فرضت التطورات الجيوسياسية التي حلت بأوروبا خلال الأعوام الأخيرة مع غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، مقاربة جديدة لقضايا الحماية المدنية في ألمانيا.
ومن أبرز تجليات هذه المقاربة إقرار وزراء داخلية الولايات الألمانية في ختام مؤتمرهم منتصف الشهر الحالي في هامبورغ، خطة ألمانية شاملة للدفاع المدني للتعامل مع الأزمات والحروب والمخاطر المحتملة.
فما هي آليات الخطة بالتحديد وأهدافها وأوجه القصور فيها؟ وكيف سيصار إلى ربطها بالهياكل الأمنية؟من الحماية المدنية إلى الدفاع المدنيبحكم أن حماية السكان خلال التوترات الأمنية والحروب والكوارث هي من مسؤولية الأجهزة المدنية بالتعاون مع تلك العسكرية، تعمل برلين على تعزيز مرونتها وقدرتها بسرعة الاستجابة للإنقاذ والحماية.
وفي هذا السياق بيّنت وزارة الداخلية الاتحادية، أن مؤتمر وزراء داخلية الولايات، حظي بنقاشات واسعة ومطالب عديدة بدءاً من بناء احتياطات وطنية لتأمين البنية التحتية، مروراً بتكييف الصلاحيات القانونية لإدارة الدفاع المدني وفق مفهوم شامل، إلى جانب تحديد الجهة المسؤولة عن تمويل الاستثمار لتحقيق الحماية.
تتضمن خطة وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت إنشاء وحدة باسم" قيادة الدفاع المدني" لربط الهياكل العسكرية بهياكل الدفاع المدنيولضمان الاستعدادات في هذا الشأن سيتم بالتعاون مع الولايات وحتى عام 2029؛ العام الذي ستكون فيه روسيا بحسب أجهزة الاستخبارات الألمانية قادرة على شن هجوم عسكري على حلف شمال الأطلسي" ناتو"، العمل على رفع مستوى التنسيق الكافي بين مختلف الأجهزة المعنية.
ويتضمن إقرار الحكومة خطة ألمانية شاملة للدفاع المدني إنشاء وحدة جديدة باسم" قيادة الدفاع المدني" لربط الهياكل العسكرية بهياكل الدفاع المدني.
وسيمكّن الاستثمار المقدر بحوالي 10.
2 مليارات يورو لتوفير الدفاع المدني، بحسب خطة وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت، الجهات المعنية بالمضي بالاستعدادات لضمان سلامة العمليات في حالات الطوارئ، وانخراط الدفاع العسكري بالمدني من خلال خطط مشتركة لجعل البلاد قادرة على مواجهة الأزمات بالتعاون الوثيق.
وسيتحقق ذلك من خلال رفع مستوى مرافق الحماية وأنظمة الإنذار والاتصالات والمعدات الحديثة والتقنيات المتطورة، وتسجيل جميع الملاجئ العامة مثل المخابئ والأقبية المحصنة ومحطات المترو في البلاد، ودمجها في نظام الإنذار الرقمي للحكومة الفيدرالية وتطبيق نظام الإنذار" نينا" (إشعارات عاجلة للهواتف الذكية حول حالات الطوارئ في ألمانيا)، إلى جانب توسيع شبكة صفارات الإنذار المتقطعة (الإنذار المبكر)، والتي تشمل التحذير أيضاً من المخاطر التي تشكلها الكوارث الطبيعية والأوبئة.
دعم وكالات الإغاثة والإنقاذبيّنت القناة الثانية في التلفزيون الألماني" زد دي أف"، أن التركيز سينصب بشكل أساسي على دعم الوكالة الاتحادية للإغاثة الفنية والتي تضم 2200 موظف بدوام كامل ونحو 88 ألف متطوع.
وسيتضمن البرنامج توفير أماكن إقامة مناسبة في الفروع التابعة للوكالة وتوسيع قدرات مراكزها اللوجستية بما في ذلك ألف مركبة متخصصة جديدة، واستثمار الأموال في الكوادر والمعدات والتكنولوجيا.
وتصل قيمة ما سيتم صرفه لما يقارب 3 مليارات يورو تقريباً.
علما أن الوكالة المذكورة اكتسبت خبرة من خلال التدريبات والانتشار المنتظم، بينها على سبيل المثال العاملون في مجال الإغاثة والمشاركة في عمليات الإنقاذ الخارجية بعد حصول الزلازل، ومساعدة المتضررين من الفيضانات المدمرة التي عاشتها مقاطعات ألمانية عام 2021 ضمن عملية واسعة النطاق.
ومن خلال المكتب الاتحادي للحماية المدنية والمساعدة في حالات الكوارث، ستوفر الحكومة الاتحادية للولايات مركبات متخصصة، مثل تلك المخصصة لنقل المصابين بجروح خطيرة، وتعزيز" قوة المهام الطبية" التي أنشئت في عام 2023، إذ سيتم تشغيل 61 موقعاً في جميع أنحاء البلاد مع تعزيز كبير لقدراتها، ما سيسمح لها بتقديم الرعاية الطبية الأولية في حال وقوع حوادث ذات إصابات بشرية واسعة النطاق وتوفير الإمدادات الطبية لهذا الغرض.
كما سيتم استثمار حوالي 150 مليون يورو في تعزيز إمدادات مياه الشرب وحفر آبار للطوارئ بحلول عام 2029.
في المقابل، لا يوجد توجّه لبناء ملاجئ جديدة لأنه يعتبر من المستحيل تجهيزها لأكثر من 80 مليون نسمة (سكان ألمانيا).
وكلفت البلديات والولايات بدراسة مدى إمكانية استخدام أماكن أخرى، مثل مواقف السيارات تحت الأرض ومحطات المترو وحتى الملاجئ السابقة.
تغير المشهد الأمني الأوروبيفي ظل سعي الحكومة الألمانية لتغيير واقع العجز عن حماية المواطنين في أوقات الأزمات بتمويل ضخم، اعتبرت الباحثة في علم الاجتماع السياسي سيلفي فون غلاين، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن ذلك ينطلق من ركيزة أساسية مفادها أن الدفاع المدني الشامل لا يمكن أن ينجح في الأزمات إلا من خلال التعاون الوثيق والتطوير للقدرات المدنية والعسكرية على حد سواء، بالتالي أن يشمل الإنفاق الفيدرالي الحماية المدنية.
سيلفي فون غلاين: ألمانيا بعدما أهملت الاستثمار في نظام الحماية المدنية، باتت مضطرة لتعزيزه تداركاً للأسوأوأضافت أن ألمانيا بعدما أهملت الاستثمار في نظام الحماية المدنية، باتت مضطرة لتعزيزه تداركاً للأسوأ بعدما أضحت الإجراءات غير كافية، وسط الشكاوى المتكررة من أجهزتها ومؤسساتها المدنية وتعطل المعدات وعدم كفاية الموظفين ونقص التمويل الولوج لخطة قصيرة الأمد أولاً.
وأشارت إلى أن ذلك يأتي في ظل تغير المشهد الأمني الأوروبي، والزيادة الملحوظة للتقارير المتعلقة بعمليات التخريب والهجمات على البنية التحتية الحيوية، ولا سيما تغير المناخ والاحتباس الحراري والكوارث الطبيعية.
والأهم في إقرار خطة ألمانية شاملة للدفاع المدني وتنفيذها، بحسب فون غلاين، أن التعاون والتنسيق سيكون أوسع بين الجيش الألماني والدفاع المدني، وسيتلاشى نسبياً الحد الفاصل بين الأمن العسكري والمدني.
هذا الأمر أكده وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مشاركته في آخر يوم من المؤتمر، مشدداً على حتمية إجراء تدريبات مشتركة بين الأجهزة العسكرية والمدنية في ظل التهديدات الراهنة.
واعتبر بيستوريوس أنه لا ضرورة لخطة مدنية ألمانية منفصلة إلى جانب خطة العمليات العسكرية الألمانية، وبدلاً من ذلك يجب تنسيق خطط الإغاثة من الكوارث للولايات بحيث تتوافق مع التخطيط العسكري وتتجاوز السيناريوهات التقليدية.
من زاوية أخرى، على غرار الاستراتيجية العسكرية، ينبغي التركيز على القدرات المدنية والمجتمعية والنفسية لمقاومة الخوف، كتلك المعمول بها في السويد وفنلندا بعدما أُهمل هذا الجانب إلى حد كبير في ألمانيا، فضلاً عن تعزيز المهارات اللازمة للحماية المدنية في المدارس وتثقيف الطلاب لاكتسابها ولفهم دورهم في الأزمات.
تشكيك في تنفيذ خطة ألمانية شاملة للدفاع المدنيورحّب الأمين العام للصليب الأحمر الألماني كريستيان رويتر، في تصريح لـ" زد دي أف" بإقرار خطة ألمانية شاملة للدفاع المدني.
وبيّن أن الحماية المدنية أهملت لسنوات وكان التمويل المخصص للحماية المدنية والإغاثة في حالات الكوارث غير كاف، برز تشكيك في كفاية الاستثمار لمرة واحدة لمعالجة قائمة طويلة من أوجه القصور.
وطالبت ولايات مثل سكسونيا السفلى وبريمن وتورينغن بتحسينات جوهرية، لأن الخطة تفتقر في بعض النقاط للعناصر الضرورية والمناسبة في هذه الأوضاع.
وقال وزير داخلية ولاية تورينغن غيورغ ماير لوكالة الأنباء الألمانية، إن خطط وزارة الداخلية الاتحادية في أحسن الأحوال مجرد بداية، وألمانيا لا تزال بعيدة كل البعد عن نظام مثالي للدفاع المدني كالمعتمد في فنلندا (تعتمد على استراتيجية" الدفاع الشامل" التي تدمج كل قطاعات الدولة).
أما الباحث في شؤون الأزمات والكوارث مارتن فوس فشكك في تصريح لصحيفة" تاغسشبيغل" الألمانية، في كفاية الأموال المتاحة حالياً، حتى للبدء في معالجة تراكم الاستثمارات الضرورية في إطار تنفيذ خطة ألمانية شاملة للدفاع المدني.
وبيّن أن العديد من المباني التابعة للوكالة الفيدرالية للإغاثة التقنية وإدارات الإطفاء بالكاد صالحة للاستخدام.
كما أن المركبات والمعدات قديمة أو غير متوفرة على الإطلاق.
حتى أن البلديات تطالب بالمشاركة في اتخاذ القرارات وألا تكون أحادية الجانب في ما يتعلق بالاستثمارات والمشتريات المخطط لها، مشيرة إلى أن المبلغ المرصود سينفد سريعاً، وهناك حاجة ملحّة لالتزام طويل الأمد تجاه الدفاع المدني.
وذكرت تقارير ألمانية أن من بين ألفي ملجأ كانت موجودة، لم يعد متوفراً سوى 579 ملجأً، جزء ضئيل منها صالح للاستخدام.
وفي حالات الطوارئ ستوفر هذه الخطط حماية فعلية لحوالي 100 ألف شخص، أي ما يعادل 0.
1% من السكان.
وعلى المقلب الآخر، بينت تعليقات أن المقاربات السياسية لتنسيق الإجراءات المدنية مع الجيش، تدل على الوعي والمرونة والرغبة في التعاون الوثيق، ولكي يقف كل طرف عند مسؤولياته في حالات الأزمات، أي مثل ما كان سائداً في تسعينيات القرن الماضي من التدريبات المشتركة إلى الخطط المنسقة والاستعدادات للأزمات والنزاعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك