تتزايد في العراق المخاوف من تحول الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى بديل عن الدور التربوي للأسر في ظل ضغوط معيشية ونفسية دفعت الكثير من الآباء والأمهات إلى الاعتماد على الشاشات لإشغال الأطفال أو تهدئتهم، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد لذلك على السلوك والعلاقات الأسرية.
ويرى عراقيون أن الأجهزة الذكية ليست مجرد وسيلة ترفيه داخل البيوت، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للأطفال، بدءاً من مشاهدة المقاطع القصيرة، وإدمان الألعاب الإلكترونية، وصولاً إلى قضاء ساعات طويلة على تطبيقات التواصل والمنصات الرقمية، في حين يقر كثير من الأهالي بصعوبة فرض رقابة مستمرة في ظل عدم وجود بدائل حقيقية.
واتخذت السلطات العراقية خلال العاملين الأخيرين حزمة واسعة من قرارات التنظيم المتعلقة بشبكة الإنترنت، شملت حظر ألعاب ومواقع الكترونية مختلفة اعتبرتها محرضة على العنف، أو مخالفة للقيم والتقاليد، وأخرى ذات محتوى إباحي.
تقول أم مصطفى، وهي موظفة وأم لثلاثة أطفال من بغداد، لـ" العربي الجديد"، إن" الهاتف بات وسيلة نجاة يومية أكثر من كونه خياراً تربوياً.
ضغوط العمل والبيت تجعل من الصعب ملاحقة الأطفال طوال الوقت، خصوصاً حين تكون الأم مرهقة بين العمل ومتطلبات المنزل، فيتحول الهاتف إلى وسيلة لإبقاء الأطفال هادئين"، مشيرة إلى أن أبناءها يقضون ساعات طويلة في مشاهدة مقاطع الفيديو، أو ممارسة الألعاب الإلكترونية.
ويؤكد مختصون أن الاعتماد المتزايد على الهواتف داخل الأسر العراقية يرتبط بجملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها ضيق المساحات الترفيهية، وارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر طويلة من السنة، فضلاً عن تراجع الأنشطة المجتمعية التقليدية التي تستوعب الأطفال.
ويقول الباحث الاجتماعي زيدون الطائي إن" الأسرة العراقية شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات واضحة في شكل العلاقة بين الأهل والأطفال، إذ دخلت التكنولوجيا طرفاً ثالثاً ضمن إطار التربية"، ويوضح لـ" العربي الجديد" أن" الكثير من الأهل لا يلجؤون إلى الهاتف لمجرد لترفيه، بل بوصفه أداة لضبط سلوك الأطفال أو تهدئتهم، ما يجعل الطفل أكثر ارتباطاً بالشاشة، وأقل ارتباطاً بالتفاعل الأسري المباشر".
ويرى الطائي أن" الأزمة لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بطبيعة الضغوط التي تعيشها الأسر، فالأوضاع المعيشية المتردية، والعمل ساعات طويلة، والقلق المستمر، كلها عوامل تدفع الأهل إلى البحث عن حلول سريعة، حتى لو كانت تخلف آثاراً سلبية".
وبدأت انعكاسات هذا الواقع تظهر بوضوح داخل المدارس من خلال تراجع التفاعل الاجتماعي لدى بعض الأطفال، وزيادة التوتر والانفعال، أو ضعف التركيز.
يقول المعلم في إحدى مدارس بغداد الابتدائية هادي الغزي: " بعض الأطفال باتوا يجدون صعوبة في الانخراط في الأنشطة الجماعية، أو التواصل الطبيعي مع زملائهم، وهناك طلاب يفضلون العزلة، أو الحديث عن الألعاب الإلكترونية والشخصيات الرقمية أكثر من اهتمامهم بالأنشطة المدرسية، ونلاحظ، نحن المعلمين، تراجع قدرة الأطفال على التركيز لفترات طويلة بسبب الاعتياد على المحتوى السريع الذي تفرضه المنصات الرقمية".
ولا يقتصر الأمر على الجانب السلوكي، إذ يحذر مختصون من أن الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية قد يؤدي إلى تراجع الروابط العائلية مع تركيز كل فرد على عالمه الرقمي الخاص.
ويقول الباحث زيدون الطائي إن" المشكلة لا تكمن في وجود التكنولوجيا، بل في غياب التوازن"، موضحاً أن" بعض الأسر أصبحت تعتمد على الهاتف بوصفه وسيلة لإدارة وقت الأطفال من دون تنظيم واضح أو متابعة حقيقية للمحتوى الذي يتعرضون له.
عندما يقضي الطفل ساعات طويلة أمام الشاشة من دون تفاعل إنساني كافٍ، فإنه يصبح أكثر عرضة للعزلة وضعف المهارات الاجتماعية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك