لا يزال وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران هشا وقابلا للانهيار في أي لحظة.
فالتوقف المؤقت للمواجهات العسكرية لا يعني انتهاء أسبابها، كما أن المفاوضات الجارية بين الطرفين بشأن الملفات العالقة، سواء المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أو بالعقوبات أو بالترتيبات الأمنية الإقليمية، لا تزال بعيدة عن إنتاج تفاهمات مستقرة يمكن البناء عليها.
وفي ظل استمرار احتمالات العودة إلى المواجهات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، تصبح دول الخليج العربي الطرف الأكثر تعرضا للأضرار الأمنية والاقتصادية، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضا بحكم تشابك مصالحها مع الولايات المتحدة من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، واعتمادها لعقود طويلة على المظلة الدفاعية الأمريكية باعتبارها الضامن الرئيسي لأمنها.
غير أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن هذا الاعتماد لم يعد كافيا، وربما لم يعد ممكنا بالصيغة التي استقر عليها منذ نهاية الحرب الباردة.
فالولايات المتحدة نفسها تعيد تعريف أولوياتها الاستراتيجية، وتقلص تدريجيا انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط لصالح تركيز أكبر على المنافسة مع الصين في آسيا وعلى مواجهة روسيا في أوروبا.
وحتى عندما تتدخل عسكريا، كما حدث خلال المواجهات الأخيرة مع إيران، فإن تدخلها يخدم بالأساس حساباتها الاستراتيجية الخاصة، وليس بالضرورة متطلبات الأمن الخليجي أو الاستقرار الإقليمي.
ومن ثم، فإن استمرار المواجهات العسكرية الأمريكية الإيرانية، أو حتى استمرار احتمالات تجددها، يهدد بإفشال المفاوضات السياسية، ويجعل وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، ويضع دول الخليج أمام واقع بالغ الخطورة.
فكل جولة جديدة من التصعيد تحمل معها احتمالات استهداف المنشآت النفطية، وتعطيل الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الاستثمارات، وإرباك خطط التنمية الاقتصادية الطموحة التي تتبناها دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأمن الخليجي لا يمكن أن يبقى رهينة للتقلبات في العلاقات الأمريكية الإيرانية.
فحين تتجه واشنطن إلى التفاوض مع طهران، تتراجع أولويات الردع العسكري، وحين تنهار المفاوضات تعود لغة القوة والتصعيد.
وبين هذين الخيارين تتحمل دول الخليج كلفة عدم الاستقرار، رغم أنها ليست الطرف الذي يحدد اتجاه العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي المقابل، لا يبدو منطقيا أيضا أن تراهن دول الخليج على بناء الثقة مع إيران باعتباره المدخل الوحيد لضمان الأمن الإقليمي.
فالتجربة الممتدة منذ أربعة عقود تشير إلى أن العلاقات الإيرانية الخليجية ظلت محكومة بالتوتر وعدم اليقين، حتى في الفترات التي شهدت حوارات دبلوماسية أو استئناف العلاقات السياسية.
صحيح أن استعادة العلاقات السعودية الإيرانية مثلت خطوة إيجابية نحو خفض التوتر، وأن الحوار المباشر أفضل دائما من القطيعة، إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة أن السياسات الإيرانية في الإقليم ظلت مصدر قلق دائم للدول الخليجية، سواء بسبب برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو بسبب دعم طهران لقوى مسلحة غير حكومية، أو بسبب استمرار توظيف النفوذ الإقليمي كأداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ومن هنا فإن استحالة بناء الثقة الكاملة مع إيران لا تعني استحالة الحوار معها، وإنما تعني ضرورة الفصل بين الحوار السياسي وبين ترتيبات الأمن القومي.
فالدول لا تبني أمنها على حسن النوايا، وإنما على مزيج من الردع والقدرات الذاتية والتحالفات المتوازنة والمؤسسات الإقليمية القادرة على إدارة الأزمات ومنع تحولها إلى حروب.
إن ما تحتاج إليه دول الخليج اليوم ليس استبدال المظلة الأمريكية بمظلة أخرى، وإنما الانتقال تدريجيا إلى مفهوم مختلف للأمن، يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتطوير الصناعات العسكرية الوطنية، وتكامل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي بين دول مجلس التعاون، وتوحيد أنظمة الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بصورة مؤسسية، ورفع جاهزية القوات المشتركة لمواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية.
إن ما تحتاج إليه دول الخليج اليوم ليس استبدال المظلة الأمريكية بمظلة أخرى، وإنما الانتقال تدريجيا إلى مفهوم مختلف للأمن، يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك