مع ساعات الصباح الأولى، تبدأ الطرق المؤدية إلى بحيرة ميدانكي في ريف منطقة عفرين بالازدحام تدريجياً، سيارات تقل عائلات وشباناً قدموا من مدينة حلب وأريافها، ومن إدلب وريفها، فضلاً عن زوار من مختلف مناطق الشمال السوري، بحثاً عن مساحة خضراء وهواء نقي ويوم هادئ بعيداً عن صخب المدن وحرارة الصيف، وبطبيعة الحال تبدو الطرق المؤدية إلى المنطقة أكثر ازدحاماً خلال أيام عطلة نهاية الأٍسبوع.
وعلى امتداد ضفاف البحيرة، تنتشر المطاعم والمقاهي والجلسات العائلية، بالإضافة إلى المساحات الخضراء المفتوحة بشكل مجاني للجميع، في حين تتعالى أصوات الأطفال وتمتزج برائحة الطعام المشوي، لتبدو المنطقة وكأنها تستعيد تدريجياً مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية في شمال غربي سوريا.
وخلال جولة ميدانية أجراها موقع تلفزيون سوريا في المنطقة، بدا واضحاً حجم التغير الذي شهدته بحيرة ميدانكي مقارنة بالسنوات الماضية، فقد ارتفع عدد الزوار بشكل لافت، وتحسن مستوى النظافة والخدمات، وبدأت مشاريع سياحية صغيرة بالظهور على ضفاف البحيرة، في وقت تسعى فيه الجهات المحلية إلى تطوير الموقع وربما استقطاب المزيد من الاستثمارات، رغم استمرار وجود تحديات خدمية وبنى تحتية تحتاج إلى معالجة.
ولا تقتصر أهمية ميدانكي على كونها متنفساً طبيعياً، بل تمثل أيضاً مورداً اقتصادياً لعشرات العائلات التي تعتمد على النشاط السياحي الموسمي، إذ أعادت الحركة المتزايدة للزوار الحياة إلى المطاعم والمحال التجارية والقرى المحيطة، لتتحول البحيرة إلى نقطة التقاء بين الطبيعة والاقتصاد المحلي، في مشهد يعكس جانباً من التعافي الذي تشهده المنطقة بعد سنوات طويلة من الجفاف والإهمال.
تقع بحيرة ميدانكي على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي مدينة عفرين، وبين مدينتي عفرين واعزاز، وتعد من أكبر البحيرات الاصطناعية في محافظة حلب، وقد تشكلت خلف سد ميدانكي الذي بدأ العمل به في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تدخل البحيرة الخدمة مطلع الألفية الجديدة، لتصبح لاحقاً إحدى أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة.
ويمنح الموقع الجغرافي للبحيرة ميزة استثنائية، إذ تحيط بها غابات الصنوبر وأشجار الزيتون الممتدة على السفوح الجبلية، بينما تمتد المياه الزرقاء لمسافة تقارب أربعة عشر كيلومتراً، في مشهد يجعل المكان أقرب إلى لوحة طبيعية تجمع بين الجبال والخضرة والمياه.
ولسنوات طويلة، كانت البحيرة مقصداً لأهالي محافظة حلب ومنطقة عفرين، قبل أن تتراجع الحركة السياحية خلال سيطرة" قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) على المنطقة في الفترة ما بين العامين 2011 و2018، وفي الفترة اللاحقة أيضاً، بقي وضع المنطقة بائساً، وذلك بعد سيطرة الفصائل المعارضة سابقاً، وما رافقها من تدهور أمني وخدمي، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت عودة تدريجية للزوار، وعموم الفترة التي تلت سقوط النظام المخلوع، وبالتزامن مع تحسن الواقع الأمني وعودة عدد من أبناء المنطقة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على النشاط السياحي.
وخلال الزيارة، لاحظ فريق تلفزيون سوريا ازدحاماً واضحاً بالمطاعم والجلسات المنتشرة على ضفاف البحيرة، ولا سيما خلال يومي الخميس والجمعة، حيث تتحول المنطقة إلى مقصد لعشرات العائلات التي تفضل قضاء عطلة نهاية الأسبوع وسط الطبيعة، في رحلة لا تستغرق أكثر من ساعة تقريباً من مدينة حلب.
وتكتسب البحيرة أيضاً أهمية بيئية، إذ تمتد بمحاذاتها غابة ميدانكي التي تضم آلاف أشجار الصنوبر الحلبي والبروتي، والتي خضعت سابقاً لعمليات تحريج واسعة جعلتها واحدة من أهم الغابات الطبيعية في منطقة عفرين، قبل أن تتعرض أجزاء كبيرة منها خلال السنوات الماضية، خلال سيطرة الفصائل المعارضة، لعمليات قطع ألحقت بها أضراراً كبيرة، وهو ما يجعل الحفاظ على ما تبقى منها جزءاً أساسياً من أي مشروع لتطوير السياحة البيئية في المنطقة، وبجهود محلية شهدت المنطقة إعادة تشجير وترميم للكثير من الأحراش التي بدت اليوم خضراء بعدما كان الجفاف سيد الموقف لسنوات.
ما تزال الطبيعة تحتفظ بجاذبيتها، إذ تتداخل الأشجار مع صفحة المياه الهادئة، فيما توفر المرتفعات المحيطة إطلالات واسعة يقصدها هواة التصوير ومحبو الرحلات، الأمر الذي جعل ميدانكي وجهة مفضلة ليس فقط للعائلات، بل أيضاً لطلاب الجامعات والمجموعات الشبابية التي تبحث عن يوم مختلف بعيداً عن ضغوط الدراسة والعمل.
ومن بين هؤلاء، التقى تلفزيون سوريا عدداً من طلاب المعهد التقاني للعلوم المالية والمصرفية في جامعة حلب، الذين نظموا رحلة جماعية إلى شلالات كمروك وبحيرة ميدانكي، وقال الطلاب إن الرحلة كانت من أجمل الأنشطة التي عاشوها خلال العام الدراسي، إذ أتاحت لهم فرصة الابتعاد عن أجواء المحاضرات والامتحانات والاستمتاع بالطبيعة، مؤكدين أن الأجواء التي عاشوها عززت روح الألفة والعمل الجماعي بينهم، وصنعت ذكريات ستبقى راسخة في أذهانهم، معربين عن أملهم في تكرار مثل هذه الرحلات بصورة دورية.
ورغم التحسن الملحوظ الذي شهدته المنطقة، فإن تطوير بحيرة ميدانكي ما يزال، بحسب القائمين عليها وأصحاب المنشآت، بحاجة إلى استثمارات وخدمات إضافية تواكب الزيادة الكبيرة في أعداد الزوار، ويقول مدير ناحية شران، نضال عبد الوهاب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن الناحية تعمل على متابعة مختلف الشكاوى المتعلقة بالخدمات أو الأسعار، مؤكداً أن تحسين الواقع السياحي للبحيرة يمثل أولوية بالنسبة للإدارة المحلية.
وأوضح أن المنطقة بحاجة إلى المزيد من الاستثمارات المنظمة، سواء في قطاع المطاعم أو المرافق السياحية أو الخدمات العامة، مشيراً إلى أن الناحية تقوم بما يقع ضمن صلاحياتها من أعمال تتعلق بالنظافة وتنظيم المنطقة، مع السعي إلى تنفيذ مشاريع جديدة من شأنها رفع مستوى الخدمات خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن الهدف هو تحويل البحيرة إلى وجهة سياحية متكاملة تستقطب الزوار من مختلف مناطق الشمال السوري، وهو ما يتطلب تعاوناً بين الإدارة المحلية والمستثمرين والقطاع الخاص، مؤكداً أن أي ملاحظات أو شكاوى يقدمها المواطنون تلقى متابعة مباشرة.
من جهته، يقول عبدو سمير، صاحب مطعم ومقهى" الشاطئ"، إن الموسم الحالي هو الأفضل منذ ما يقارب خمسة عشر عاماً، موضحاً أن الحركة السياحية شهدت نمواً غير مسبوق، حيث تستقبل المنطقة زواراً من إدلب وحلب واعزاز ومختلف مدن الشمال السوري، ويشير إلى أن هذا النشاط انعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية في القرى المحيطة، فلم تعد الفائدة مقتصرة على أصحاب المطاعم فقط، بل استفاد باعة الخضار واللحوم والخبازون وأصحاب المحال التجارية ووسائل النقل، ما ساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
لكن سمير يرى أن عدداً من المشكلات ما يزال يحد من تطوير القطاع السياحي، وعلى رأسها ضعف الخدمات الأساسية، ويقول لموقع تلفزيون سوريا، إن سيارات البلدية لا تجمع النفايات إلا مرة واحدة أسبوعياً، وهو أمر لا يتناسب مع الأعداد الكبيرة من الزوار، مطالباً بزيادة وتيرة أعمال النظافة للحفاظ على جمالية المكان.
كما يلفت إلى غياب شبكة الكهرباء عن المنطقة السياحية، رغم وصولها إلى قرية ميدانكي القريبة، الأمر الذي يضطر أصحاب المنشآت إلى تشغيل المولدات والاعتماد على البطاريات لتأمين الإنارة، وهو ما يرفع تكاليف التشغيل بصورة كبيرة، ويضيف أن الطريق المؤدي إلى البحيرة بحاجة أيضاً إلى إعادة تأهيل وتعبيد، لأن وعورته تؤثر على سهولة وصول الزوار، ولا سيما العائلات.
ويطرح سمير قضية أخرى يصفها بالمهمة، وهي عدم حصول معظم المنشآت السياحية على تراخيص رسمية حتى الآن، رغم استعداد أصحابها لدفع الرسوم القانونية والاستثمار بصورة منظمة، معتبراً أن منح التراخيص سيشجع المستثمرين على توسيع مشاريعهم وتحسين الخدمات المقدمة للزوار، وبحسب سمير، فإن أسعار المطاعم تعد مناسبة مقارنة بالمناطق المجاورة، مشيراً إلى أن أسعار الوجبات لا تختلف كثيراً عن مدينة عفرين أو حلب أو أعزاز، وهو ما يشجع العائلات على قضاء يوم كامل في البحيرة من دون تكاليف مرتفعة.
السياحة بين الفرص وتحديات السلامةداخل مطعم" البحيرة"، تبدو الحركة أكثر نشاطاً مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع، حيث تنشغل فرق العمل باستقبال الزوار وتحضير الوجبات، في مشهد يعكس حجم الإقبال الذي تشهده المنطقة هذا الصيف، ويقول صاحب المطعم، عدنان حنان أبو رشيد، لموقع تلفزيون سوريا، إن المشروع انطلق انطلاقاً من قناعة بأن بحيرة ميدانكي تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتكون واحدة من أهم الوجهات السياحية في شمال سوريا، إلا أن هذه المقومات تحتاج إلى تنظيم واستثمار طويل الأمد.
ويؤكد أن المطعم يحرص على تقديم الطعام الطازج يومياً، ولا سيما الأسماك التي يتم اصطيادها من البحيرة، إلى جانب الوجبات الشعبية التي يقبل عليها الزوار، مع المحافظة على أسعار مناسبة تستهدف مختلف الفئات الاجتماعية، ويضيف أن الحركة السياحية لا تتوقف خلال أيام الأسبوع، لكنها تبلغ ذروتها يومي الخميس والجمعة، إذ تصل عائلات كثيرة في ساعات المساء، وتقضي ليلتها في المنطقة قبل استكمال رحلتها في اليوم التالي، وهو ما أسهم في خلق موسم سياحي حقيقي لم تشهده البحيرة منذ سنوات طويلة.
ويرى أبو رشيد أن استمرار هذا النشاط يتطلب تطوير البنية التحتية وإقامة مرافق خدمية إضافية، مثل دورات المياه العامة، ومواقف السيارات، وتحسين شبكة الطرق والكهرباء، فضلاً عن تنظيم الاستثمار بما يحفظ حقوق أصحاب المنشآت ويضمن جودة الخدمات.
وفي المقابل تؤكد مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا، أن الإقبال الكبير على البحيرة يفرض تحدياً آخر يتعلق بسلامة الزوار، إذ تشهد البحيرة بين الحين والآخر حوادث غرق، غالباً بسبب السباحة في أماكن غير آمنة أو دخول أشخاص لا يجيدون السباحة إلى المياه العميقة، وتشير المصادر إلى أن طبيعة البحيرة الجبلية تجعل معظم ضفافها شديدة الانحدار، كما أن برودة المياه والتيارات الداخلية والطين الموجود في القاع تزيد من خطورة السباحة، فضلاً عن غياب الشواطئ المجهزة، ورغم الجهود التي يبذلها متطوعو فرق الإنقاذ لمراقبة بعض المواقع المزدحمة خلال العطل، فإن الإمكانات المحدودة لا تسمح بتغطية كامل البحيرة، الأمر الذي يجعل الالتزام بإرشادات السلامة مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والزوار.
وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، ازدادت حركة الزوار على ضفاف البحيرة، وتحولت الجلسات العائلية إلى لوحات تعكس عودة الحياة إلى المكان، في مشهد يختصر ما شهدته ميدانكي خلال الأشهر الأخيرة، ويقول إبراهيم عبدو، وهو من أبناء منطقة عفرين، إن عودة الأهالي إلى مدينتهم أعادت معها مشاهد كانت غائبة لسنوات، مضيفاً أن بحيرة ميدانكي أصبحت اليوم رمزاً لهذه العودة، حيث تجتمع العائلات كل أسبوع للاستمتاع بالطبيعة واستعادة جزء من الحياة التي افتقدتها المنطقة.
ويرى أن ضحكات الأطفال، وحركة الأسواق، وازدحام المطاعم، تعكس حالة من التفاؤل لدى السكان، رغم استمرار التحديات الخدمية، مؤكداً أن المنطقة تستحق مزيداً من الاهتمام لما تمتلكه من مقومات طبيعية وسياحية فريدة، وتختصر بحيرة ميدانكي اليوم قصة مكان يحاول أن يستعيد حضوره بعد سنوات من التراجع والإهمال، فبين المياه الهادئة والغابات الممتدة والمشاريع الصغيرة التي بدأت تنمو على ضفافها، تتشكل ملامح وجهة سياحية جديدة في شمال سوريا، وفي حين ما تزال تحديات الخدمات والبنية التحتية والسلامة قائمة، فإن الحركة المتزايدة للزوار، وعودة النشاط الاقتصادي، والجهود المحلية لتطوير المنطقة، كلها مؤشرات على أن ميدانكي تمتلك فرصة حقيقية لتتحول إلى أحد أبرز المقاصد السياحية في الشمال السوري، إذا ما اقترنت هذه المقومات بخطط تنموية واستثمارات مستدامة تحافظ على جمال المكان وتضمن استمرارية ازدهاره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك