يثير انفلات الفضاء الرقمي في العراق مخاوف متجدّدة من تحوله إلى ساحة مفتوحة لحملات التحريض والتشهير وخطاب الكراهية، فضلاً عن نشر الشائعات، مع عدم وجود ضوابط قانونية للمحاسبة، في وقت لا يزال فيه قانون الجرائم الإلكترونية يراوح مكانه داخل البرلمان منذ أكثر من عقد من الزمن، وسط خلافات حادة بشأن مواده السجالية أساساً، ومخاوف من محاولات تسييسه وتأثيره على حرية التعبير.
ومع كل أزمة سياسية أو أمنية أو اجتماعية في البلد غير المستقر، تعود حملات التحريض الرقمي إلى الواجهة، وما لها من انعكاسات وتأثيرات على السلم المجتمعي، فيما تثار تساؤلات حول قدرة الدولة على حماية المجتمع من تلك المخاطر، وحول الأثر الاجتماعي للفراغ التشريعي المزمن.
المواطن خالد صالح (44 عاماً) وهو موظف حكومي من أهالي بغداد، يرى أن مواقع التواصل أصبحت بالنسبة إلى كثير من العراقيين" مصدر قلق" أكثر من كونها وسيلة للتواصل.
يضيف لـ" العربي الجديد"، أنه" في كل حدث أو أزمة سياسية نجد عشرات الصفحات والحسابات تنشر معلومات مثيرة قد تكون غير صحيحة، وتحرض ضد أشخاص ومجموعات معينة، وأحياناً تتحول هذه المنشورات إلى سبب لمشكلات حقيقية على أرض الواقع"، مشدداً على أن" غياب قانون واضح يحاسب على مثل هذه الظواهر، أسهم في اتساعها كثيراً".
لكنه، في الوقت ذاته، يرى أن" أي تشريع جديد يجب ألّا يتحول إلى وسيلة لتكميم الأفواه أو منع المواطنين من التعبير عن آرائهم".
ولا ينحصر تأثير التحريض الرقمي بالجانب السياسي فحسب، إذ يطاول قضايا اجتماعية وعشائرية وحتى شخصية، فيمكن لمنشور أو تسجيل مصور أو إشاعة إلكترونية أن يشعل خلافات واسعة.
ترى الطالبة الجامعية، نور عبيد، أن" كثيراً من الشباب باتوا يتعرضون لحملات تنمر وتشويه سمعة عبر الإنترنت، من دون وجود حماية قانونية"، مضيفة لـ" العربي الجديد": " أحياناً تنتشر اتهامات أو صور أو مقاطع مجتزأة لأشخاص، وبعد أيام يتبين أنها غير صحيحة، لكن الضرر يكون قد وقع بالفعل".
يرى ناشطون أن المشكلة لا تكمن في غياب قانون خاص بالجرائم الإلكترونية وحسب، بل حتى في طبيعة القانون المقترح نفسه.
بدوره، يقول الناشط المدني، رائد الهاشمي، إنّ" المجتمع العراقي يحتاج إلى تشريع حديث يحارب الابتزاز والتحريض وخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لا يحتاج إلى قانون يوسع دائرة التجريم أو يضع قيوداً إضافية على حرية التعبير"، مشيراً لـ" العربي الجديد"، إلى أن" الفراغ التشريعي الحالي يسمح بكثير من الانتهاكات الرقمية، لكن في الوقت نفسه تثير الصيغ المطروحة للقانون مخاوف واسعة لأنها استخدمت مصطلحات فضفاضة يمكن تفسيرها بطرق متعددة".
يشير إلى أن" التجارب الدولية الناجحة تركز على حماية المستخدمين والبيانات الشخصية والبنية التحتية الرقمية، مع ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين والصحافيين والناشطين".
السجال بشأن قانون الجرائم الإلكترونية في العراق يعود إلى سنوات طويلة منذ العام 2011، الذي ظهرت أولى مسوداته عام 2011 قبل أن تواجه اعتراضات واسعة أدت إلى سحبها، ثم عاد المشروع إلى الواجهة بصيغ مختلفة بعد عام 2019 من دون أن ينجح البرلمان في إقراره حتى الآن، ويعتمد القضاء العراقي في معالجة العديد من القضايا المرتبطة بالنشر الإلكتروني على نصوص واردة في قانون العقوبات العراقي، وهو قانون وضع قبل العالم الرقمي بعقود طويلة.
وبحسب الخبير بالشأن القانوني، إبراهيم السعدي، فإنّ التطور الحاصل في وسائل الاتصال أوجد أنماطاً جديدة من الجرائم لم تكن موجودة عند تشريع القوانين التقليدية في السابق، موضحاً لـ" العربي الجديد"، أن" الابتزاز الإلكتروني واختراق الحسابات وسرقة البيانات والاحتيال الرقمي والتحريض والتشهير تحتاج إلى أدوات قانونية متخصّصة وآليات تحقيق تتناسب مع طبيعة الأدلة الرقمية".
وقال إنّ" التحدي لا يتمثل في ضرورة إصدار قانون جديد فحسب، بل في صياغة نصوص دقيقة وواضحة تفرق بين الجريمة الإلكترونية الفعلية، وبين ممارسة حق التعبير والنشر المشروع"، مشدداً على أن" استمرار الفراغ التشريعي يترك المجتمع أمام تحدٍ صعب، فالمواطنون يواجهون يومياً مخاطر متزايدة تتعلق بالجرائم الإلكترونية، فيما تتعثر محاولات بناء إطار قانوني متوازن يحمي المجتمع من تلك الجرائم ويحافظ على الحقوق والحريات الدستورية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك