في قروب الواتس" عشاق الكلمة الجميلة" قفزت رسالة من بين زحام الرسائل؛ صورة لتغريدة، وهذا نصها: " ومن أقسى صور إقصاء المشاعر أن يتحدث الإنسان عما يؤلمه، فيقال له: أنت تبالغ.
سطرٌ قصير، لكنه يختزل منعرجات مرَّ بها كل من سمع عبارة: «أنت تبالغ».
انهالت الردود وكأنها نصالٌ نُزعت من القلوب؛ أجمع أصحابها على أنهم مروا بهذه العبارة مشاعرَ ومواقفَ، ولم يختلفوا إلا في صورة التهوين التي تلقَّوها.
عندها تساءلت: هل أصبح التهوين لغةً اجتماعية نتحدث بها دون أن نشعر؟وأرى أن كثيرًا من الناس يخلطون بين جبر الخاطر والتهوين، فيظنون أن تقليل شأن الألم يخفف من أثره، بينما قد يكون أول خطوة في كسر صاحبه.
فالتهوين ليس رحمةً مستعجلة، بل هروبٌ مستعجل يعالج قلق السامع لا ألم المتحدث.
ومن بين التعليقات الكثيرة سأكتفي بالكلمات التي أوجعت أصحابها:«أنت حساس» — وهذه العبارة المتداولة ليست حكمًا على الفعل أو الحدث، بل حكمٌ على الشخص نفسه.
وإذا كانت هذه كلمات، فهناك أفعال أشد قسوة منها.
هناك من ينظر إلى هاتفه، أو يستأذن وأنت في قمة حديثك، أو يقطع كلامك لينادي شخصًا آخر، أو يغيّر الموضوع فجأة، أو يجيبك بجواب يكشف أنه لم يسمع منك شيئًا.
وهناك من يدخل معك في منافسة ليقنعك أن ما يعيشه أقسى مما تعيشه.
وربما كانت هذه المواقف أشد وقعًا من عبارة" أنت تبالغ"؛ لأنها تقول للمتحدث بصمت: حديثك ليس مهمًا.
ولا يعلم السامع أن من خصَّه بالحديث قد يكون وثق به، ووجد عنده ما فقده في الآخرين.
فهو لا يطلب منا أن نحمل عنه همَّه، ولا أن نحل مشكلته في دقائق، وإنما يريد أن يتكلم.
فالكلام ليس نقلًا للمعلومات فحسب، بل هو أنفاس ضغط، وأنفاس ثقة، وأنفاس إنسانية.
وبعض الناس لا يبحث عن حل، وإنما يبحث عن قلب يتسع له حتى يلتقط أنفاسه.
ولا يعلم من يظن أن سلوكه مجرد تهوين، أنه قد يضيف إلى حمل المتحدث حملًا آخر؛ كسرًا لخاطره، وتهوينًا لمشاعره، وإلغاءً لتجربته، وإحراجًا يدفعه إلى الصمت؛ فيخرج من الحديث وهو يحمل مشكلته، ويحمل معها شعورًا بأنه أخطأ حين وثق بمن أمامه.
ولو تبادل هذا المقاطِع الأدوار وكان هو المتحدث، فهل سيرضى أن ينظر محدثه إلى هاتفه؟ وهل سيرضى أن يقاطعه أحد قبل أن يكمل جملة واحدة؟ فالنفوس لا ترضى لغيرها ما تكره أن يقع عليها، ولذلك جاء التوجيه النبوي الجامع:«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»وهذا الحديث لا يتحدث عن المواقف الكبرى فحسب، بل عن لحظة الإنصات أيضًا.
وقد كان النبي ﷺ يقبل على محدثه بوجهه، ويمنحه تمام الإنصات والاحترام، وما كان ذلك إلا أثرًا من آثار خلقٍ شهد له القرآن.
فحسن الاستماع ليس مهارة اجتماعية نتعلمها في دورات التواصل فحسب، بل خلقٌ إنساني أصيل جسَّده النبي ﷺ قبل أن تُسمَّى به الدورات.
لسنا مطالبين أن نوافق كل من يحدثنا، ولا أن نتبنى وجهة نظره، ولا أن نجد لكل مشكلة حلًا، لكننا مطالبون ألا نكسر قلبًا جاء يبحث عن دقائق من الإنصات.
إن بعض الناس لا يحتاج إلى نصيحة، وإنما يحتاج إلى من يمنحه كامل حضوره.
أما الجبر الحقيقي، فليس أن تستعجل الحلول، ولا أن تصغر الألم، بل أن تمنح الإنسان وقتًا يشعر فيه أنه مسموع، وأن قلبه لم يُهمَل، وأنه لم يبقَ وحده في مواجهة وجعه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك