلاً لبناء جسور إنسانية عابرة للثقافات.
ولا تتقاطع هذه التوجهات عند فكرة التغيير فحسب، بل في تعاملها مع فكرة الانعتاق من القيود؛ سواء كانت عوائق اجتماعية تفرضها التقاليد الجندرية، أو حواجز واقعية يكسرها الخيال الأسطوري، أو فوارق جغرافية تتراجع أمام التواصل البشري.
وفي الوقت نفسه، تقدم الأعمال صورة بانورامية متنوعة عن البلاد؛ من المدن الحديثة بتناقضاتها الطبقية، إلى الموروث الراسخ في الوعي الجمعي، وصولاً إلى الطبيعة الجبلية لشمال باكستان التي تحولت من مجرد خلفية بصرية إلى عنصر درامي يحرك الأحداث، ليتحول البرنامج في النهاية إلى رحلة استكشافية داخل مجتمع يتغير باستمرار، بدلاً من كونه مجرد أفلام يجمعها بلد إنتاج واحد.
" ميري أوران".
حين يظل نجاح المرأة موضع تفاوض داخل الأسرةيبدأ البرنامج بفيلم" ميري أوران"، وهو اختيار يحمل دلالة تتجاوز موضوعه الاجتماعي.
فالعمل ليس في الأصل فيلماً سينمائياً، بل تلي-فيلم أنتجته قناة Geo TV، وهو ما يعكس واحدة من أبرز سمات الصناعة الباكستانية اليوم، حيث تتداخل حدود التلفزيون والسينما إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما، فالكتاب والمخرجون والممثلون ينتقلون باستمرار بين الوسيطين، كما تنتقل طرق الإنتاج وأسلوب السرد، الأمر الذي جعل التلفزيون جزءاً أساسياً من هوية السينما الباكستانية المعاصرة.
تدور أحداث الفيلم حول" روها"، طالبة الهندسة المعمارية التي تحلم بتأسيس شركة مقاولات تحمل اسمها، لكنها تصطدم بعائلة ترى أن هذا المجال لا يناسب النساء مهما بلغت كفاءتهن.
هذه الفكرة ليست جديدة في السينما الآسيوية أو العربية، إلا أن الفيلم يبتعد نسبياً عن تحويلها إلى خطاب مباشر، ويفضل مراقبة التفاصيل اليومية التي تكشف كيف تتحول التقاليد إلى جزء من الحياة العادية، وكيف يمارس المجتمع ضغوطه من داخل البيت قبل أن يفرضها الخارج.
يعتمد الفيلم على الأداء أكثر من الأحداث، إذ يبني التوتر من خلال الحوارات والنظرات والعلاقات داخل الأسرة، بينما تستخدم الكاميرا اللقطات القريبة لإبراز الضغوط النفسية التي تعيشها البطلة.
كما تنجح المخرجتان موسكان كادواني وشهرزاد شيخ في خلق إيقاع هادئ يمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن تناقضاتها، دون اللجوء إلى مشاهد صدامية مبالغ فيها.
لكن شخصيات الفيلم التي تعارض البطلة تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى أدوات درامية منها إلى شخصيات تمتلك دوافع معقدة، وهو ما يجعل الصراع يميل أحياناً إلى الثنائية التقليدية بين التقدم والمحافظة.
كما أن النهاية تقترب من الحلول السهلة مقارنة بالأسئلة التي يطرحها الفيلم في بدايته.
ومع ذلك، يبقى" ميري أوران" عملاً ينجح في التقاط جانب من الواقع الاجتماعي الباكستاني، أكثر مما يسعى إلى تقديم خطاب عن تمكين المرأة.
" عمرو أيار: بداية جديدة".
طموح بصري أكبر من قوة الحكايةينتقل البرنامج بعد ذلك إلى" عمرو أيار: بداية جديدة"، وهو الفيلم الأكثر اختلافاً بين الأعمال الثلاثة، لأنه يبتعد عن الواقعية الاجتماعية ويتجه إلى الفانتازيا، مستلهماً شخصية" عمرو أيار" من الأدب الأردي والفارسي الكلاسيكي.
ويعكس هذا الاختيار رغبة السينما الباكستانية في دخول مساحة الإنتاج التجاري واسع النطاق، ومحاولة بناء سلسلة محلية من أفلام الأبطال الخارقين تستند إلى تراثها الثقافي، بدلاً من استنساخ الشخصيات الغربية، والذي اخرجه أظفر جفري.
منذ مشاهده الأولى، يراهن الفيلم على الصورة، فالمؤثرات البصرية وتصميم العالم الخيالي وحركة الكاميرا تكشف حجم الاستثمار الإنتاجي والطموح التقني، وهو إنجاز لا يمكن تجاهله إذا ما قورن بحجم الميزانيات المعتاد في السينما الباكستانية.
كما أن توظيف الأسطورة المحلية يمنح الفيلم خصوصية ثقافية، ويبعده عن مجرد تقليد مباشر للنماذج الهوليوودية.
إلا أن هذا الطموح البصري لا يجد ما يوازيه في السيناريو.
فالأحداث تتسارع على حساب بناء الشخصيات، ويتحول البطل إلى" منقذ" بسرعة لا تمنح المشاهد وقتاً كافياً لفهم تحوله الداخلي.
كما أن الشخصيات الشريرة تبدو محدودة الدوافع، ويغلب على الصراع الطابع الاستعراضي أكثر من التطور الدرامي.
ومع ذلك، يكشف" عمرو أيار" عن اتجاه مهم داخل السينما الباكستانية، يتمثل في استعادة الموروث الشعبي وتقديمه بلغة بصرية معاصرة.
فحتى وإن لم يحقق الفيلم التوازن الكامل بين الشكل والمضمون، فإنه يعبر عن رغبة واضحة في توسيع آفاق الصناعة المحلية، والخروج من القوالب التي ارتبطت بها لسنوات طويلة.
" تشالاي تاي ساث".
الطبيعة بطلة ثانية في فيلم يبحث عن التقارب الإنسانيأما فيلم" تشالاي تاي ساث" لمخرجه عمر عادل، فيبتعد عن صخب الفانتازيا ليقدم تجربة أكثر هدوءاً وإنسانية.
تدور الأحداث حول علاقة تنشأ بين الطبيبة الباكستانية" ريشام" والسائح الصيني" آدم" خلال رحلة في شمال باكستان، حيث تتحول الجبال والقرى والمناظر الطبيعية إلى جزء أساسي من السرد، وجزء من الأحداث.
يعتمد الفيلم على إيقاع بطيء، ويمنح مساحة كبيرة للصمت ولتفاصيل الحياة اليومية، في محاولة لبناء علاقة تتجاوز اختلاف اللغة والثقافة.
كما يطرح فكرة الانفتاح على الآخر بعيداً عن الصراعات السياسية، وهو توجه لا يظهر كثيراً في السينما الباكستانية التي انشغلت طويلاً بالقضايا الداخلية.
لكن هذا الخيار الجمالي يأتي على حساب البناء الدرامي في بعض الأحيان.
فالفيلم يراهن كثيراً على جمال المكان، حتى يبدو وكأنه يمنح المناظر الطبيعية دور البطولة، بينما تتراجع الحبكة إلى الخلف.
ولذلك شعر عدد من النقاد بأن الشخصيات لا تتطور بالقدر الكافي، وأن الصراع يبقى محدوداً مقارنة بما يتيحه موضوع الفيلم من إمكانات.
ورغم ذلك، ينجح" تشالاي تاي ساث" في تقديم صورة مختلفة عن باكستان، بعيداً عن الصور النمطية المرتبطة بالسياسة أو الصراعات الأمنية.
فهو يقدم بلداً متعدد الثقافات، غنيّاً بطبيعته، ومنفتحاً على الحوار مع الآخر، وهي زاوية تمنح الفيلم قيمته الأساسية حتى وإن لم يكن الأكثر إحكاماً على مستوى الكتابة.
قد لا تمثل هذه الأفلام أفضل ما أنتجته السينما الباكستانية، بقدر ما تعكس صناعة تعيش مرحلة انتقالية وتبحث عن هويتها بين شاشة التلفزيون الممول الرئيسي للنجوم، وسحر الفضاء السينمائي.
تتأرجح العروض بين الواقعية والفانتازيا، وبين استعادة التراث والانفتاح على الآخر، لتكشف عن حراك يسعى لتجاوز كم الإنتاج نحو صياغة لغة فنية تخاطب الداخل وتصل إلى العالم.
ورغم الطموح البصري الواضح، يظل البحث مستمراً عن التوازن المفقود بين قوة النص والقدرة على التعبير عن مجتمع يتغير باستمرار، ليمثل كل فيلم اتجاهاً مستقلاً في مسيرة سينمائية تبحث عن توازنها بين الطموح التجاري والهم الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك