إيلاف من لندن: تكشف بريطانيا، الثلاثاء، خطة استثمار دفاعي طال انتظارها، عنوانها الأبرز تخصيص أكثر من £5 مليارات للدرونز والأنظمة غير المأهولة، في تحول عسكري واضح من منطق السفن والمنصات الثقيلة إلى منطق الحرب السريعة التي تقودها المسيّرات والذكاء الاصطناعي.
وتقول الحكومة البريطانية إن هذا سيكون أكبر استثمار في الدرونز في تاريخ القوات المسلحة البريطانية، على مدى السنوات الأربع المقبلة، بهدف تحديث جيش أُنهكته سنوات من تقليص القدرات، في وقت تتصاعد فيه التهديدات من روسيا وإيران، وتتبدل طبيعة الحروب بفعل التجربة الأوكرانية.
(GOV.
UK)لكن الزاوية الأكثر إثارة ليست في الرقم وحده، بل في ما يكشفه: بريطانيا، القوة البحرية التاريخية، تتحرك نحو جيش أقل اعتماداً على الفولاذ وأكثر اعتماداً على الخوارزميات، وأقل تعلقاً بالمدمرات التقليدية وأكثر ميلاً إلى الزوارق غير المأهولة، المسيّرات الهجومية، والأنظمة الذاتية التي تستطيع القتال والاستطلاع والتشويش بكلفة أقل وسرعة تطوير أعلى.
وبحسب «رويترز»، ستضع خطة الاستثمار الدفاعي الدرونز والأنظمة غير المأهولة في قلب تحديث القوات البريطانية، بما يشمل مسيّرات هجومية، وسفناً وغواصات غير مأهولة، وأنظمة ذاتية تعكس دروس الحرب في أوكرانيا، حيث تحولت المسيّرات من أداة مساندة إلى عنصر حاسم في ساحة القتال.
وتشير الحكومة البريطانية إلى أن أوكرانيا تستخدم نحو 200 ألف مسيّرة شهرياً في حربها ضد روسيا، وأن الابتكار في هذا المجال يحدث خلال أسابيع، لا خلال السنوات الطويلة التي تحتاجها المنصات العسكرية التقليدية، مثل السفن الكبرى أو الطائرات المقاتلة.
وهذه هي الحجة المركزية للخطة: من لا يستطيع تحديث أدواته بسرعة الحرب الجديدة، سيخسر قبل أن تصل سفينته التالية إلى البحر.
دروس أوكرانيا تصل إلى البحريةالخطة لا تقف عند الجو.
فالبحرية الملكية، التي كانت يوماً رمز القوة البريطانية، تدخل بدورها مرحلة إعادة تعريف.
فقد أفادت الحكومة بأنها ستتخلى عن مسار استبدال بعض المدمرات القديمة بصيغتها التقليدية، وتتجه إلى شراء ما لا يقل عن 6 سفن قتال مشتركة، تُستخدم مراكز تحكم للأنظمة غير المأهولة.
كما أعلن وزير الدفاع الجديد دان جارفيس عن زوارق عالية السرعة لقوات الكوماندوز.
وهنا تكمن المفارقة: بريطانيا لا تعلن فقط شراء مسيّرات، بل تعيد كتابة وظيفة السفينة نفسها.
لم تعد السفينة، في هذا التصور، مجرد منصة إطلاق نار أو دفاع جوي، بل مركز قيادة لمجموعة من الأنظمة الأصغر والأرخص والأكثر خطراً، بعضها فوق الماء وبعضها تحته وبعضها في الجو.
وكانت مراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 قد دعت أصلاً إلى بناء قوة بحرية «أكثر قوة وأرخص وأبسط»، بمزيج ديناميكي من السفن المأهولة وغير المأهولة والأنظمة الذاتية، في اعتراف واضح بأن نموذج الأسطول التقليدي لم يعد وحده كافياً لمواجهة حروب العقد المقبل.
غير أن الإعلان يأتي محمولاً على أزمة سياسية لا تقل أهمية عن مضمونه العسكري.
فقد تأخر صدور خطة الاستثمار الدفاعي 9 أشهر، وسط خلافات بين وزارة الدفاع ووزارة الخزانة على التمويل.
واستقال وزير الدفاع السابق جون هيلي هذا الشهر منتقداً عجز رئيس الوزراء كير ستارمر عن توفير الموارد الكافية لحماية البلاد، قبل أن يعاد تشكيل الخطة تحت إشراف وزير الدفاع الجديد دان جارفيس.
وتقول «فايننشال تايمز» إن الخطة تتضمن £5 مليارات للدرونز والأنظمة غير المأهولة ضمن زيادة أوسع في الإنفاق الدفاعي تبلغ نحو £14.
5 مليار، لكنها تشير إلى أن هيلي كان يضغط للحصول على حزمة أكبر، وأن الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية لا تزال قائمة بسبب احتمال اضطرار الجيش إلى تقليص بنود أخرى.
أما «الغارديان» فأفادت بأن جارفيس انتزع تمويلاً إضافياً يتراوح حول £1.
5 مليار، ما رفع إجمالي الإنفاق المخصص للدرونز إلى £5 مليارات خلال 4 سنوات، بعدما كان الخلاف على حجم الفجوة التمويلية سبباً مباشراً في اضطراب وزارة الدفاع.
المشكلة أن القادة العسكريين حذروا من فجوة تمويلية كبيرة.
وتحدثت تقارير عن نقص يصل إلى £28 مليار خلال السنوات الأربع المقبلة لتحديث القوات، فيما لا تقدم الخطة، حتى الآن، جواباً كاملاً عن كيفية سد هذه الفجوة.
التكنولوجيا لا تلغي الحسابتحاول الحكومة تقديم الخطة بوصفها قفزة إلى المستقبل.
ستارمر قال، قبل نشر الخطة كاملة، إن الاستثمار سيقوي القوات المسلحة، فيما قال وزير الدفاع دان جارفيس إن الأنظمة غير المأهولة باتت تحدد ملامح الحرب الحديثة، وإن الخطة ستضمن وصول الجنود إلى المعدات التي يحتاجونها بسرعة أكبر.
لكن خصوم الخطة يرون أن اللغة التكنولوجية قد تخفي مشكلة أكثر تقليدية: المال.
فالدرونز أرخص من المدمرات، لكنها لا تلغي الحاجة إلى دفاع جوي، وذخائر، وغواصات، وسلاسل إمداد، وتدريب، وقدرة على الانتشار المستمر.
وبذلك يصبح السؤال: هل تختار بريطانيا الدرونز لأنها أدركت شكل الحرب الجديدة، أم لأنها لا تملك ما يكفي من المال للحرب القديمة؟الجواب الأقرب: الاثنان معاً.
فمن جهة، لم يعد ممكناً تجاهل الدرس الأوكراني.
الدرون الرخيص قادر على تعطيل دبابة باهظة، أو كشف موقع مدفعية، أو ضرب سفينة، أو تحويل جبهة كاملة إلى فضاء مراقب على مدار الساعة.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع بريطانيا بناء كل ما تحتاج إليه من سفن وطائرات وذخائر بالوتيرة التي تطلبها التهديدات الحالية، لذلك تبدو الأنظمة غير المأهولة مخرجاً عسكرياً ومالياً في آن.
تأتي الخطة أيضاً قبل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة يومي 7 و8 تموز (يوليو)، حيث يسعى الأوروبيون إلى إثبات قدرتهم على تحمل جزء أكبر من عبء الدفاع، في ظل توجه أميركي متزايد نحو تقليص الاعتماد الأوروبي على المظلة الأميركية.
وتعهّد ستارمر برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي في البرلمان المقبل، بعدما يتوقع أن يبلغ 2.
6% العام المقبل.
وكان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته قد عبّر في لندن عن ثقته بأن آندي بورنهام، المتوقع أن يخلف ستارمر، سيحافظ على التزامات بريطانيا الدفاعية طويلة المدى، في وقت يطالب الحلف أعضاءه بزيادة إنفاقهم وتسريع جاهزيتهم.
وهنا يصبح البعد السياسي واضحاً: خطة الدرونز ليست مجرد تحديث عسكري، بل رسالة إلى واشنطن والحلفاء بأن لندن ما زالت قادرة على البقاء في الصف الأول، حتى لو لم تعد تملك هامش الإمبراطورية البحرية القديمة.
جون هيلي في سويندون: مصنع الدرونز الأكبر في بريطانيا يربط الإنفاق الدفاعي بالوظائف والابتكار المحلي.
بريطانيا أمام امتحان الحرب المقبلةتسعى لندن إلى بناء جيش يستطيع التعلم بسرعة العدو.
لذلك تبدو الدرونز، والأنظمة الذاتية، والسفن غير المأهولة، جوهر الخطة لا هامشها.
لكن الحرب لا تُكسب بالتكنولوجيا وحدها.
ما لم ترافق الخطة إصلاحات في الشراء العسكري، وتمويل طويل الأمد، وصناعة قادرة على الإنتاج السريع، فقد تتحول £5 مليارات إلى إعلان كبير داخل مؤسسة صغيرة الإمكانات.
الزاوية الأعمق في الخطة أن بريطانيا لم تعد تسأل فقط: كم سفينة نملك؟ بل: كم نظاماً غير مأهول تستطيع كل سفينة أن تقود؟ وكم مسيّرة نستطيع إنتاجها شهرياً؟ وكم أسبوعاً نحتاج لتحويل درس من أوكرانيا إلى سلاح في يد جندي بريطاني؟هذا هو التحول الحقيقي.
بريطانيا لا تطور سلاحاً جديداً فقط، بل تحاول تغيير تعريف القوة العسكرية نفسها.
والسؤال الذي سيلاحق خطة ستارمر الأخيرة: هل هذه بداية جيش بريطاني جديد، أم غلاف رقمي لأزمة تمويل قديمة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك