انتهت المحادثات التي شهدتها العاصمة الأميركية واشنطن بتوقيع الاتفاقية الإطارية والملحق الأمني بين إسرائيل ولبنان، بعد أسابيع طويلة من الجمود السياسي، والتقلبات العسكرية الميدانية، والمناورات السياسية المعقدة.
وداخل أروقة البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، لم يكن هذا الاتفاق مجرد تفاهم حدودي وأمني تقليدي لإنهاء جولة من التصعيد، بل كان ساحة اشتباك حقيقية وعميقة بين الرؤى الاستراتيجية المتعارضة داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب، ونتيجة لضغط أميركي غير مسبوق على تل أبيب، وصولاً إلى دراما الغرف المغلقة وحالات التلاسن الحاد بين القيادة السياسية الإسرائيلية وممثليها الدبلوماسيين والأمنيين في واشنطن.
وتشير التقارير الاستخباراتية المسربة إلى أن هذا الاتفاق التاريخي مر عبر مخاض عسير، ويمكن تلخيص واقع ما جرى في غرف صناعة القرار قبل صياغة المشهد النهائي للتوقيع في ثلاثة عناصر جوهرية ومفصلية.
بذلت إدارة ترمب جهودًا حثيثة لإظهار جبهة سياسية خارجية موحدة ومتماسكة، غير أن كواليس الإدارة شهدت في واقع الأمر تباينًا حادًا واختلافًا ملحوظًا في اللهجة والرؤى بين قطبين بارزين هما وزير الخارجية ماركو روبيو من جهة، ونائب الرئيس جيه دي فانس من جهة أخرى.
ولم يكن الخلاف بينهما مجرد تباين عادي في وجهات النظر حول الشرق الأوسط، بل عكس صراعًا خفيًا وتنافسًا سياسيًا كبيرًا بين رجلين يُنظر إليهما كمرشحين محتملين بارزين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2028، حيث يمثل كل منهما مدرسة مختلفة في السياسة الخارجية للحزب الجمهوري.
وقاد روبيو مسار الاتفاق الإطاري الجديد بين لبنان وإسرائيل مستندًا إلى التوجه الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري، المهتم بالأمن القومي وتعزيز التحالفات التاريخية.
وبحسب تقارير صحيفة «معاريف»، فإن رؤية روبيو للاتفاق مع لبنان تهدف بالأساس إلى إبعاد النفوذ الإيراني بالكامل عن الأراضي اللبنانية عبر مسار استراتيجي يبدأ بنزع سلاح حزب الله.
ودافع روبيو خلال جولته الدبلوماسية في دول الخليج العربي، عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، بزعم أنها رد مشروع على هجمات حزب الله المستمرة، وتجنب علنًا التعليق على الانتقادات، مؤكدًا أن أي اتفاق مع إيران أو في المنطقة يجب أن يحمي مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بشكل كامل ومطلق، رافضًا أي أفكار تدعو دول الخليج لتمويل إعادة إعمار إيران في الوقت الحالي.
في المقابل، تبنى نائب الرئيس جيه دي فانس نظرة أكثر تفاؤلاً بشأن مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية، تماشيًا مع مواقفه السابقة المناهضة للتدخلات العسكرية الأجنبية المكلفة والدعاية لدور أميركي أكثر ضبطًا للمقاييس في الخارج.
وكان فانس يرى أن استمرار التصعيد العسكري يهدد بانهيار هذا الإنجاز الدبلوماسي.
وقد خرجت الاختلافات إلى العلن عندما انتقد فانس الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية والمناطق المدنية في العاصمة اللبنانية بيروت، محذرًا من أن هذه الهجمات المفرطة تعرقل الجهود الدبلوماسية ومبادرات السلام الإقليمية.
ويرى فانس في المفاوضات مع إيران فرصة لبناء علاقة تعاونية أوثق، مشيرًا إلى إمكانية مساهمة دول الخليج في تمويل إعادة إعمار إيران إذا استمر السلام.
وكشف عن تنسيق استخباراتي متقدم شمل دعوة مسؤول في المخابرات الإيرانية للعمل كضابط اتصال عسكري في دولة قطر.
وانتقد المحللون والخبراء المقربون من فانس الاتفاق الخاص بلبنان الذي قاده روبيو، معتبرين أنه لا ينسجم مع روح التفاهمات المبرمة مع طهران.
تدخلت الرئاسة الأميركية لفرض صيغة توفيقية تحافظ على تماسك الإدارة، واضطر فانس، رغم تحفظات فريقه ومقربيه، إلى دعم مسار روبيو علنًاونفى البيت الأبيض ووزارة الخارجية وجود أي انقسام جوهري، وأكد المسؤولون أن اتفاق لبنان يمثل التفسير الأميركي الفعلي للبند المتعلق بلبنان في الاتفاق العام مع إيران، وأن الإدارة متحدة خلف هدف منع إيران من حيازة سلاح نووي واستعادة سيادة الحكومة اللبنانية.
وتم التوافق داخل الإدارة على تجميد أي ضغوط أميركية على إسرائيل تلزمها بالانسحاب الكامل الفوري من جنوب لبنان كما كانت تطالب إيران، لتبدو الإدارة بجبهة موحدة أمام حلفائها وخصومها في لحظة حرجة من مسار التفاوض الإقليمي.
حذرت وكالات الاستخبارات الأميركية، من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمتلك حوافز سياسية شخصية قوية للقيام بخطوات عسكرية تقوض جهود ترمب في التوصل إلى سلام إقليمي شامل.
ووفقًا للتحليلات الاستخباراتية، فإن بقاء نتنياهو السياسي مرتبط بشكل وثيق بإظهار القوة والصلابة أمام الجمهور الإسرائيلي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الخريف، حيث يواجه ضغوطًا هائلة من مئات الآلاف من النازحين من شمال إسرائيل.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن 70% من الإسرائيليين يؤيدون تكثيف القتال ضد حزب الله، وأن أي انسحاب دون تدمير كامل للحزب سيُفسر على أنه هزيمة قد تنهي حياته السياسية وعلاقته بالبيت الأبيض.
وعبرت الحكومة الإسرائيلية عن إحباطها الشديد من بنود مذكرة السلام الأميركية الإيرانية، معتبرة أنها تقوض استراتيجية «الضغط الأقصى» على طهران وتحد من قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها ضد حزب الله.
وتعمد نتنياهو شن غارات جوية عنيفة على معاقل حزب الله في ضواحي بيروت الجنوبية وردت إيران بإطلاق صواريخ باليستية، في تكتيك إسرائيلي يهدف إلى فرض واقع ميداني جديد وإجبار واشنطن على التراجع عن شروط التهدئة مع طهران.
وأثارت المناورات العسكرية الإسرائيلية غضب ترمب ومسؤولي إدارته، الذين اعتبروا التصعيد الإسرائيلي خطرًا يهدد بتمزيق إطار الاتفاق مع إيران، ويعطل هدف واشنطن الاستراتيجي بإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي لتجنب أزمة اقتصادية وطاقة عالمية.
وأقر ترمب خلال مؤتمر صحفي في فرنسا على هامش قمة مجموعة السبع، بوجود خلاف بسيط بشأن لبنان مع نتنياهو.
واتخذ الضغط الأميركي طابعًا أكثر صرامة وتهديدًا، ففي مكالمة هاتفية، حذر ترمب نتنياهو، قائلًا: «يا بيبي، من الأفضل أن تكون حذرًا في تحركاتك، وإلا فإنك ستجد نفسك وحيدًا قريبًا جدًا في هذه المواجهة».
وأوضح ترمب لنتنياهو أن الولايات المتحدة لن تمنح إسرائيل «الضوء الأخضر» المفتوح، وإذا استمرت في إشعال الجبهات وتصعيد الصراع العسكري بما يخدم مصالح نتنياهو السياسية الضيقة، فإن واشنطن مستعدة لفرض تكاليف وعواقب حقيقية في الوقت الفعلي.
وتمثلت التهديدات في إمكانية قطع أو تأخير إمدادات الذخائر الحيوية وقطع الغيار ووقود الطائرات، مما يحد من القدرة العملياتية للجيش الإسرائيلي، أو تجميد تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية الحيوية، وصولاً إلى سحب أو تقليص انتشار القوات والمنظومات الدفاعية الأميركية التي تم نشرها لحماية وتأمين المجال الجوي الإسرائيلي من الهجمات الصاروخية الخارجية.
وأحدث تهديد ترمب ارتباكًا داخل القيادة العسكرية والأمنية في تل أبيب، وفي يوم الإثنين المثقل بالأحداث، كانت المقاتلات الإسرائيلية قد تم تزويدها بالذخيرة وباتت على مدرج الإقلاع لتنفيذ عملية عسكرية وُصفت بأنها «ضخمة» ضد أهداف حيوية واقتصادية داخل إيران ردًا على الرشقات الصاروخية.
ونتيجة لضغوط ترمب، اضطر نتنياهو إلى التراجع في اللحظات الأخيرة وأصدر أمرًا عاجلاً بإلغاء العملية العسكرية، مما خلق حالة من الذهول والارتباك وسط الجنرالات.
وخرج نتنياهو بعد ذلك في رسالة مصورة، مؤكدًا توقف إطلاق النار في الوقت الحالي على الجبهة الإيرانية، زاعمًا أن التوقف جاء لأن النظام في طهران تعرض للضرب فتوقف عن مهاجمتنا، موضحًا أن إسرائيل تحتفظ بحق قرار استخدام القوة العسكرية لحماية مواطنيها.
انتقلت تفاصيل الأزمة والضغط إلى داخل أروقة المجمع الدبلوماسي في واشنطن، حيث عكفت الوفود الفنية والأمنية على صياغة وتنقيح الوثائق الثلاث المكونة للاتفاق بين بيروت وتل أبيب: الاتفاقية الإطارية، والملحق الأمني، وخطة الانسحاب.
وجرت المحادثات على مسارين متوازيين، مسار أمني مغلق بين العسكريين والمسؤولين، ومسار سياسي بين الدبلوماسيين والوسطاء الأميركيين.
ووصف مسؤولون أميركيون مطلعون، الاجتماعات بأنها كانت اجتماعات «قبيحة» ومشحونة بالتوتر الشديد، إذ تبادل الجانبان الإسرائيلي واللبناني الاتهامات، واحتج كلاهما على مسودة التفاهمات الأميركية مع طهران التي اعتبروها تمنح إيران دورًا غير مباشر في الشأن اللبناني الداخلي وتسمح لها بالتدخل.
ووصلت المحادثات إلى طريق مسدود نتيجة تشديد نتنياهو للمطالب بتوسيع النطاق الجغرافي للمنطقة الأمنية العازلة وتأخير جدول الانسحاب، مما دفع الوسطاء الأميركيين لتمديد المفاوضات وممارسة ضغوط مباشرة إضافية لتضييق الفجوات في الوثائق الثلاث.
وشهدت المشاورات الأمنية المصغرة التي عقدها نتنياهو مع وزير الجيش يسرائيل كاتس وقادة الأجهزة في مقر قيادة الجيش، انقسامًا حادًا، حيث هاجم وزراء الجناح اليميني المتطرف أي تراجع أمام المطالب الأميركية، وذلك في الوقت الذي كان فيه الوفد الإسرائيلي في واشنطن يواجه إصرارًا أميركيًا على التوقيع دون تأخير.
وزعم وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير أن على إسرائيل الثبات في وجه ترمب ورفض إملاءاته وإبراز الخطوط الحمراء، معتبرًا التنسيق الحالي رضوخًا مهينًا يتأثر بالحملة الانتخابية، وهو ما رد عليه نتنياهو باتهام بن غفير بالانطلاق من حسابات حزبية ضيقة.
من جانبه، طالب وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش بالتمسك بـ«نموذج بيروت» ومواصلة قصف العاصمة اللبنانية بوحشية لإجبار حزب الله على التوسل من أجل وقف النار وفصل الجبهة اللبنانية عن المسار الإيراني.
وانضم وزير الخارجية الأميركي للمحادثات لوضع اللمسات الأخيرة، وأبلغ الجانب الأميركي الوفد الإسرائيلي المفاوض برئاسة السفير في واشنطن يحيئيل ليتر أن التوقيع يجب أن يتم ليلة الجمعة ولا مجال لتأجيله لمرة أخرى تحت أي ظرف بناء على أوامر مباشرة من ترمب.
وأمام تردد نتنياهو ومحاولاته المناورة لإرضاء شركائه في الائتلاف الحكومي، شهدت غرف المفاوضات المغلقة اتصالاً هاتفيًا عاصفًا من السفير يحيئيل ليتر على رئيس وزراء حكومته بنيامين نتنياهو.
ووفقًا للمعلومات المسربة، تحدث ليتر، بنبرة حادة مع نتنياهو، محذرًا إياه من أن الاستمرار في المماطلة وتحدي إدارة ترمب في هذه اللحظة التاريخية يعد انتحارًا سياسيًا ودبلوماسيًا، وسيفضي إلى تدمير العلاقات العسكرية الاستراتيجية مع الحليف القوي والوحيد المتبقي لإسرائيل في العالم أجمع.
ونقل السفير لنتنياهو بوضوح فحوى التحذيرات العلنية الصارمة التي أطلقها نائب الرئيس جيه دي فانس في البيت الأبيض، والتي قال: «لو كنت عضوًا في حكومة إسرائيل، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع».
وأوضح الوفد المفاوض لنتنياهو أن الصيغة النهائية المستخلصة تمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية كبيرة وأفضل فرصة منذ سنوات لتأمين الحدود الشمالية، فهي تتضمن إقرارًا متبادلاً نادرًا بين لبنان وإسرائيل بحق العيش بسلام كدولتين جارتين ذاتي سيادة، وهو ما يعد اعترافًا لبنانيًا رسميًا بسيادة إسرائيل لم يتحقق حتى في اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022.
كما تضمن نصًا صريحًا يؤكد بقاء واستمرار وجود الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية العازلة داخل الأراضي اللبنانية إلى حين التحقق من نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، مع بدء تطبيق الاتفاق عبر منطقتين تجريبيتين يتولى فيهما الجيش اللبناني تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة والبنى التحتية العسكرية قبل أي انسحاب إسرائيلي كامل، مما يشكل ضمانة قوية ضد أي ضغوط إيرانية ويجبر الحكومة اللبنانية على تحمل مسؤولية نزع السلاح أولاً، وتفادي تباطؤ القيادة العسكرية اللبنانية السابقة، فضلاً عن الاحتفاظ بالحق الكامل للجيش الإسرائيلي في حرية الحركة والعمل العسكري الدفاعي ضد أي تهديدات أمنية ناشئة بموجب الملحق الأمني الذي لا يتعارض مع حرية التحرك.
وتراجع نتنياهو، أمام هذا الاحتداد من السفير والوفد الأمني، عن تحفظاته الأخيرة وأبلغ السفير بمنحه التفويض الكامل للتوقيع.
وجرى التوقيع النهائي على الاتفاقية الإطارية والملحق الأمني ليلة الجمعة، لتنتهي واحدة من أعقد كواليس المناورات السياسية والعسكرية بين واشنطن وتل أبيب وبيروت وتجنيب لبنان مصير قطاع غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك