ثمّة من يجلس في داخلي منذ فترة.
يجيء ويروح، وهو في مجيئه ورواحه هذا يحفر ثلماً، درباً، حضوراً.
زياراته المتكرّرة وأثر خطواته يصنعان ممرّاً أعرف أنّه يقود إليه في النهاية.
لماذا جاء وكيف ليسا همّي، بل هل هو مقيم فعلاً، وكيف ستكون قصّتي معه؟ في دواخلنا نحن نعرف، وإن لم نكن نعرف بعد كثيراً عنه.
لا يطرق باباً ولا يستأذن.
يتسرّب كما الهواء من شقٍّ ما، قلّما نلحظ حضوره.
في البداية، تظنّه عابراً كتلك الأشباح التي نلمح في زاوية العين قبل أن تتلاشى.
بعضها يُنقذها الورق لحظة قدومها، وقد تبقى ملحوظةً مدوّنةً في قصاصة ما، أو في دفتر.
للأفكار أقدارها أيضاً، منها ما هو قصير العمر، ومنها ما يقضي مبكّراً.
إلّا أنّ هذ يبدو من النوع المقيم، مبدئياً.
يجلس صامتاً، واثقاً، صبوراً، كأنّه يعرف أنّ الوقت إلى جانبه.
والحقّ يقال، أنت لا تصفن يوماً وتقرّر" سأصنع إنساناً".
أنت في الواقع تلتقي به، وإذا ما حرّك فيك شيئاً، تروح تدور من حوله، تتأمّل تفاصيله، تجس نبضه مرّةً في إثر مرّة.
وإذ تغيب لاختبار قوّة حضوره، بالأحرى صموده، تُفاجأ أنّه ما زال قابعاً هناك في انتظارك، وأنّه ببقائه إنّما يكتسب وزناً وشرعية، إلى أن تحين تلك اللحظة، حينما تقرّر سؤاله: " هه، ماذا تريد أن تقول؟ ".
كان تورغينيف يكتب سِيَر شخصياته قبل أن يباشر تأليف الرواية، يسجلّ كلّ ما حدث لها، وعاشته، حتّى لا يتبقّى أمامه إلّا سؤال: " ماذا سأجعلها تفعل؟ ".
قال فلوبير حين سُئل عن مدام بوفاري: " هي أنا".
أمّا دوستويفسكي، فرأى أنّ الشخصيات تقتحم الكاتب قبل أن تُفهم.
ثمّة ما يذكّر بفيلم سبيلبرغ" لقاء من نوع ثالث"، حين يلتقي البشر بقادمين من كوكب آخر لا يعرفون لغتهم، فيبحثون عن إشارة مشتركة، عن نغمة، شيء يجسّر المسافة بين عالمَين.
الروائي يفعل الشيء نفسه مع شخصياته: يتلمّس، يقترب، يعاين، علّه يجد الكلمة التي تفتح الباب.
لذا، ليس ما يسبق الكتابة وقتاً ضائعاً.
هو فترة تنمو فيها الشخصية في الظلّ، تتجمّع ملامحها ببطء من وجوه عابرة ونبرات قديمة وأسئلة مخبوءة.
وحين نلتفت إليها، تجدها أعرف بنفسها ممّا تظن، ذلك أنّ الانتظار نفسه يشكّل جزءاً من عملية الخلق، ليس أقلّ أهمية من الكتابة ذاتها.
لذا ربّما، تبدو الشخصيات كأنّها تسبق الكاتب بخطوة، فتتحرّك وحيدةً لتكتسب منطقها الخاصّ بحيث لا يعود ممكناً دفعها إلى ما نشاء.
فبعض الأبواب المفتوحة أمامها ترفض ولوجها، وبعض الأفعال والسلوكيات تبدو غريبة عنها.
هذه أولى علامات حياتها، لأنّ الشخصية الميّتة تطيع دائماً، أمّا الحيّة فتفاجِئ وتجرّ النصّ إلى مسارات لم تكن في الحسبان فارضةً قدرها الخاص.
واللافت أنّ هذا القرب لا يلغي الغموض، إذ تحتفظ حتّى أكثر الشخصيات حضوراً بجزء يصعب تشريحه.
غرفة صغيرة مغلقة في داخلها، لا يملك حتّى الكاتب مفتاحها.
ضمن هذا السياق، لا بدّ من سؤال يفرض ذاته: ألا تكون الرواية كلّها محاولةً للإصغاء إلى هذا الكائن الذي دخل من فسخ صغير، ثمّ تمدّد في النصّ؟ أليس كلّ فصل يُكتب بمثابة خطوة إضافية في اتجاهه، ما يجعل الأمر أشبه بإقامة علاقة وخوض تجربة عيش طويل إلى جانبه؟أجل، لا تشكّل نهاية الرواية وداعاً كاملاً.
بعض الشخصيات يبقي في داخلنا أثراً لا يُمحى، وهو قد يعود إلينا بعد سنوات طوال، أقلّ غموضاً وأكثر ألفةً، ليسألنا عن حاله ويسائلنا.
شخصيات كأنّها لم تُكتب كي تنتهي، بل كي تظلّ ممكنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك