تواجه الحكومة المصرية اختباراً اقتصادياً وسياسياً معقداً، بعد الهبوط الحاد في أسعار النفط والغاز العالمية، بالإضافة إلى تراجع سعر الدولار من نحو 54 جنيهاً بعد اندلاع الحرب الأميركية ضد إيران إلى نحو 49.
2 جنيهاً أمس الاثنين؛ إذ تتزايد الضغوط من المواطنين، والقطاعين الصناعي والزراعي، وأعضاء بمجلس النواب لخفض أسعار الوقود والغاز والكهرباء، بينما تتمسك الحكومة في المقابل بالتزاماتها أمام صندوق النقد الدولي باستكمال إصلاحات قطاع الطاقة وتقليص الدعم، تمهيداً للحصول على نحو 1.
6 مليار دولار بعد إنهاء المراجعة السابعة، ودفعة أخيرة بالقيمة نفسها ضمن المرحلة الثامنة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، ويُتوقع صرفهما خلال الخريف المقبل.
ويأتي الجدل المتصاعد حول أسعار الطاقة وسط مطالبة شعبية وبرلمانية للحكومة بالالتزام بتعهداتها بخفض الأسعار، عقب رفعها مع بداية التوترات العسكرية الأخيرة في منطقة الخليج؛ إذ سارعت الحكومة خلال شهري مارس/ آذار وإبريل/ نيسان الماضيين إلى رفع أسعار الوقود والغاز والكهرباء لمواكبة قفزات أسعار الطاقة العالمية، في حين لم تشهد السوق المحلية حتى الآن خفضاً مماثلاً رغم عودة الأسعار العالمية إلى مستويات ما قبل الأزمة، وهو ما أبقى تكاليف الإنتاج مرتفعة، وشكّل ضغطاً مستمراً على أسعار السلع والخدمات والغذاء والأسمدة ومواد البناء بالأسواق.
ويرى خبراء اقتصاد وطاقة أن تراجع النفط والغاز يهيئ الظروف لخفض تدريجي في تكلفة الإنتاج المحلية، غير أن الحكومة تبدو حريصة، خلال صياغة موازنة العام المالي 2026-2027 التي يبدأ العمل بها الأسبوع المقبل، على الموازنة بين تخفيف الأعباء عن المواطنين والحفاظ على مستهدفات برنامجها الاقتصادي.
في هذا السياق، يوضح عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية محمد البهي أنه مع اندلاع الأزمة الأخيرة، تجاوز سعر خام برنت 120 دولاراً للبرميل، وقفز الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 18 دولاراً للمليون وحدة حرارية، وسط مخاوف من إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات الطاقة.
وأشار البهي إلى أنه بعد إعلان وقف العمليات العسكرية وعودة الملاحة إلى طبيعتها، تراجعت المخاوف وعادت الأسواق إلى الهدوء؛ فانخفض خام برنت إلى أقل من 75 دولاراً للبرميل، أي بتراجع يقارب 40% عن فترة الذروة، كما هبطت أسعار الغاز الطبيعي بصورة ملحوظة مع استقرار الإمدادات.
وأكد البهي في تصريحات لـ" العربي الجديد" أنه رغم زيادة أسعار الكهرباء للقطاعات المنزلية والصناعية والزراعية بمعدلات فاقت 30%، والمحروقات بمعدلات زادت عن الضعف لبعض القطاعات الصناعية، فإن تراجع الحكومة عن تلك الزيادات لن يكون أمراً عاجلاً أو سهلاً.
وأضاف أنه رغم الهدوء الحالي، فإن استمرار بعض التوترات العسكرية والعدوان الإسرائيلي على لبنان وغزة يؤججان حالة الاضطراب الجيوسياسي في المنطقة، مما يدفع الحكومة إلى التمهل لحين استقرار الأوضاع لفترة أطول.
وشدد البهي على ضرورة التزام الحكومة بإعادة النظر في الرسوم الباهظة التي فرضتها على تصدير الأسمدة وبعض المنتجات الصناعية المستهلكة كثيفة الطاقة، بما يمكن المصانع من تحقيق هامش ربح يجعلها قادرة على الصمود أمام موجات الغلاء المحلية الناتجة عن زيادة تكاليف التشغيل وأجور العاملين والضرائب.
كما أشار إلى ضرورة التزام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بما أعلنه في ذروة الأزمة بأن" الحكومة ستعيد تقييم أسعار الوقود إذا استقرت الأسواق العالمية وتراجعت أسعار النفط"، وهو الوعد الذي يدفع الأسواق لتوقع مراجعة سريعة للأسعار المحلية، على الرغم من أن لجنة تسعير الطاقة بمجلس الوزراء لم تعلن حتى الآن عن أي تخفيضات، ولم تجتمع بالمستثمرين الصناعيين لمناقشة هذا الملف.
كانت الحكومة قد أقرت موجتين من زيادات أسعار الطاقة؛ أبرزها ما جرى في إبريل 2026، حيث ارتفعت أسعار مختلف أنواع المحروقات منها زيادة سعر لتر بنزين (80) من 13.
75 إلى 15.
75 جنيهاً بنحو 15%، وبنزين (92) من 15.
25 إلى 17.
25 جنيهاً بنحو 13%، وأعقبت ذلك زيادة جديدة في أسعار الكهرباء تراوحت حسب شرائح الاستهلاك بين 10% و30%، مع زيادات أكبر على بعض الأنشطة التجارية والصناعية ضمن خطة إعادة هيكلة قطاع الطاقة.
وانعكست هذه الزيادات سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج، ثم انتقلت مباشرة إلى أسعار الغذاء والخضراوات والفاكهة والسلع الاستهلاكية ومواد البناء.
وفي السياق ذاته، رصدت" العربي الجديد" شكاوى متكررة من المواطنين والمزارعين؛ إذ أبدى مزارعون استياءهم من استمرار الارتفاع القياسي في أسعار الأسمدة رغم انخفاض الغاز عالمياً، في حين أكد تجار أن تكاليف النقل والإنتاج لم تنخفض بما يسمح بعودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
ويفسر البهي ذلك بأن انخفاض النفط العالمي لا ينعكس تلقائياً على أسعار الوقود محلياً، لأن تكلفة المنتجات البترولية ترتبط بعوامل أخرى مثل النقل، والتكرير، والشحن، وسعر الصرف؛ إلا أنه أشار إلى أن استمرار هبوط الأسواق العالمية لفترة مناسبة سيتيح للحكومة مساحة لإعادة التقييم.
من جانبه، أوضح أستاذ هندسة البترول والطاقة إبراهيم القليوبي أن الحكومة التزمت سابقاً بإعادة النظر في الأسعار عند استقرار الأسواق، مشيراً إلى أن انخفاض النفط والغاز يقلص تكلفة الطاقة تدريجياً، لكنه يظل عنصراً واحداً ضمن معادلة تسعير معقدة تشمل النفقات السيادية والالتزامات الدولية.
انتقل الجدل حول أسعار المحروقات والكهرباء والأسمدة من الشارع إلى أروقة مجلس النواب.
فخلال مناقشة لجنة الزراعة والري لأزمة الأسمدة مؤخراً، أكد رئيس اللجنة السيد القصير أن الملف أصبح يمس الأمن الغذائي مباشرة، محذراً من استمرار نقص الأسمدة وتأخر صرفها وارتفاع أسعارها في السوق الحرة.
وطالب القصير الحكومة بإعادة النظر في منظومة التوزيع، ومعالجة مشكلات" بطاقة الفلاح الرقمية" وتشديد الرقابة على السوق السوداء.
واستدعت اللجنة وزراء البترول، والزراعة، والتموين، والصناعة، والمالية، والاستثمار للاجتماع الأسبوع المقبل لوضع حلول عاجلة.
وفي السياق ذاته، طالب الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب رضا عبد السلام الحكومة بخفض أسعار البنزين بنحو ثلاثة جنيهات للتر، معتبراً في بيان برلماني أن" الظروف الاستثنائية التي استندت إليها الحكومة في رفع الأسعار لم تعد قائمة بنفس القوة".
وعقب الانتقادات البرلمانية، تحركت وزارة الزراعة لاحتواء الأزمة؛ إذ أكد رئيس الإدارة المركزية للمديريات بوزارة الزراعة محمد شطا أن منظومة توزيع الأسمدة المدعمة تعمل بكامل طاقتها ويتم الصرف بالسعر الرسمي دون أي رسوم إضافية.
وصرح الأمين العام للجمعية المصرية لموزعي وتجار الأسمدة عمر الدجوي بأن أسعار السوق الحرة تراجعت بالفعل من مستويات قاربت 30 ألف جنيه للطن إلى نحو 24 ألف جنيه، لكنها لا تزال أعلى من السعر بالأسواق العالمية، مشيراً إلى أن السعر العادل يدور حول 22 ألف جنيه للطن، لافتاً إلى أن المزارعين يشترون نحو 40% إلى 50% من احتياجاتهم من السوق الحرة، مما يجعل استمرار الارتفاع عبئاً مباشراً على كلفة الإنتاج الزراعي.
في مفارقة لافتة، بدأت شركات الأسمدة التي حققت أرباحاً طائلة خلال أشهر الحرب والتوترات تواجه ضغوطاً من نوع آخر؛ فخلال الأزمة قفزت أسعار تصدير اليوريا المصرية إلى نحو 835 دولاراً للطن مستفيدة من اضطراب الإمدادات، لكن مع تراجع حدة الأزمة عادت الأسعار العالمية إلى مستويات أقل من 500 دولار للطن، مما أدى إلى تقلص هوامش أرباح الشركات.
ويشير خبراء إلى أن تراجع أرباح الشركات التي لا تزال تحصل على الغاز محلياً بأسعار مرتفعة، دفع الحكومة إلى إلغاء رسم الصادر الثابت البالغ 90 دولاراً للطن، واستبداله برسم متغير يعادل 10% من قيمة الشحنة اعتباراً من مطلع يوليو/ تموز 2026، لمنح الصادرات مرونة أكبر في مواجهة تقلبات السوق العالمية.
في المقابل، تؤكد وزارة البترول أن صناعة الأسمدة لا تزال تحقق أداءً قوياً؛ إذ أشار بيان رسمي إلى أن انتظام إمدادات الغاز رفع معدلات تشغيل المصانع إلى أكثر من 90%، فيما بلغت صادرات اليوريا المصرية خلال عام 2025 نحو 9.
4 مليارات دولار، بنمو سنوي بلغ 7.
4%.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك